عبدالرحيم التدلاوي - الشعري والسردي في ديوان "مقامات" للشاعرة المغربية ليلى ناسمي:

مقام العنوان:
أول ما يثير قارئ أي كتاب هو عنوانه، لأنه يستجمع مختلف مكوناته، ويسعى ليكون دالا على مختلف عوالمه، ونجاح عنوان الكتاب لا يبرز فقط من خلال كونه يثير فضول القارئ إلى الحد الذي يجعله يقدم على الحصول عليه والشروع في قراءته، ولكن أيضا في دلالته العامة على ما يتضمنه من أبواب وفصول، وما تحمله من قضايا وأفكار تتطابق مع ما يوحي به أو يومئ إليه. ويعرف ليو هويك leo Hoek العنوان على النحو التالي:" مجموعة من الأدلة ... التي يمكن أن تثبت في مقدمة نص لتعينه، وبيان محتواه الشامل، وإغراء الجمهور المستهدف."


1.jpg


بناء عليه يعد العنوان واحدا من اهم الوسائل الجمالية والدلالية في بناء النص من جهة، فهو يؤدي دورا فعالا في العملية الأدبية إبداعا، إذ يحرص المبدع على الدقة في اختياره لا دراكه حساسية ارتباطه بالنص، والأهمية التفاعلية بينهما، وبيانه لهوية النص، فهو: رسالة لغوية تعرف بتلك الهوية وتحدد مضمونها.. هو الظاهر الذي يدل على باطن النص ومحتواه.[1] وبالعنوان تبدا عملية التواصل مع متن العمل الأدبي، إذ يشكل مفتاح النص الدلالي الذي يستخدمه القارئ /الناقد مصباحا يضيئ به المناطق المعتمة في القصيدة. *
في معاني مفردة "مقامات" :
مقام : جمع مقامات : 1 - مصدر ميميّ من قامَ / قامَ إلى / قامَ بـ / قامَ على / قامَ لـ . 2 - اسم مكان من قامَ / قامَ إلى / قامَ بـ / قامَ على / قامَ لـ : مسكن ، محلّ الإقامة " غادر مقامَه ، - { كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ...}
المقامات هي مجموعة من الكلام الفصيح المغلى بالصدف والمرجان مجموعة حكايات قصيرة متفاوتة الحجم جمعت بين النثر والشعر بطلها رجل وهمي..
والمقام هو السلم الموسيقي والمؤلف من الدرجات الموسيقية دو، رى، مي، فا، صول، لا، سي، دو. وللسلم الموسيقي نوعان؛ شرقي معدل ويسمى راست وغربي أو عالمي ويسمى دو ماجور.
والمقام هو عبارة عن تتال لعلامات موسيقية وفق أبعاد معينة وقواعد موضوعة لتصنيف اللحن الموسيقي، الأمر الذي يسهل تعامل العازف مع الآلة وبالتالي مع المقياس الموسيقي. هنالك العديد من المقامات لكن يمكن تصنيفها إلى تسعة مقامات أساسية يتم اشتقاق عدد كبير من المقامات الفرعية منها.
• مناسبة لِكُلِّ مقام مقال: الدعوة إلى الملاءمة بين القول والموقف
• والمقام هو المكانة خفضا وعلوا.
وفي (الفلسفة والتصوُّف) حالات ثابتة ينالها السّالكُ بجهده الخاصّ أهمها التَّوبة والورع والزُّهد والفقر والصَّبر والتَّوكّل والرِّضا.
( مقامات الإنسان السبعة ))
وهي سبع مقامات أول ثلاث مقامات ينتمون الى الأرض مقامات حيوانية والمقامات الثلاث الأخرى هي المقامات الروحية و المقام الواصل بينهما هو الرابع .. ما بين الثلاث الحيوانية و الثلاث الروحية مقام الإنسان ..
يحيا الانسان متأرجحاً بين حيوانيته و روحانيته وبين الحيوانيه و الروحانيه قلب يخفق هو قلب رمز للبشرية ، بين الحيوانية و الألوهية .. الإنسانية ..
إن الإنسان يولد وهو يحيا المقامات الثلاث الأولى الحيوانية :
و وظيفتها الطعام و السيطرة و الجنس ..
ولكنها مجرد بداية الرحلة ...
أما باقي المقامات فتسير باتجاه الارتقاء والتوهج الروحي بعد معاناة ومسير طويل في درب التطهر النفسي والروحي، وترك ملذات الحياة وشهواتها.
تلك بعض معاني كلمة المقامة/المقامات التي حملها ديوان الشاعرة المغربية ليلى ناسمي، هذا الديوان صغير الحجم والذي ضم بين دفتتيه 23 قصيدة جلها قصيرة باستثناء نصين وهما الواردان بالصفحة 41 والصفحة 53. المثير للانتباه أن بعض الصفحات أتت بيضاء رغم أنها تحمل رقما، وكأنها تتمة صامتة للنص الذي سبقها أو أنها نصوص مستقلة تدخل ضمن قصيدة البياض؛ أي البياض المعبر عن عجز الكلمات في البوح والتعبير.
وهذا العنوان ينطوي على أبعاد روحية بمفهومها الصوفي تعرج بك دلالتها إلى معاني سامية، تكشف عمق التجربة عند الشاعرة الذي أتى عنوان عملها يمارس لعبة الإيهام على المتلقي، وهي لعبة ومراوغة تبتغي من ورائها تضليل المتلقي وجره إلى الولوج إلى أعماق النص وسبر أغواره، لاكتشاف منطوقه الخفي الذي لا تتضح معالمه إلا من خلال القراءة الكلية للمؤلف. وعلى الرغم من أن العنوان يؤسس لنص سردي، فهو يقدم رؤية شعرية ضمن نسق جمالي معقد، يوظف السردي والشعري، وينفتح على كل الخطابات ، لأن المبدعة – ربما - تؤمن بعدم وجود جنس ادبي خالص مستقل. *
مقام الصورة:
تحتل الصورة ثلثي الغلاف الأمامي، مؤطرة ببياض يلفها من جهات اليمين واليسار ومن الأسفل وكذلك من جهة الأعلى هذا الحيز الذي احتل الثلث الباقي وضم التجنيس والعنوان الذي جاء بالأحمر وبخط بارز، واسم المبدعة، فضلا عن رقم السلسلة التي أصدرتها دار النشر والتي احتل الديوان فيها الرتبة الثالثة مما يعني أن الديوان نشر في بداية ظهور هذه الدار.
يغلب على الصورة اللون البني ويتشكل من صورة وجه هو في الغالب لأنثى حيث تكسر صورة عينها اليسرى سطوة البني بالأبيض الذي توسطه بؤبؤ أسود، توحي النظرة بالتأمل في الآتي، إذ توجهها للأمام، مع بروز خيط أسود على المستوى الأفقي يخترق الأنف، وفي أسفل الصورة يحضر لوغو دار النشر.
مقام التجنيس:
أتى التجنيس فوق اللوحة مباشرة وتحت العنوان المهيمن بلونه الأحمر وخطه البارز، لكن التجنيس اتخذ لنفسه اللون الأسود كنوع من المفارقة، والتميز، ويخبرنا أنها نصوص تندرج تحت جنس الشعر فقط، وبالتالي فقد حدد للقارئ خط القراءة، إذ عليه أن يتعامل مع تلك النصوص بآليات الشعر أساسا.
لن هذا لا يمنع من القول إن القصيدة عند ناسمي تسير في بنائها المعماري، نحو الاتجاه الدرامي الذي يستمد عناصره من السرد، وهو ما يؤكد تداخل الأجناس الأدبية وتكاملها، ويظهر جليا أن شاعرتنا قد استفادت من تقنيات الكتابة السردية استدعاها مقام البوح والقول الشعري، إنه توظيف جاء بغاية رسم معالم تجربتها الخاصة.
فقد جمعت الشاعرة بين البناء السردي ذي النفس الطويل والمنفتح، وبين الكثافة الشعرية التصويرية والرمزية.
مقام المدخل:
الديوان صدر عن دار كلمات للنشر والطباعة والتوزيع في سلسلة 17/12 العدد 3 في طبعته الأولى سنة 2013. وصد صدر بمدخل في الصفحة 7. يقول:
لا تترك عسل الكلام
وتأخذ سم المعنى.
وهو تحذير من مغبة الاهتمام بالمضمون وتجاهل المبنى؛ هذا المبنى الذي يتميز بالحلاوة لأنه من عسل، لكن، لا ينبغي استهلاكه دفعة واحدة بل على دفعات حتى لا ينقلب داء. والاهتمام به سيكون ترياقا لسم المعنى؛ فمعاني الديوان تحمل الكثير من السم الذي يهدد صحة المتلقي والفكرية والذهنية بالأساس. لذا، وجب أخذ التحذير بكثير من الاهتمام ليتحقق التوازن.
مقام المقامات:
ترسم الشاعرة مقاماتها الخاصة بها، مقامات تقودك رأسا نحو الوهج والتوهج في القصيدة، تحملك بدقة نصوصها وكثافتها إلى عوالم الروح وعوال الواقع لتصنع لك فضاء من متعة تجلبها بمشاركتها في كتابة تلك النصوص بسبر أغوارها، وملء بياضاتها، تنتحي الشاعرة جانبا في كثير من المرات لتضعك وجها لوجه مع تلك الصفحات البيضاء تعالج صمتها بحكمة قولك، وتشعر وأنت تمارس فعل الكتابة بفتنتها ومتعة تدوين الحرف عليها وإسالة حبر معاناتك عليها.
بذا تنفتح على عوالم المقامات وما تختزنه من طاقات وما تحبل به من عوالم الكائن والممكن، القائم والمستحيل، إنها نصوص تأخذك من ذاتك لتخلق منك كائنا جديدا، تعيد تشكيلك وأنت تمارس فعل القراءة والكتابة معا، إنها تدعوك إلى التحول والتغيير، فالقراءة بهذا الشكل ستجعل منك إنسانا مختلفا، فما كنته قبل القراءة ليس ما ستكونه بعدها.
يجمع الديوان بين الشعري والسردي دون أن يطغى الثاني على الأول فيصير شيئا آخر غير الشعر، وتنتفي عملية التجنيس الواردة على واجهة الغلاف التي تقول إنها نصوص شعرية. نعم، هناك الشعر الظاهر من خلال آليات التكرار والطباق والجناس والتشبيه والصور البلاغية والانزياحات المدهشة، لكن العمل يغذي كل ذلك بالسرد حتى لتبدو بعض النصوص قصصا قصيرة جدا، وأبرز مثال على هذا، النص الوارد بالصفحة 29 بعنوان "مقام الشنق"، فقد شغل ستة أفعال هو النص الذي يتكون من أربعة أسطر، لكن الحركة المنبعثة من ثنايا الأفعال لم تكن إلا إحدى آليات النص المنضافة إلى بقية الآليات الشعرية الموجودة به من خلال التكرار، والاستعارة والايقاع.. لرسم مقام الخزي الذي يزين هامات الراضخين والفاسدين، فقد تدلت هامات هؤلاء في حين ظل قلبها شامخا لم ينحن:
وما تدلى القلب لما الحبل من الرقبة تدلى..
إنه علامة من علامات الانتصار أن يبقى القلب مجال العواطف والمشاعر النبيلة عاليا رغم فعل الشنق الذي يسعى إلى صنع الانحناء الدال على المذلة والخضوع..
مقام الختم:
تميز النص الشعري المعاصر بمشروعه الخاص به شكلا ومضمونا، وحملت بنيته جملة من الظواهر والخصائص، جعلته يتميز عما سبقه من المنجز الشعري القديم بالتفرد والاستقلالية، بيد أنه لم ينسلخ عن أصالته، فقد اقترض من الأنواع الخطابية الأخرى بعض سماتها، واستغلها لتكون معينا له في حركته الشعرية، وهنا نلحظ بعض الأعمال الشعرية المعاصرة التي جنحت الى تطعيم أعمالها ببعض التقنيات والبنيات السردية، في محاولة لتوسيع الأفق الدلالي للنص، وتجاوز عقدة الجنس الأدبي الصافي بقواعده وألياته الصارمة، والتوجه نحو تحطيم النسق المنزه عن تداخل الانماط الخطابية. *
وكذلك فعلت الشاعرة في ديوانها "مقامات" حيث جمعت فيه بين الشعري والسردي لخلق مناخ درامي لقصائدها بغاية توسيع أفقها الدلالي، وتكسير نقاء الجنس. وقد اعتمدت اللغة في بساطتها العميقة والصور الشعرية المتوهجة ضفة إلى التناص حيث تم استثمار النص القرآني بشكل مضمر، وأسلوب الاستفهام بما يحمله من معاني الاستنكار والتعجب والنقد، إذ الشاعرة لا تسعى إلى البحث عن أجوبة بقدر ما تروم فتح باب البحث على مصراعيه على ما يعتمل في واقعنا المغربي والعربي على حد سواء من قضايا حيوية. وقد كان انفتاحها على اللغة الصوفية لا من أجل غلق باب الشعر على نفسه بل من أجل إثراء تجربتها المنفتحة على انشغالاتها والمرتبطة بالأساس بالشعر الذي احتفت به أيما احتفاء كما في قصيدتها الرثائية التي استحضرت اسم نزار قباني، وفي الوقت نفسه بتناول القضايا الآنية ذات الاستمرارية فما يعرفه العراق من عقود ما زال يعاني منه حتى اللحظة الراهنة؛ إنها لغة صوفية منفتحة على العالم تقول مشاكله دون أن تفقد توهجها.


**

تم الإعتماد على المرجع التالي:
*: البناءات السردية والدرامية في ديوان مقامات
د. رضوان الرقبي نشر بتاريخ: 14 نيسان/أبريل 2020. جريدة المثقف الإلكترونية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى