بولص آدم - أستورياس في بار الحمراء.. قصة قصيرة

بعد ان شاهدت فيلم ( النار الماجنة ) للمخرج الفرنسي لوي مال، وذلك في المعهد الفرنسي القريب من دجلة بغداد من جانب ابو نؤاس ، يومها كنت طالب فن في أكاديمية الفنون الجميلة، كان الطقس حارا والحرب تعمل بجد، على حد تعبير الشاعرة دنيا ميخائيل.. بعد هذا الفلم ذا الوزن الفني الثقيل، كنت بحاجة للشرب قليلا، عبرت الشارع ساهما ولمعان مويجات دجلة اراها من قريب، اتجهت الى بار اسمه ( الحمراء ) وهو بار يتوسط بارين هما البيضاء والصفراء، كانت بغداد يومها ملونة! دخلت على مهل وتحت أبطي رواية أستورياس ( السيد الرئيس ) وقد لففتها بجريدة القادسية، توقفت عند مدخل حديقة البار الواسعة، وأخرجت النقود لعدها، هذه للفة فلافل، واخرى لباص مصلحة الركاب رقم٢ الذي سيقلني من ساحة النصر الى باب المعظم، والجزء الأخير مما في جيبي فكان الأهم في تلك اللحظة، فالفلم المؤثر في رأسي يدور ثانية وكنت بحاجة الى ربعية عرق، على الأقل لكي يدور الفيلم ممزوجا بواقع الحرب المرير وطموحات فنان واديب شاب تملأ دنيا الروح في اعماقي بتظاريس تأمل منسجمة.. كانت الحديقة أمامي مكتظة وصاخبة، دخلت، مر بي نادل، فمازحته كالعادة ومثل كل مرة ( وين الزيتون؟ ) فكان في كل مرة يرد علي ( بَطّلنا نبيع زيتون أب بعشيقة، دَنسوي مِنّا عَرَكْ )! وكنا نضحك كطفلين كل مرة، قال لي ( شوفلك سكَملي، تَرى الدنيا مكلوبة )! وبعد دورة واسعة وجدت لي مكانا بصعوبة، جلست والعطش الشديد ألم بي، وضعت رواية السيد الرئيس، على طاولة الشرب، جاء ميخائيل واخذ الطلب وذهب، كان بجواري طاولة يتجمع حولها عدد من الرجال الذين تخمن مباشرة من بدلات القطعتين ام النص ردن، بأنهم ( من الأمن ) وعندما انحنيت قليلا لحك وجه القدم الذي لسعته (بقة) ، لاحظت مسدسا محشورا تحت الحزام من الخلف، فصدق حدسي اذا، الجماعة أمن ، ومنذ تلك اللحظة دار الفيلم في رأسي دورة تعاكس نوعه وتحول من فيلم عن غربة رجل في باريس الى غربة رجل في جبهات القتال!.. جاء ميخائيل ووضع أمامي ربعية العرق و طاسة اللبلبي وقال ( يابة ترى اليوم الدفع مقدما، شَربَتْ زيتون ولبلبي أتسوي نُص دينار والله يرحمك!) لم اضحك في تلك الأ يام بقدر ضحكي في تلك اللحظة وذهب الى الطاولة المجاورة، حيث طلب رجل الأمن بيرة وقال ( بَس مو مال الشيوعيين ) فأنفجر الصحب بالضحك، كان الحديث الدائر حول ذكرياتهم عن شيوعيي ايام زمان وتحولوا الى الأكراد و الى آخرين ولم يتركوا أحدا لم يشتموه، فسأل أحدهم، ( أكو يَم العراق بَحَر؟ ) فأجابه أحدهم ( لا، أكو بَحرين )! .. لا لا أبو معتز، جديات أخي، أكو بحَر غمييج؟! فأجابوه بشكل جماعي.. لا يابة يابحر، عدنا بس هالشط اللي جدامَكْ..) فما كان من السائل الملحاح، أن ضرب جبينه بكفه وعض لسانه وقال ( لا..لاع مع الأسف، لو جان عدنا بحر، جان شمرنا كُل الخونة بيه ) فأجابه أحدهم ( يعني حتى اللي بالأتحاد الزووفيتي؟ ) فما كان من الآخر الا وأن نهض وأخرج المسدس من الحزام خلفه وبدأ بطلق النار في الهواء!! اخذنا وضع الأنبطاح و انقلبت الكراسي والطاولات وعم سكون يتخلله صوت الطلقات، نظرت بزاوية عين من تحت ذراعي نحو قدميه القريبتين حيث كتابي المقلوب قربه، مددت يدي للأمساك به، فركله وصرَخ ، هذا كتاب شيوعي؟ تلعثمت وقلت ــ لا رواية، فقال والكلمات تخرج من ثمالته بصعوبة، (يابه هاي الخاطر المثقفين، بطلنا نعدم)! وهكذا عادت الكراسي والطاولات الى قواعدها سالمة، وكثر الضغط على ميخائيل بالطلبات بعد ذلك ، تعال ميخائيل، روح ميخائيل.. وأنا أغادر والهلع أفسد كل شئ، وَدَّعني ميخائيل من بعيد وقال:
ـــ أبداروخ ال بعشيقة بشطاو إيلا !
(من الأفضل، العودة الى بعشيقة!)


* منقول عن:
أعلى