نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

تيم كريدر - سقوط أغلفة الكتب.. ترجمة: مي إسماعيل

  1. ان تقوم بتصميم غلاف كتابك بنفسك يعني امتلاك قوة قد تقودك للجنون، وتشبه قيامك باختيار شكل وجهك؛ ايَّ نوعٍ من الوجوه سيعبر احسن تعبيرعن ذاتك الداخلية؟ ولعل السؤال الاهم؛ ما نوع الوجه الذي سيجعل الاخرين يحبونك، يحترمونك؟
    يوجد انقطاع محرج ما بين الكيفية التي يحاول بها الناس تقديم انفسهم وبين الطريقة التي يتم بها قبولهم فعليا من قبل الآخرين، ولهذا يسأل الناس اصدقاءهم ان يخبروهم بصدق كيف يبدون في ملابس معينة. ولنفس السبب توظف دور النشر مصممين محترفين للقيام بتصميم اغلفة الكتب، ولا يسمحون للمؤلفين بالتدخل الا باقلِ قدرٍ ممكن.
    يُعطى اغلب المؤلفين ما يُسمى "حق التشاور" بشأن اغلفة كتبهم، ولأنني كاتب ورسام قصص مصورة، اصبح لي حق "الموافقة" على غلاف كتابي.
    ان اهم المبادئ التصميمية - في الكتب، والسيارات، والملابس، وكل شيء- هي:
    1- يجب ان يكون منتوجك متميزا، جريئا، لافتاً للنظر، ومختلفاً بشكل واضح عن منتجات الآخرين، ولكن..
    2- ليس اكثر من اللازم!
    ولهذا نجد ان اغلب اغلفة الكتب المعاصرة تتشابه بصورة مزعجة، اما اغلفة مجاميع الاطروحات والدراسات، فقد كانت تقع في ثلاثة خانات:
    1- لا شيء سوى نصٍ مكتوب، يستقر عادةً على خلفية بيضاء.
    2- عنصر وحيد، غالباً تركيبة تزامنية بصرية من موضوع الكتاب او فكرته الرئيسية، على خلفية بيضاء (كما في اغلفة كتب "مالكولم غلادويل"؛ بدءا من عود الثقاب في كتاب "نقطة التحول" الى حذاء الرياضة على غلاف كتاب "ما رآهُ الكلب").
    3- وجه المؤلف، والذي يعني اما كون المؤلف كاتبا نجما ذا اسم مشهور جدا، او شخصية اعلامية مجهولة تسعى للتعزيز الذاتي.
    لقد اصبح الغلاف ذو العنصر الوحيد على خلفية بيضاء تركيبة معروفة الى حدٍ بعيد، لـ"نابوكوف" (واحسنها كتاب: "الكلام، الذاكرة"، المحجوب جزئيا بقطعة من الورق شبه الشفاف). لكن أغلب كتب المقالات تُشابه بعضها بعضا بصورة مملة؛ ضحايا النزعة السائدة من تصاميم الاغلفة، وستبدو عتيقة الطراز الى حدٍ مخجل بعد عقدٍ او عقدين من الزمن.
    هذه الجولة جعلتني اسال نفسي: متى كانت آخر مرة كنتُ فيها مسحورا فعلا ومنجذبا الى غلاف كتاب؟ فرغم ان اغلفة الكتب الاثيرة محببة لي بفعل الارتباط؛ لا يمكنني ان اتذكر آخر مرة استوقفني فيها غلاف احد الكتب في مكتبة، ودفعني الى رفع الكتاب، وقراءة التلخيص، ومن ثم شراء ذلك الكتاب.
    وأثناء تصميم غلاف كتابي، أهديتُ ابن اخي مجموعة كاملة لأقوى مؤلفات الخيال العلمي (لبلوغه الثالثة عشرة)، وكلها طبعات اولى اصلية، وأغلفة تذكر برسوم منتصف القرن الماضي. واذ نظرتُ الى اغلفة الخيال العلمي القديمة تلك، بالوانها الشبيهة بالجواهر وصورها الشريرة التي تحمل شفراتٍ خفية، تذكرتُ الاثارة الغريبة التي شعرتُ بها عندما رايتُ تلك الكتب لاول مرة في سني المراهقة.

    كتب الخيال

    كنتُ طفلا مهووسا بقراءة كتب الخيال العلمي في سبعينيات القرن الماضي، وكان العصر الذهبي لرسومات الكتب والمجلات قد مات منذ عقودٍ بفعل حلول التصوير الفوتوغرافي الملون وتحسن وسائل الطباعة والاستنساخ، ولكن الرسومات المبدعة كانت لا تزال مزدهرة في الزوايا الهامشية للاغلفة الورقية. وكان "ريتشارد باورز"، (الذي رسم أغلب اغلفة كتب الخيال العلمي الورقية في الستينات) متأثرا بالسرياليين، فرسم مناظر طبيعية تقف فيها نماذج وكيانات نصبية غير متبلورة الاشكال، اما اغلفة الرسام "ايان ميللر" فتبدو كخيالات ميكانيكية لعوارض ودوائر تحتوي على وجوه بشعة نصف مصهورة. لقد كان العصف بالعقول من الاولويات الفنية.
    جعلني النظر الى تلك الاغلفة القديمة المحببة اتساءل: لماذا تبدو الكتب المخصصة للاطفال مثيرة فيما تبدو كتب الكبار مملة؟ لسببٍ ما، لا تزال كتب الشباب واليافعين تمتلك الرخصة لتستميل قارئيها برسوم اغلفة رائعة، ولكن لا يفترض بالقراء الناضجين ان يحتاجوا لمثل تلك المغريات. فلئن قام الادب الجاد باغوائنا بالرتوش التجميلية المضافة؛ اذا لبدا الامر مبتذلا وغير معتدل؛ فكلما ازدادت أهمية الكتاب، تناقصت احتمالية ان يحتوي غلافه على اية عناصر(انظروا الى اغلب طبعات رواية "يوليسس" لـ"جيمس جويس"). وحتى النتاج الادبي القديم كمؤلفات "هوميروس" أو "بيوولف"، وأدب "شكسبير" الذي يصف الحب والملهاة العاطفية، كل تلك الكتب تحصل على رسوم عامة ثقيلة الهضم على اغلفتها. هنالك مخاطر تسويقية فعلية من ان تجعل كتابك يبدو ممتعا اكثر من المطلوب- فلقد كتبتُ نحو الستين الف كلمة من النثر الجاد، ولانني وضعتُ معها نصف درزينة من صور الكارتون، ووضعتُ صورةً طريفة على الغلاف، فان مقالتي الادبية تلك غالبا ما كانت توضع على رفوف (الكوميديا) او (روايات تصويرية).
    يكمن الخلل هنا في فقرتين لا تراجع فيهما؛ الاولى- ان غلاف الكتاب المرسوم، مثل الملصقات الدعائية للافلام او الرسوم الهزلية في الجرائد، قد اصبحت ميتة فعليا، وان استخدام الحروف بمختلف تنوعاتها، والصور المخزونة، وبرامج الاظهار الفني (فوتوشوب) أرخص بكثير من تكليف احد الرسامين للعمل. وبوجود اجهزة القراءة الالكترونية، ستصبح اغلفة الكتب قريبا جدا، (مثل اغلفة البومات الموسيقى، واوراق النوطات الموسيقية للاغاني المشهورة)، امورا ظريفة قديمة يتعين شرحها لشباب غير مهتمٍ بها.
    وفي تطورٍ مؤسف آخر، انني لم اعد في الثالثة عشرة من العمر، ولن اعود الى ذلك العمر كما يبدو، وهكذا فان قدرتي الصبيانية على التعجب من ايِّ نوع من انواع الفن قد تكون ماتت نهائيا بفعل السن والتعليم. ولم اعد محتاجا لأغلفة الكتب لتهتف لي وتجتذبني، فغالبا ما اقرأ الكتب التي ينصحني بها الاصدقاء، او زملائي الكُتّاب، لكنني لن امانع ان يتم اغرائي بين الحين والحين بالنداء الحسي الفني.
    انني لا انادي بعودة غلاف الكتاب المرسوم بالحرفية التوضيحية، ولا بالاثارة المتوهجة (التي لم تغب عن الرواج مطلقاً). ولا اتوق الى الادهاش الصوري الدافق قدر توقي الى الحرفة؛ فحتى افضل الحروف تصميما تبدو عقيمة وجافة مقارنةً بالعناوين النابضة المخطوطة يدويا والمليئة بالتعبير، التي سادت في النصف الاول من القرن الماضي.

    بعداً شعرياً

    وبالتاكيد يمكن دائما ان تجد امثلة للتفوق، والفن يحيا باشكال جديدة؛ فهنالك صورة غلاف كتاب (كل ما هنالك) لـ"جيمس سالتر" للفنان "روكويل كنت"، التي ترسم بُعدا شعريا؛ اليد الممدودة لسبّاح في هالة من التموجات، وهو يبدو طائرا كـ"ايكاروس"؛ محلقا نحو الشمس. وتحمل رسوم "فيل هيل" لروايات "جوزيف كونراد" لغزا حزينا، كالاغلفة التي تسللت لنفسي في حداثتي. ولكن هذه الاستثناءات تبرز بوضوح على خلفية واهنة من التشابه، وتتميز بقوة صارخة كالكيانات المعزولة في الحقول البيضاء. ويقف الفنان "جيب كيد" كاحد الفنانين النادرين الذين فرض ابتكاره المتألق تاثيرا قاهرا على حقله الفني المختار، لان من السهل جدا تقليد الصفات السطحية لاسلوبه الفني، ولكن من الصعب جدا التقاط جوهره. فانتشر اسلوبه وتغلغل في الوسط الفني واصبح قالبا لا مفر منه. ان القاعدة في كل العصور هي الاعتدال والتوسط، لكنها تسود بعض العصور بشمولية اكثر من غيرها. أما تصميم كتابي الخاص، (وككل الاعمال التي تتضمن تعاونا جماعيا، وبضمنها الديمقراطية ذاتها)، فقد انتهى الى نتيجة لم يكن احدنا سيختارها طواعية، ولكن الجميع اذعن لها. لقد لجأتُ اخيرا الى التكتيك الذي يفضلهُ العديد من الفنانين في الحقب الزمنية المتفسخة (ويحلو لنا ان نسمي حقبتنا هذه باسم "ما بعد الحداثة")، الا وهو: السرقة – اعني؛ الاستيلاء. فاصبح غلافا كتابي بالنسخة الورقية والمجلدة يمثلان تلميحات واضحة لاعمال فنان لطالما كانت خفة دمه، ودقته، وابطاله السيزيفيون نماذج لفني الشخصي- انه "تشاك جونز"*. واثناء محاولتي لمحاكاة احدى رسومه عن بيانو ضخم مهشم على الغلاف الخلفي لكتابي، اهتزت عزيمتي وانا اكتشف مقدار الفن الفذ الذي تدخل لانتاج وتر بيانو ملتوي مقطوع واحد.
    انهمكتُ كثيرا في متابعة ذلك الوتر الذي يظهر وكانه عفوي جدا، ودرسته، وحاولتُ تقليده عدة مرات، ولكن الشيء الوحيد الذي تعلمتهُ كان الاعجاب المتجدد، من خلال كل عضلاتي واعصابي، لبراعة يد الفنان الاستاذ. وفي النهاية، قبع ذلك الوتر تحت الرمز الحاسوبي لرقعة السعر على ظهر الكتاب.



    - (تيم كريدر كاتب مقالات ورسام كارتون. احدث كتبه: "نحن لا نتعلم شيئا".)
    Chuck Jones*- "تشاك جونز": رسام ومخرج الرسوم المتحركة الاميركي، من اهم شخصياته- (باغز باني، دافي داك، رود رانرر،...).
    [طباعة]
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..