علاء الأسواني - محمد مرسي كما رأيته.. (1)

اتصل بي الإعلامي الكبير يسري فوده ودعاني إلى حوار في برنامجه التلفزيوني مع رئيس الحزب الجديد الذي أسسه الاخوان المسلمون باسم "حزب الحرية والعدالة". سألت عن رئيس الحزب، فقال لي يسري:

- اسمه محمد مرسي.

لم أكن سمعت باسمه من قبل لكننى وافقت على إجراء الحوار حول الإسلام السياسي الذي أؤمن أنه دفع بمئات الألوف من أتباعه خارج معركة الديمقراطية واستعمل عواطفهم الدينية من أجل تحقيق الخلافة الإسلامية وهي فكرة وهمية تماما مبنية على تاريخ مزيف لم يحدث قط (وقد شرحت ذلك بالتفصيل في عدة مقالات كتبتها في هذا المكان). ذهبت إلى الاستديو ورأيت مرسي للمرة الأولى فوجدته رجلا طيبا مهذبا. ثم بدأ البرنامج فاكتشفت أن مرسي متواضع الفكر محدود الثقافة لدرجة أن كل ما يقوله لا يخرج عن عبارات محفوظة قد تصلح في خطبة الجمعة لكنها أقل بكثير من مستوى المناقشات الجادة. كان برنامج يسري فوده ينتهى في الساعات الأولى من الصباح . وفي الاستراحة بين فقرتين فوجئت بمرسي يقول ليسري:

- اسمح لى سأنصرف الآن لأننى أسكن بعيدا ويجب أن أصحو مبكرا من أجل صلاة الفجر

نجح يسري في إقناعه بالبقاء وبدا من الواضح أن مرسي لا يستوعب أنه ضيف في برنامج تلفزيوني على الهواء وليس في جلسة مع أصحابه. بعد لقائي بمرسي تساءلت كيف يختار الإخوان رجلا متواضع الإمكانيات مثله لرئاسة أول حزب سياسي لهم ثم أكد لي بعض القريبين من الإخوان أن مرسي تم اختياره لأنه الرجل المطيع لخيرت الشاطر الذى فضل أن يحكم الحزب من خلف الستار. عندما أسفرت الانتخابات الرئاسية عن جولة ثانية بين أحمد شفيق ومحمد مرسي أيد بعض الثوريين انتخاب مرسي باعتباره أهون الشرين بينما كنت مع كثيرين من أنصار مقاطعة الانتخابات لأن الإخوان الذين يمثلهم مرسي ونظام مبارك الذى يمثله شفيق، في رأيي، وجهان لقوة رجعية واحدة معادية للثورة سواء كانت عسكرية أو دينية. تم إغلاق صناديق الاقتراع وعرفت أن بعض المنتمين إلى الثورة تقدموا بمطالب الثورة إلى مرسي وشفيق باعتبار أن أحدهما سيكون رئيس الجمهورية. لم يرد شفيق على مطالب الثورة وهو تصرف طبيعي من شخص يعتبر مبارك مثله الأعلى بينما دعا مرسي الثوريين إلى لقائه في فندق فيرمونت.

ذهبت متأخرا فوجدت ممثلين عن معظم القوى الثورية جالسين مع مرسي، الذى تكلم بنفس العبارات الإنشائية المطاطة التى لا تعني شيئا ولاحظت وجود بضعة أشخاص حول مرسي لم يعرفنا بهم وكان واضحا أنهم يملون عليه معلومات معينة قبل أن يتكلم .. انتهى اللقاء بدون أى شيء مفيد باستثناء الكلام العام وفي اليوم التالي عرفت من الأصدقاء أن الإخوان يريدون أن يعقدوا مؤتمرا صحفيا ليلقوا فيه بيانا مشتركا مع ممثلي الثورة. تأكد لي حينئذ أن الإخوان يريدون الإيحاء بأنهم يسيطرون على الثورة ويتحكمون فيها. رفضت الذهاب إلى المؤتمر الصحفي ورفضت توقيع البيان ويهمنى هنا أن أوضح حقيقيتين تم طمسهما وسط الدعاية الجبارة المضادة للثورة: أولا ان لقاء فيرمونت قد حدث بعد إغلاق صناديق الاقتراع، وبالتالي لم يؤثر إطلاقا على نتيجة الانتخابات الذين ذهبوا الى فيرمونت لم يدعوا المصريين إلى انتخاب الإخوان لسبب بسيط، أن الانتخابات كانت قد انتهت، بل إن كثيرين من الذين وقعوا على بيان فيرمونت كانوا من المقاطعين للانتخابات. تم إعلان فوز مرسي في الانتخابات وهذه النتيجة تحوط بها شكوك كثيرة شرحتهافي مقالي السابق. أصبح محمد مرسي عمليا رئيس مصر وبدأ مهامه الرئاسية بخطاب عجيب ألقاه أمام الجماهير في ميدان التحرير أثبت فيه مرة أخرى أنه محدود التفكير والقدرات ثم فتح أزرار سترته ليثبت أنه لا يرتدى سترة واقية (!). بعد أيام تلقيت دعوة للقاء مرسي في قصر الاتحادية لأنه يريد أن يستمع إلى وجهة نظري فيما يجب عمله لمساندة الثورة. ذهبت في الموعد فوجدت ما لايقل عن أربعين مدعوا من كل الأطياف السياسية بدءا من السلفيين وحتى الاشتراكيين الثوريين مع عدد كبير من الشخصيات العامة التى اشتركت في الثورة. جلسنا في قاعة كبيرة في انتظار مقابلة الرئيس مرسي وقد ساد بيننا شعور إيجابي متفائل. كان الرأي السائد بين المدعوين أنه بغض النظر عن اختلافنا مع الإخوان أو تقييمنا لدورهم السياسي سابقا، فإن واجبنا نحو الثورة يحتم علينا الآن مساندة مرسي والعمل على إنجاحه كرئيس. لاحظت يومئذ أن العاملين في القصر وضباط الحرس الجمهوري يتعاملون معنا بعدوانية لدرجة أنني وبخت أحد السفرجية لأنه تكلم بطريقة غير لائقة مع الدكتور حسن نافعه الذى كان جالسا بجواري. هذا الجو العدائي استمر في التصاعد حتى أن ضابطا في الحرس الجمهوري انتحى بي جانبا وقال لي:

- لي عتاب عليك

- تفضل

- عاجبكم اللي عملتوه في مصر؟

- عملنا ايه ..؟

- عملتم ثورة وقلبتم البلد وجبتم لنا الأخ ده رئيس (يقصد مرسي)

قلت:

- الثورة عملها ملايين المصريين وكان هدفهم العدل والحرية وإذا كان لك عتاب يبقى عاتب الشعب كله.

دعينا إلى مقابلة الرئيس في مكتبه ودخلنا، فرأيت مرسي رئيسا للمرة الأولى، صافحناه واحدا بعد الآخر ثم جلسنا. رحب بنا مرسي بعباراته المعتادة ثم حكى لنا واقعة غريبة حدثت له في أول يوم يقضيه في القصر الجمهوري.. نكمل الأسبوع القادم باذن الله

الديمقراطية هي الحل
أعلى