عبدالله البقالي - أحمد بوكماخ.. تجربة تأليف مدرسي لم تتكرر

يحلو لبعض التلاميذ القدامى الذين تتلمذوا على يد مربي الأجيال، الراحل أحمد بوكماخ- و لا أدري هل من باب التفكه أم من باب النقد- السخرية من تجربته في التأليف المدرسي من خلال سلسله"اقرأ" ، ويعتمدون ذلك من خلال تحوير اسمه ليصبح "أحمد بوكلاخ" عوضا عن اسمه، دون ان يستند ذلك النقد او تلك السخرية على مبررات و براهين منطقية في كونه"كلخ" العقول. و الحال أن كل التجارب في ميدان التأليف المدرسي التي تعاقبت بعد تجربته، توضع خارج المنافسة، لا على مستوى المضمون من خلال رقي القضايا التي عالجها، ولا على مستوى الشكل الفني . كما لا يمكن أن تكون الكفة راجحة لصالح التجارب المتعاقبة على مستوى التأثير الذي خلفته تلك التجربة في أذهان القراء و القدرة على إلها المخيلة. وهنا لا بد من استنحضار قولة لأدونيس تفيد ان مرور النصوص في اذهان قاصرة، لا يمكن ان ينتجه عنها سوى تقزيم تلك النصوص.

لقد كانت سلسلة "أقرأ" التي اخرجها لحيز الوجود الراحل احمد بوكماخ أهم عمل عرفته الساحة التربوية لمغرب ما بعد الاستقلال. ويشهد بذلك اعتماد تلك السلسلة في المدارس حتى خارج المغرب، و أيضا الطبعات المتتالية للسلسلة حتى بعد ان توقف اعتمادها في المدارس. ولازالت لحد الان تعرض في المكتبات. و ان الدافع لعرضها هو الاقبال المستمر عليها من قبل قدامى التلاميذ نظرا لما تمثله لهم من ارتباط وجداني. وهذا ما لم تحققه أي سلسلة تربوية من قبل.

ولعل السر في نجاح تلك التجربة هو مزاوجتها بين أمرين كثيرا ما فشل فيه المؤلفون وهما: مراعاة المتطلبات الرسمية التي تستجيب للأهداف التربوية التي تحددها التوجهات الاستراتيجية للدولة. و العمق الإبداعي الرفيع للنصوص. و لا أستطيع الجزم في هذا الشأن ما إن كان ذلك مرده إلى ذكاء المؤلف ، ام كانت الظرفية التاريخية المتسمة بالمد القومي العربي، و التحرري العالمي، وفتو عضلات الدولة التي كانت في مرحلة إعادة تأسيس كيانها إلى جانب توفر عامل الإجماع الوطني الذي تاسس في حرب التحرير الوطني، و الذي لم يكن قد انفرط بعد كليا. لم تكن كل هذه العوامل إلا لتوقع تلك التجربة بذلك الشكل و التطلع الذي ظهرت به. وا يدفع إلى هذا التساؤل هو الظرفية التاريخية و التعامل مع موضوع حساس كالوطنيات على سبيل المثال، خصوصا و أن الأحداث كانت تنزلق صوب عتبات سنين عرفت بسنين الجمر و الحديد.

في كل النصوص سواء تلك التي تعاملت بشكل مباشر أو بشكل ضمني مع الموضوع، نكتشف اليوم أن مفهوم الوطن اليوم قد انزاح عن المكانة التي وضعته فيها تلك السلسلة. فالوطن فيها هو غيره الذي بشرت له السلسلات اللاحقة. فالوطن هو شعور نبيل قبل ان يكون ارضا و حدودا ـ له ارتباط وثيق بالوجدان. و ان كل المواطنين سواسية. و ان لا فضلب لأحدهم على الاخر. و انه لا يجوز لأحدهم أن ينصب نفسه متحدثا باسمه.

وفي موضوع وثيق الصلة بالوطن، يتحدث أحمد بوكماخ لغة اخرى، لكن رموزها ليست مستعصية عن القراءة. كما أنه يستعير أشكالا موفقة يعبر من خلالها عن نوع العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم. ولذلك نلاحظ ذلك الحضور الكثيف لقصص الحيوانات و التي ان اختلفت وقائعها و امكانها، إلا انها تظل مخلصة لنفس المعطى أكانت الجنس التعبيري شعرا ام نثرا، فالقضايا دائما تقاس بنوع المزاج الذي يسيطر على الأسد. و ان الحمار هو من ياتي دائما في ذيل قائمة المتحدثين، و في الطليعة حين يتعلق الامر بالتضحية. كيفما كان نوع التضحية، سواء تعلق الامر بوصفة يحتاجها الأسد من اجل شفائه، ام تعلق الأمر بقربان يذهب الشر عن الرعية التي ليست هي في نهاية الامر سوى تلك النخبة التي تقع في أعلى سلسلة غذائية.

إذا كانت هذه هي مجرد نموذج أمثلة للكيفية التي كان أحمد بوكماخ يجسد بها أفكاره، و التي كان لها فضل تنمية الحس النقدي الاجتماعي لدى قرائه، فإن ذلك لم يكن العنصر الوحيد الذي صنع تألق تلك السلسلة. فالجانب الفني و اللمسات الإبداعية، و متانة الحكي المتضمن لعنصر التشويق، وقوة الشخصيات التي روعي في ابتكارها عناصر كثيرة تجعلها تحفر مكانها بعمق في ذاكرة ووجدان القارئ. وتستفز تطلع المخيلة، إضافة لأسلوب سهل ووضوح الأفكار. كل هذا و غيره إلى جانب أناقة الطبع و إبداع أخر قوي على مستوى الصور و الرسوم التي جسدت النصوص و المضامين. وقد جعل كل ذلك تلك السلسلة ممتنعة عن النسيان. وهو ما غاب عن التجارب اللاحقة، التي غاب فيها الجانب الفني و اللمسات الإبداعية للحد الذي يمكن معه القول أن التأليف المدرسي بعد أحمد بوكماخ كان عمل موظفين و ليس عمل مبدعين. فالرتابة تهيمن على الكتب. و شخصيات الأحداث تختفي مع طي الكتاب و الإنتقال من حصة دراسية لأخرى. وحواراتها مطبوعة بالتكلف و التصنع. كما يغيب عنها التماسك المنطقي الذي يخدم بناء القناعات وتعميق الأهداف التربوية. و على العكس من ذلك، ي تجربة أحمد بوكماخ. فشخصيات نصوصه لا تزال تمارس حضورها القوي مع مرور كل هذا الزمن. و لا يزال التلاميذ القدامى يستحضرون احمد الذي يراقص العفريت.و زوزو صياد السمك. و العملاق الذي يجب مداعبة الصغار. كما يضحكون من علي وورطته مع سرواله و غير ذلك الكثير.

ينتابني التساؤل كلما سمحت لي الفرصة بتصفح احد اجزاء سلسلة أحمد بوكماخ وهو: ما المدرسة التي ألف لها أحمد بوكماخ؟ هل هي تلك البناية، وذلك الفضاء المشكل من الفاعلين الرسميين و الأسر و الاطفال؟ هل هو ذلك المناخ الأنطلوجي، أم أن احمد بوكماخ قد ضمن تراتيله – عن وعي او دونه- تعويذة تظل قابلة على احتواء مستجدات الحياة مهما زحفت إلى الأمام؟

قد لا يتوجب الذهاب بعيدا للبحث عن الجواب. فأحمد بوكماخ يتطوع لتقديم الجواب من خلال عنوان سلسلته "اقرأ". و انه علينا ان نقرأ علما ان القراءة لا تعني فقط أن نظل حبيسي الأبجدية. بل علينا ان نمعن النظر في جوهر الأشياء لتعرف كنهها دون أي وساطة من احد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى