معاذ قنبر - الاغتراب في التحليل النفسي..

1. الاغتراب عند فرويد

يبحث منهج التحليل النفسي في الاغتراب من جانبه الداخلي، إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن التحليل النفسي ليس مجرد علم أكاديمي يختص بحالة فردية معينة كالطب مثلاً، الذي يختلف بطريقة جذرية عنه في تقويمه لمفهوم العارض. فالعارض بالنسبة للطب بمثابة جسم غريب يجب اقتلاعه واستئصاله، أما في التحليل النفسي فهو الدال على الذات بمفهومها اللاشعوري، ولهذا الدال أو العارض ارتباط بسلسلة من الدلائل التي ارتسمت في تاريخ حياته بما تخلل ذلك من أحداث كان من نتيجتها تكوين هوامات وامتثالات لاشعورية أصبحت الموطن الأول المعبر عن رغباته. ومن هذا المنطلق بالذات بدأ فرويد. وإذا كان ماركس قد أكد على أن وجود الإنسان هو الذي يحدد وعيه وليس وعيه هو الذي يحدد وجوده، فإن فرويد جاء ليؤكد على أن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الشعور وليس العكس، فالأنا الأعلى هي معطى خارجي يفرض نفسه على الغرائز. هذا المعطى لا يقصد به فرويد مجموعة القوى الاقتصادية الاجتماعية التي تسيطر على الإنسان كما وصفها ماركس، بل هو، بصورة رئيسية، مجموعة القيود الثقافية والتعاليم والإرشادات الأخلاقية التي لا تسمح بالظهور الحر لرغبات الفرد اللاواعية. وكما أن الماركسية تعبر عن الوعي الاقتصادي بصيغة قوانين انطلاقًا من استغلال الأكثرية من قبل الأكثرية، كذلك فإن التحليل النفسي هو تعبير عن الوعي بالقمع الجنسي الاجتماعي. لكن الخلاف الجوهري هو أن الاستغلال الماركسي هو استغلال تمارسه طبقة على طبقة أخرى، أما عند فرويد فإن ذلك القمع الجنسي يشمل الطبقتين معًا، ذلك القمع والكبت الذي اعتبره أقدم من ظاهرة الاستغلال الطبقي من حيث منطلق التاريخ البشري.

يذهب فرويد إلى أن الدوافع اللطيفة البنَّاءة والمفعمة بالحب لدى الإنسان ليست أولية بل نشأت بصورة ثانوية من ضرورة كبت دوافعه الخبيثة الأصلية، وهو يفهم الحضارة على أنها نتيجة هذا النوع من الكبت، فهو يرى، وعلى خلاف روسو، أن الإنسان تتحكم فيه بالأصل دوافع شريرة، وكلما نما المجتمع وتطور، كلما مضى في إكراه الإنسان على أن يقمع ويكبت هذه الدوافع حيث يلجأ لآلية تصعيدها. ولكن، لما كانت قدرة الإنسان على تكوين ردود فعل تصعيدية محدودة فإن هذا الكبت يبقى غير ذي فاعلية وغير ذي تأثير، حيث تعود الدوافع الأصلية إلى الحياة وتنشط. وبما أنه من الصعوبة إحداث تغيير عميق في تلك الدوافع الأصلية فإن ذلك سيفضي إلى أعراض عصابية هي إحدى محاور الاغتراب النفسي عند الإنسان. يقول فرويد:

إن كل فرد هو بالقوة وبالعرض عدو للحضارة التي هي بالأساس لصالح البشرية قاطبة بوجه عام، وإنه مما يبعث على الاستغراب أن بني الإنسان الذين لا يحسنون الحياة في عزلة وعلى إنفراد يشعرون مع ذلك بوطأة اضطهاد ثقيلة بحكم التضحيات التي تنتظرها منهم الحضارة حتى تجعل حياتهم المشتركة ممكنة.

من تلك المقولة يُبرز فرويد أحد جوانب اغتراب الإنسان النفسي من خلال التناقض التاريخي الذي يعانيه بين الواجب المفروض عليه من الحضارة التي تحميه، وبين الرغبة بالتمرد عليها لتحقيق دوافعه الأصلية المقموعة. فهناك تباهي بالحضارة تضاده كره ونفور لاشعوري منها لما تمثله من قوة ضغط وإجبار قسري مهولة. ومن هذا المنطلق بالذات تُطرح ضرورة حماية الحضارة من الفرد. وفي خدمة هذه المهمة تعمل تنظيمات الحضارة ومؤسساتها وشرائعها التي ليس غرضها الأوحد تحقيق توزيع معين للخيرات بل والحفاظ أيضًا عليه وتثبيته وحمايته أمام نزوات البشر العدائية.

فالحضارة عند فرويد قامت بشكل أساسي على مفهوم الكبت الجنسي، ونحن نستنبط التعارض بين الحضارة والجنسية من كون الحب الجنسي هو علاقة بين اثنين لا مجال فيها لشخص ثالث إلا أن يكون متطفلاً أو يلعب دور معكر الصفو، بينما تقتضي الحضارة بالضرورة علاقات بين عدد كبير من الكائنات، هذا التعارض يوجه إلى كبت يُقابل بعدوانية هي أيضًا متأصلة في البشر، وبفضل هذه العدوانية الابتدائية، التي تؤلب بني الإنسان بعضهم على بعض، يجد المجتمع المتحضر نفسه مهددًا، باستمرار، بالنهب والدمار. ولا يكفي للمحافظة عليه الاهتمام بالعمل التضامني كون الأهواء الغريزية أقوى من الاهتمامات العقلية، لذلك على الحضارة أن تجنِّد كل ما في متناولها لكي تحد من العدوانية البشرية عن طريق ردود أفعال ذات طابع أخلاقي إلزامي. ومن هنا كان ذلك الاستنفار لطرائق ومناهج تحض بني الإنسان على تماهيات وعلاقات حب مكفوفة من حيث الهدف. ومن هنا أيضًا هذا التقييد للحياة الجنسية. ومن هنا أخيرًا كان ظهور المثل الأعلى المفروض على الإنسان بأن يحب قريبه كنفسه. يقول فرويد:

إذا كانت الحضارة تفرض مثل هذه التضحيات الباهظة لا على الجنسية وحسب بل وعلى العدوانية أيضًا، فإننا نفهم في هذه الحال فهمًا أحسن لماذا يعسر على الإنسان غاية العسر أن يجد في ظلها سعادته.

فكل حضارة مُلزمة بأن تشيد نفسها على الإكراه وعلى نكران الغرائز. وعلى خلاف ماركس ينظر فرويد نظرة متشائمة لإمكانية إحلال المساواة التامة التي تنهي حالة الاغتراب كما وصفها ماركس، فيقول:

لا ريب أن نسبة مئوية محددة من البشر، وبحكم استعداد مرضي أو قوة غريزية مُشتطَّة، ستبقى أبدًا لااجتماعية، ولكن إذا ما توصلنا إلى تقليص تعداد الأكثرية المناوئة لثقافة ما حتى تصير أقلية نكون قد فعلنا الكثير، بل وربما كل ما يُستطاع فعله.

وسبب صعوبة ذلك هو أن غرائز الإنسان، التي تصطدم مع الحضارة، ليست عوارض اكتسبها الإنسان عبر تطوره التاريخي، بل هي متأصلة في جِبلَّة الإنسان كإنسان، وبالتالي فإنه لا المواد نفسها ولا سبل اقتنائها وتوزيعها يمكن أن تشكل جوهر الحضارة أو طابعها الأوحد، ذلك أن هذه الموارد والسبل تجد نفسها مهددة بروح التمرد والظمأ إلى التدمير لدى أولئك الذين يسهمون في نشوء الحضارة والثقافة. لهذا كان هناك، وبشكل دائم، إلى جانب الموارد الوسائل التي تهدف وتُستخدم للدفاع عن الحضارة كوسائل الردع والقهر وغيرها من الوسائل التي تهدف إلى إصلاح ذات البين بين الإنسان الفردي كغرائز والإنسان الاجتماعي كثقافة، وإلى تعويض البشر عن تضحياتهم التي تعد بمثابة ركيزة للتراث الروحي للثقافة. وقد اصطلح فرويد على تسمية الحرمان بضرب القسر الذي تمارسه الثقافة لمنع الغرائز الإنسانية من الظهور ولبقاء الإنسان فوق الواقع الحيواني البدائي الذي كان يعيش فيه، فالأخلاق يعيشها الفرد عند فرويد أولاً على صورة تضحية أو عذاب، فهو يضحي بشيء عزيز عليه كغريزته وذلك للحصول على رضا المجتمع. فالحضارة قامت بتأثير دفع الضروريات الحيوية وعلى حساب إشباع الغرائز وإنه يعاد خلقها دائمًا في جزء كبير منها على النحو نفسه، إذ أن كل فرد جديد يدخل في المجتمع البشري يفرض عليه من أجل الصالح العام التضحية بغرائزه عن طريق كبتها. فالكبت، كما يقول فرويد، يبدو بأنه أحد أسس تطور البشر الحضاري، حيث تقوم الأديان بدورها في إنجاز شطر من هذا الكبت للغرائز فتحض الفرد على التضحية بملذاته وتقديمها قربانًا للإله. وبالتنازل والتحويل يستخدم الإنسان آلياته لكي يتحرر من سلطان غرائزه الشريرة والضارة بالمجتمع. لهذا ليس من قبيل المصادفة أن تكون جميع خصائص البشرية قد عُزيت إلى الآلهة القديمة، كما لم يكن ضربًا من التناقض مع ذلك ألا يؤذن للإنسان أن يسوغ آثامه بالمثال الإلهي.

إن مبدأ الواقع هو المقابل المثالي لمبدأ اللذة، وهو المقابل الذي ساعد على استمرار الجماعة وديمومتها الحضارية. فالأنا ترفض الحصول على لذة يتبعها ألم فتتردد بالاختيار بين اللذات، وعلى أساس هذا الاختيار تنشأ الروابط الاجتماعية. يقول فرويد:

من اليسير أن ندرك أن الأنا هو ذلك الجزء من الهو الذي طرأ عليه تعديل تحت التأثير المباشر للعالم الخارجي بوساطة النسق الإدراكي الشعوري، إنه بنوع ما امتداد للتمايز السطحي، وهو يجاهد أيضًا ليمد تأثير العالم الخارجي إلى الهو ونوازعه، ويسعى إلى إحلال مبدأ الواقع مكان مبدأ اللذة الذي يسود بلا منازع في الهو. فالأنا، من هذا المنطلق، يشبه في علاقته بالهو الفارس الذي يتعين عليه أن يلجم قوة الحصان العظيمة مع الفارق بأن الفارس يحاول أن يفعل ذلك بقواه الذاتية، بينما الأنا يفعل ذلك بالاستعانة بقوة من مصدر آخر. لهذا السبب بالذات يغدو الأنا هو المظهر الأول والأساسي لتدعيم دفاعات الحضارة وإعادة التوازن للنفس البشرية مع العالم المحيط.

إن تحقيق الدوافع على عواهلها، وبأكبر قدر ممكن من الحرية، كان ممكنًا، إلى حد ما، خلال طفولة الجماعة البشرية، حيث كان الأمر الأكثر طبيعية عندما كانت الأعراف لم تتخذ بعد شكلاً صلبًا. ولكن بعد التطور الحضاري اللاحق لم تلبث هذه الدوافع وأن كُبتت بفعل سيرورة بوسعنا أن نقارنها بالكبت الفردي. تلك الدوافع لم تتلاشى كليًا بل ظلت موجودة في ثنايا الأسطورة التي أصبحت حلمًا جماعيًا (كما الحلم هو أسطورة فردية)، أي عبارة عن مجموعة من الرموز التي تمر دون أن يفهم الشعب مغزاها الحقيقي أو الكامن المعبِّر عن نوازع البشرية المكبوتة بقوة. فرغبات الهو الغريزية تعاود الظهور والولادة مع كل طفل بشري، وثمة طبقة كاملة من الكائنات الإنسانية المصابة بالأمراض العصابية ترد على تلك الضروب من الحرمان بالنفور من الحياة الاجتماعية. ومما يتفق وتطورنا أن الإكراه الخارجي يجري استبطانه شيئًا فشيئًا، إذ تتبناه سلطة نفسية خاصة نسميها الأنا الأعلى التي تعتبر إحدى مكونات الثقافة الاجتماعية المعاصرة. واشتداد ساعد الأنا الأعلى هو ميراث سيكولوجي رفيع القيمة بالنسبة للثقافة. لذلك نجد بأن معظم الناس ينصاعون للنواهي الثقافية المتعلقة بكبت وقمع المتطلبات الغريزية العدوانية والجنسية تحت الإكراه الخارجي وحده المحسوس والمهاب الجانب، وهذا ينطبق بدوره أيضًا على تلك المتطلبات الثقافية المسماة بالأخلاقية التي تشمل الناس قاطبةً، فثمة عدد لا يقع تحت الحصر من المتحضرين الذين سيتراجعون مذعورين ولا بد أمام فكرة القتل أو اشتهاء المحارم لكنهم لا يتألبون عن تلبية جشعهم وعدوانيتهم وشهواتهم الجنسية، ولا يترددون بإلحاق الأذى بقريبهم بالكذب والخداع والافتراء إذا ما أمكن لهم أن يفعلوا ذلك بلا عقاب. لكن ما هذا العقاب ؟ إنه عقاب ثنائي خارجي ممثل بالسلطة الاجتماعية وداخلي ممثل بالتربية الصارمة الاجتماعية التي يمثلها الأنا الأعلى الذي هو، في النهاية، محصلة لعاملين كلاهما على غاية كبيرة من الأهمية: واحد من طبيعة بيولوجية، وآخر من طبيعة تاريخية. وبهذا الصدد يقول فرويد:

لقد قامت الحضارة، وبتطورها تُلجم عدوانية الإنسان وجنسيته بحيث نتبين أصلين للشعور بالذنب الذي ترسخه الحضارة: أولها القلق حيال السلطة وثانيها، وهو لاحق، يتمثل بالقلق إزاء الأنا الأعلى الاجتماعي. الأول يرغم الإنسان على العزوف عن تلبية دوافعه الغريزية، والثاني، ونظرًا لاستحالة إخفاء ديمومة الرغبات المحرَّمة عن الأنا الأعلى، فإنه يدفع الإنسان فوق ذلك إلى إنزال العقاب على نفسه، وبهذا يكون قد تمت استعاضة ومقايضة تعاسة خارجية متوَعِّدة كخسارة حب السلطة الخارجية والقصاص الذي تنزله، بتعاسة داخلية متواصلة تعبِّر عن نفسها بتوتر داخلي ملازم للشعور بالذنب.

فتمايز الأنا الأعلى عن الأنا لم يكن بمحض الصدفة، بل هو يحمل أبرز سمات تطور الفرد وتطور النوع. وإن كان هذا التمايز يعطي تعبيرًا دائمًا لتأثير الوالدين فإن فيه بحد ذاته تأييدًا لوجود العوامل التي يدين لها بنشأته. فالأنا الأعلى، حسب فرويد، سيحفظ طبع الأب، وبقدر ما كانت عقدة أوديب قوية، وبقدر ما تم كبتها بسرعة تحت تأثير السلطة والتوجيه الديني والتعليم والمطالعات، بقدر ما ستكون سيطرة الأنا الأعلى على الأنا أشد وطأة في المستقبل في صورة الضمير، بل وفي صورة الإحساس اللاشعوري بالذنب، حيث يتحول الأنا الأعلى إلى وكيل للأخلاق، وإلى رمزية ضمن نفسية لتلك المثل الثقافية والتحريمات التي يفرضها الوالدان الممثلان لعادات ومُثل الحضارة المفروضة على الطفل. ومن هذا المنطلق حلل فرويد مفهومه للاغتراب النفسي المفروض من الحضارة، فلئن تكن الحضارة هي الطريق الوحيد الذي لا غنى عنه للارتقاء من الأسرة إلى البشرية، فإن ذلك التعزيز يكون عندئذ مرتبط ارتبطًا وثيقًا بمسارها من حيث أنه نتيجة لصراع الازدواجية الذي تولد فيه وعليه، وللخصومة السرمدية بين الحب والرغبة بالتدمير والموت. ولعل توتر ذلك الشعور المتناقض سيبلغ ذات يوم، بفضل الحضارة، مستوى شاهق الارتفاع فلا يعود في مكنة المرء أن يطيقه إلا ببالغ الصعوبة لأن هذا النجاح التعزيزي للكبت سيكون على حساب انقسام للأنا، هذا الانقسام الذي لا يندمل أبدًا بل يزداد مع مرور الوقت، حيث لا مناص من أن تتناحر سيرورتا التطور الفردي الذي يهدف للسعادة الشخصية والتطور الحضاري الذي يهدف إلى الاتحاد مع كائنات إنسانية أخرى، ومن أن تختصما على مواقعهما عند كل لقاء. من ذلك يقول فرويد:

لقد قصدنا، رغم كل شيء، أن نصور الشعور بالذنب على أنه المشكلة الرئيسية لتطور الحضارة، وأن نبين فضلاً عن ذلك لماذا يتوجب دفع فاتورة تقدم هذه الأخيرة بنقصان في السعادة.

فالإنسان منقسم، بل ويبدو أقرب للممزق ضمن نزاع لا هوادة فيه ضمن التفاعل مع الحضارة، حيث يبدو مسرحًا للتصادمات والصراعات بين قواه النفسية التي تعبر عن نفسها في داخل الفرد ومن خلال علاقاته مع المحيط، فهناك الهو الغريزي والأناني والجنسي والعدواني إطلاقًا، والأنا الذي يجاهد لكي يكون أخلاقيًا اجتماعيًا مهذبًا، والأنا الأعلى الذي يمكن أن يصير مفرطًا في أخلاقيته لدرجة يكون قاسيًا كقسوة غرائز الهو العدوانية. ومن هذا الجانب يتبدى لنا اغتراب الأنا المسكين وضياعه حيث يتعين عليه أن يخدم سادة ثلاث متنازعين متناقضين، وأن يعيش تبعًا لذلك تحت تهديد خطر ثلاثي يتمثل جانب منه من العالم الخارجي وجانب آخر من ليبيدو الهو وغرائزه وجانب ثالث من صرامة الأنا الأعلى، وما ينشأ عن ذلك من حصر وقلق عماده الانسحاب أمام الخطر.

لذلك يرى فرويد أن حياتنا، كما هي مفروضة علينا، ثقيلة الوطء، وتغل أعناقنا بكثرة كثيرة من المشاق والخيبات والمهام كأداء، وحتى نستطيع لها احتمالاً فلا غنى لنا عن مسكنات التي يرجعها فرويد إلى ثلاثة أنواع: أولها إلهيات قوية تتيح لنا أن نعتبر بؤسنا هينًا أمره، وثانيها تلبيات بديلة تخفف من وطأته، وثالثها مخدرات تفقدنا الإحساس به، وليس لنا عن واحدة على الأقل من هذه الوسائل غناء.

أما الشعور النرجسي بالرضا والارتياح المتولد عن المثل الأعلى الثقافي فإنه يشكل واحدة من القوى التي توازن وتعوض، على نحو ناجع، العداء للحضارة داخل الجماعة الثقافية بالذات، حيث يقول فرويد، معارضًا ماركس مرة أخرى، بأن ليس الطبقات صاحبة الامتيازات من هذه الثقافة أو تلك هي وحدها التي تستطيع المشاركة فيها، وإنما المضطهدون أيضًا الذين يعوضهم الحق في احتقار أولئك الذين لا ينتمون إلى حضارتهم عن الإجحاف الذي يكابدونه في جماعتهم بالذات. ومن الممكن للمضطهدين، علاوة على ذلك، أن يكونوا على ارتباط عاطفي بأولئك الذين يضطهدوهم، وأن يروا في سادتهم، بالرغم من كراهيتهم لهم، مثلهم الأعلى. ولو لم تكن مثل هذه العلاقات الباعثة على الرضا والارتياح في صميم الأمر موجودة لما أمكن لنا أن نفهم – حسب فرويد – كيف استطاع عدد كبير من الحضارات أن يدوم ويعمر طويلاً بالرغم من عداء المجموع الذي له ما يبرره ويسوغه.

والدين عند فرويد هو محاولة أنسنة الطبيعة ووحشيتها التي لا تقهر بالنسبة للإنسان. والإنسان قام مع الزمن بتجريد قوى الطبيعة من سماتها وقسماتها الإنسانية، ولكن مع ذلك تبقى الضائقة البشرية كما هي، ويبقى معها الحنين إلى الأب أو الآلهة (التي هي كبديل رمزي عن الأب المفقود لدى فرويد) التي تحتفظ بمهمة ثلاثية يُفترض أن تؤديها؛ فهي أولاً تقوم بتعزيم قوى الطبيعة، وهي ثانيًا تصالحنا مع قسوة الأقدار كما يتجلى ذلك في الموت بشكل خاص، وهي أخيرًا تعوضنا عن الآلام والأوجاع وضروب الحرمان التي تفرضها علينا حياة المدنيين المشتركة. وبتلك التصورات الدينية يشعر الإنسان بأنه محمي من جانبين، من العالم الخارجي وأخطار الطبيعة والقدر، ومن الأضرار التي يتسبب فيها المجتمع الإنساني وقمع الثقافة. وبشكل عام ينظر فرويد إلى الأفكار الدينية التي تطرح نفسها كمعتقدات بأنها ليست خلاصة التجربة أو النتيجة النهائية للتعامل أو التفكير، وإنما هي تحقيق لأقدم رغبات البشرية وأقواها وأشدها إلحاحًا، ويكمن سر قوتها في هذه الرغبات، فالإحساس المرعب بالضائقة الطفلية أيقظ الحاجة إلى الحماية التي مثلها الأب، وإدراك الإنسان أن هذه الضائقة تدوم الحياة كلها جعله يتشبث بأب أعظم قوة وأشد بأسًا من خلال التفكير بالسلطان الرفيق والعطوف للعناية الإلهية. وبما أن الدوافع الغريزية هي أكثر قوة في الإنسان من الدوافع العقلية فإن ذرية البشر كانوا سيستمرون إلى اليوم في إفناء بعضهم البعض بلا رادع لو لم تؤد إحدى الجرائم (قتل الأب) إلى رد فعل انفعالي جامح ومثقل بالنتائج المحملة بالذنب والتي نتج عنها المثال الأخلاقي (لا تقتل)، تلك الوصية التي كانت تقتصر في ظل الطوطمية على الحيوان البديل عن الأب ثم اتسع نطاقها فيما بعد لتشمل الغير، والتي لا تزال إلى اليوم عرضة للانتهاك بين حين وآخر. وعلى ذلك فإن تراث الأفكار الدينية لا ينطوي على تحقيق لرغبات وحسب، بل أيضًا على تذكيرات تاريخية هامة. ويقدم فرويد نظرة قد تبدو قريبة من نظرة ماركس بخصوص الدين حين يقول:

لا شك في أن الإنسان سيتوصل يوم يقطع رجاءه من عالم الغيب أو يركز كل طاقاته المحررة على الحياة الأرضية إلى أن يجعل الحياة قابلة للاحتمال من قبل الجميع، ولن تسحق الحضارة بعدئذ أحدًا.

لكن فرويد يطرح نظرة أكثر تشاؤمًا في محاولة تجاوز حالة الضياع التي اعتبرها من المكونات الجبلية للإنسان، وليست نتيجة ظروف خارجية يمكن تغييرها. لذلك فإن حل مشكلة الإنسان يقتصر على نطاق محدود لا يتجاوز المفهوم الشخصي، حيث يقول:

إذا كان البرنامج الذي يفرضه علينا مبدأ اللذة، والذي قوامه أن نكون سعداء، برنامجًا غير قابل للتحقيق، فإنه من الممكن لنا مع ذلك ألا ننكص عن أي مجهود يرمي إلى تقريبنا من تحقيقه، ويمكننا وصولاً إلى ذلك أن نسلك طرقًا عدة شديدة الاختلاف تبعًا للجانب الذي نعطيه الأولوية منه، أللجانب الإيجابي أي الفوز بالمتعة، أم للجانب السلبي أي تماشي مع الألم، لكننا نعجز مهما جهدنا عن تحقيق كل ما نتمناه بأي طريق من تلك الطرق، حيث السعادة بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلا نسبية، لذلك فلا وجود هنا لنصيحة تصلح للجميع، بل يتوجب على كل امرئ أن يبحث بنفسه عن الكيفية التي يمكنه بها أن يغدو سعيدًا.

فقد أدرك فرويد إدراكًا واضحًا لا لبس فيه أن الإنسان عبارة عن بسط جدلي للتناقض بين الطبيعة، ممثلةً بالاندفاعات الفيزيولوجية النفسية، وبين المجتمع ممثلاً بالضغوط النفسية الاجتماعية التي بلغت درجة من التبطُّن فتح من خلالها طريقين للتحليل النفسي: طريق إعادة تلاؤم الفرد مع المجتمع المحيط به، وطريق تحرير الطاقات النفسية التي ينبغي لها أن تتيح للأفراد خلق حياة اجتماعية جديدة. لكن، في المقابل، نجد أن محللين نفسيين هم تلامذة لفرويد رفضوا الانطلاق من مفهوم النفس المبنية من الداخل – داخل الأنا الفردية، والأنا الأعلى عندهم لم يكن يفرض من خارج الذات بل من داخلها، فالأخلاق تعبر عن رغبة عميقة للأنا، وليس عن قسر ميكانيكي لأمر أو تنبيه خارجي، وهذا ما انطلق منه فروم كما سوف نرى.

2. الاغتراب عند فروم

بداية، يعارض فروم كل من مفهومي فرويد ويونغ للاشعور، فهو ليس عالم يونغ الأسطوري بتجاربه وخبراته المستمدة من تاريخ الأجناس، ولا موطن فرويد للقوى الليبيدية غير المعقولة، بل يجب أن نفهمه تبعًا للمبدأ القائل: "إن ما نفكر به ونحسه يتأثر بما نفعله"، فالشعور هو الفاعلية النفسية في حالة وجودنا الذي ننشغل فيه بالعالم الخارجي على نحو عملي، واللاشعور هو الخبرة النفسية في حالة وجودنا الذي قطعنا فيه كل الروابط مع العالم الخارجي ولم نعد نتوخى العمل أو النشاط أو الفعالية، وإنما التفرغ لأنفسنا ليس غير. وبذلك يرتبط اللاشعور عند فروم بحالة خاصة من حالات وجودنا هي حالة اللافعالية، بالراحة من عبء العالم الخارجي وبالمواجهة مع الذات.

من هذا التأويل الخاص انطلق فروم بتحليل الاغتراب محاولاً تبني منهج تحليلي نفسي وماركسي بآن واحد، فيقول:

إن تطور المدنية البرجوازية يرافقه نشوء عدد من التناقضات، فحين يوسع الإنسان حريته يقع تحت عبئها، وبابتعاده عن الدين وتقديس الآلهة يكون قد خلق لنفسه أقانيم جديدة، وبتجاوزه لبعض أشكال الاغتراب يصبح الإنسان أكثر اغترابًا، سواءً أكان عن نتاج عمله، أم عن الآخرين، أم عن نفسه، مما يولد لديه عدم المبالاة والاكتراث بالحياة وحنينًا لأوهام الماضي للاندماج بالطبيعة فاقدًا لفرديته وتفرده ككائن بشري.

لذلك فإن حرية الإنسان واغترابه هما، عند فروم، قطبان لعملية تاريخية واحدة من تطور المدنية الإنسانية، حيث الناس في المجتمع البرجوازي يتحولون إلى آلات دون أن يستطيعوا اكتساب الروح الفردية الحقيقية، مكتفين بالمحافظة على وهم الوجود الإبداعي المثمر، فيعيش الإنسان غريبًا عن نفسه حيث لا يعود يعيش نفسه كمركز للعالم وكمحرك لأفعاله، بل أفعاله ونتائجها هي التي أصبحت سادته الذين يطيعهم والذين قد يعبدهم. فالإنسان يشعر بالعزلة والوحدة لأنه انفصل عن الطبيعة وعن بقية البشر. وما الاضطراب النفسي إلا الهروب من الحرية، وإلقاء الإنسان تبعة نفسه على غيره. ففروم لا يقبل بالتقسيم الفرويدي للعصاب بوصفه نتاجًا للصراع الداخلي الدائر بين غرائز الهو وصرامة الأنا الأعلى واجتماعية الأنا، وإنما يرى أن ذلك الصراع هو صراع من نوع آخر، كالحافز إلى الخضوع اللامتناهي للسلطة والقهر والإجبار على الانصياع. وبالتالي فالسبب هو مساوئ النظام الرأسمالي حيث يعرض المجتمع على الإنسان مطالب تنافي طبيعته فيحبطه ويقيده ويجعله غريبًا عن موقفه الإنساني. لكن عند فروم ليس فقط الرأسمالية هي سبب ذلك الضياع، بل يشترك معه في ذلك النظام الشيوعي الذي يحول الإنسان إلى آلة من آلات المجتمع وعبدًا مأجورًا للدولة مجردًا من الهوية، الأمر الذي كثيرًا ما يدفعه إلى الجنون، وإلى الأفعال المعادية للمجتمع أو المدمرة للذات، وبذلك تحول نقده من النظام السياسي إلى التنظيم الاجتماعي للحضارة حيث يقول:

إن السمات الشخصية التي يخلقها وينميها نظامنا الاقتصادي كالطبقات والجشع والاستغلال، ونظامنا الاجتماعي كالأسلوب الاستهلاكي والآلي الرتيب في الحياة، هي سمات مُمرضة، ومن ثم فهي تخلق إنسانًا مريضًا، فمجتمعًا مريضًا.

وهذا الأمر يترتب عليه هروب الإنسان من نفسه الفارغة – أو المٌفرَّغة إن جاز التعبير – ومن حريته إلى سلطة خارجية، ليس شرطًا أن تكون سياسية بل ربما تكون سلطة العادات والتقاليد أو الأخلاق... حيث لم يعد الإنسان حرًا حتى في قراراته التي يعتقد واهمًا بأنها من اختياره في حين أنها مفروضة عليه من الخارج. فقد أقنعنا أنفسنا بأننا نحن الذين نصنع القرار بينما نحن في الحقيقة نتطابق مع توقعات الآخرين منساقين بالخوف من العزلة وبتهديدات أكثر مباشرة إزاء حياتنا وواقعنا وحريتنا. لذلك تتحول أفعالنا إلى أفعال زائفة لا تعبر عن ذواتنا الحقيقية بل أصبحنا مجرد أدوات لاقترافها.

ويوجد عند فروم ارتباط وثيق بين اغتراب الإنسان عن الطبيعة واغترابه عن الآخرين. وفي بعض الأحيان يذهب إلى تطابق الأمرين معًا. وغالبًا ما يتحدث عن ثقافتنا ومجتمعنا باعتبارهما مغتربين، فهيكلية المجتمع أقيمت على نحو يميل معه إلى جعل الأفراد مغتربين بطرق مختلفة، فمصدر الاغتراب هو الهيكل الاقتصادي السياسي المعاصر باعتباره خللاً يعود إلى الهيكل الاجتماعي، وهو يرى بأن اغتراب الإنسان لا يمكن أن يتضمن تحقيق الوحدة مع المجتمع كما يرى هيجل الذي أكد على أن الإنسان يمكنه أن يحقق طبيعته الجوهرية وحسب إذا ما حقق الكلية التي تتضمن تقييد عفويته وفرديته، في حين نجد فروم يُعرب عن شكواه من أن الإنسان المعاصر يعاني من قصور في العضوية والفردية على نحو يبدو أنه لا يمكن علاجه. ومع ذلك، فالاغتراب عن الذات بالنسبة لفروم، وكما هو الحال بالنسبة لهيجل وماركس، يمكن تفسيره من خلال التباعد بين النحو الذي يعيش عليه المرء والكيفية التي ينبغي أن يكون عليها. فاغتراب المرء عن ذاته يعني إخفاقه في أن يكون نوعية الذات التي ينبغي أن يكون عليها، حيث تنعدم الصلة بين الفرد وجزء حيوي وعميق من نفسه لابتعاده عن اختياره الحر، كما تنعدم الصلة عن قيم المجتمع بسبب انعدام تفاعل الفرد عاطفيًا وفكريًا كما يحصل في اغتراب بعض المثقفين عن مجتمعاتهم التي يحيون فيها. ففي النشاط المغترب لا أشعر بنفسي فاعلاً لنشاطي، بل أنا بالأحرى لا أشعر بنتاج هذا النشاط إلا كشيء بعيد ومنفصل عني وجاثم فوقي، فلا أجد نفسي فاعلاً وإنما منفعلاً واقعًا تحت فعل القوى الخارجية والداخلية التي تفصلني عن نتاج عملي. ومن الحالات العصابية المعروفة الناتجة عن هذا الانفصال نجد العصاب الوسواسي القهري، الذي يدفع الشخص بدافع داخلي قوي ليقوم ببعض الأعمال ضد إرادتهم الخاصة كعد درجات السلم أو تكرار بعض العبارات والجمل أو القيام بطقوس يومية معينة دون القدرة على فهم السبب أو الدافع للقيام بهذه الأفعال ودون القدرة على مواجهة هذه الدوافع القاهرة للإرادة. يقول فروم:

أنا في النشاط غير المغترب أشعر بأني فاعل لنشاطي، النشاط غير المغترب هو عملية ولادة وإنتاج شيء وعلاقتي تكون موصولة بالشيء الذي أنتجه، فعملي هو نتاج طاقاتي وتجلٍ لقدراتي، بحيث أصبح وقدراتي شيء واحد وكيان واحد، وهنا يكون العمل مثمرًا، أما في العمل المغترب فإني لا أشعر بهذا التجلي بل تكون نتاجاتي خارجة عني بعيدة ولا تربطني بها صلة.

وأزمة الهوية في المجتمع الحديث ناتجة عن حقيقة أن أعضاء هذا المجتمع أصبحوا أدوات بلا ذوات يستمدون هويتهم فحسب من العمل في إحدى الشركات الكبيرة أو من امتلاكهم أفضل وسائل الرفاهية الظاهرة أو بإظهارهم لبعض الصفات المحببة والمقبولة اجتماعيًا كالمرح والطموح والمعرفة... إلخ بحيث تحول الأمر إلى سوق للشخصيات كسوق السلع وحيث لا وجود لذات حقيقية يستحيل وجود هوية.

هذا ما يسميه فروم باغتراب التكنولوجيا، فيقول بأن الإنسان في بحثه عن الحقيقة العلمية قد نظم من المعارف ما كان بوسعه استخدامه من أجل السيطرة على الطبيعة، وقد حصل على نجاحات هائلة، لكنه بإصراره على التقنية وعلى القيم المادية فقد ليس فقط الإيمان الديني والقيم الإنسانية، بل والقدرة كذلك على الإحساس بالانفعالات العميقة وبالفرح والحزن اللذين يرافقانهما، فاعتمد على الاستهلاك المادي، وفقد الاحتكاك بنفسه وبالحياة، وأصبحت الآلة التي بناها من القوة بحيث ولدت برنامجه الخاص وحددت مساره، لذلك يرى بأن الدين نفسه انحرف عن مساره الطبيعي بسيطرة الآلة، فيقول:

خلف الواجهة المسيحية نشأ دين سري جديد بدأه لوثر، هو الدين الصناعي وجذوره مغروسة في بنية الشخصية في المجتمع الحديث، وإن يكن غير معترف به كدين، والدين الصناعي متعارض مع المسيحية الحقيقية إذ ينحدر بالإنسان إلى خادم للاقتصاد والآلة التي صنعها بيده.

وكمقابل موضوعي لإنهاء حالة الاغتراب يطرح فروم مفهوم الكينونة كمقابل لمفهوم التملك قائلاً بأنه لا يمكن أن ينمو نمط الكينونة إلا بقدر ما يتقلص نمط التملك الذي هو نمط اللاكينونة، إن الأمر يتطلب نبذ الأنانية وحب الذات بحيث يتحول نمط الامتلاك إلى نمط التعمق والالتحام، فمثلاً ينتقد فروم النظام التعليمي الحالي القائم على تدريب الناس على الحصول على معارف كممتلكات شخصية تتناسب قدر الامكان مع ما ينتظر أن يحصلوا عليه في حياتهم من ممتلكات مادية ومكانة اجتماعية، بحيث تكون مدارسنا ليست في الحقيقة إلا مصانع تنتج فيها معلومات معلَّبة. وللانتقال إلى نمط الكينونة يقترح فروم جملة أولية من المبادئ تذكرنا بمبادئ بوذا هي:

1. المعاناة مع الوعي بأننا نعاني.

2. الكشف عن الأصل في الحالة السيئة التي نعانيها.

3. أن نؤمن بأن ثمة مخرج من حالنا تلك.

4. أن نقبل فكرة أنه لكي نتجاوز تلك الحالة فإنه يجب علينا أن نتبع طرائق معينة في المعيشة وأن نغير ممارساتنا الحياتية الراهنة.

هكذا يقترح فروم تجاوز الاغتراب بإعادة تنظيم الوعي الإنساني على صعيد الذات والمجموع متبنيًا منهجًا نفسيًا لتجاوز حالة فسرها بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية للعصر الحديث، حيث تظهر محاولته التوفيقية بين الماركسية والتحليل النفسي واللاهوت، فيقول:

إن البنية الاقتصادية والبنية الشخصية والبنية الدينية، هذه كلها مقولات مترابطة لا تنفصل إحداها عن الأخرى، وإذا حدث وكان النظام الديني غير متجاوب مع الشخصية الاجتماعية السائدة، وفي تعارض مع الممارسة الاجتماعية للحياة، فإنه لن يكون إلا إيديولوجيا، وعلينا إذ ذاك أن نبحث وراءه عن البناء الديني الحقيقي [...] إلا إذا فعلت الطاقات الإنسانية فعلها المُفجِّر وعملت على إضعاف وزعزعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

تلك النظرة التوفيقية التي لم يفلح فيها بشكل كبير قادته إلى مفهوم بالغ العمومية جعلته ينسب الاغتراب إلى كل مناحي الحياة حتى بأدق تفاصيلها، ورغم التوضيحات العامة التي قدمها فيما يخص علاقة الإنسان بنفسه وبالمجتمع، إلا أن استخدامه لمفهوم الاغتراب على هذا النحو البالغ العمومية لكل نواحي الحياة التي لا يراها كما يجب جعل من النتائج التي توصل إليها عرضة للخلط والغموض أكثر منها للإيضاح. ويقول شاخت في هذا الصدد:

ربما كان فروم قد ساعد على جعل كلمة الاغتراب لفظًا مألوفًا، لكن على يديه كف هذا الاصطلاح على أن يكون ذا نفع في مناقشة جادة للمشاكل التي تعنيه.

من خلال هذا الاستعراض العام للمحاور الأساسية التي نوقشت من خلالها مشكلة الاغتراب يمكننا الاستنتاج بأن تلك المشكلة تدخل في نسيج واقعنا الإنساني والاجتماعي والنفسي، وإن كنا لا نعيها بشكل مباشر، إلا أن فعلها يبقى مؤثرًا وجوهريًا في مجتمعاتنا الاستهلاكية، وما المحاولات التي بُذلت من أجل إيضاحها إلا تعبير بسيط عن جوهر الإنسان ومقدار ما يمكن لظروف معينة – قد نصنعها أو لا نصنعها لكنا بالتأكيد لا نعيها – أن تبعدنا عن هذا الجوهر الذي هو نحن بالتحقيق.




٭ باحث مهتم بالدراسات الفلسفية والنفسية، عضو محاضر في الجمعية الكونية السورية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى