محمد محمد مستجاب - اليوم ذكري رحيله...له الرحمة والمغفرة يحيى الطاهر عبدالله.... طائر القصة الحزين

حباً لمن اتبعته قطته الحبلي بعد أن باعة الأهل القساة والبيوت القصية، حباً لمن صعد نخلاً لا يطرح غير الاحزان الآبية، حباً لقلب لم يسعد إلا في الاحلام العصية، حباً لمن شرب من مياه جدول لا تروي ألا الأرض الشراقي، حباً لمن استيقظ يوماً فوجد من تحمل كفن طفلها البردان فوق رأسه التعبان، حباً لمن لمّ ذيل جلبابه وأطبق عليه بأسنانه وانطلق يسابق الريح منفلتاً من شر الجنية، حباً لمن نام وقت العصاري اسفل جدران الجوامع والمعابد والأديرة، حباً لك وانت مطارد ومقبوض عليك من طاغي جاهل لم يفهم كلماتك الابية، حباً لعبد الفتاح بن يحي بن الطاهر الذي اشجانا بقصصه الحزينة البهية، حباً لمن كان يروي قصصه ويحفظها ويلقاها دون اوراق معلنا فناً وأسلوباً عبقرياً، حباً للذي لم يفارق العقل والقلب وشواشي النخل وتراب المقابر الابدية، حباً لك شاعراً وقاصا وإنسانا على أرض لا تطرح ألا الاحزان الابدية.
يرتبط يحي الطاهر عبدالله في عقلي الصغير بشيئين لا ثالث لهما، أولهما : ( العالية ) واقصد هنا النخلة العالية، تلك النخلة التى تتوسط أرض الكرنك والتى يتسابق عليها رجال القرية او النجع لصعودها في امتحان اثبات الرجولة والشهامة والقوة والمغامرة والجدعنة، وجميع هذه الاختبارات نجح فيها يحي الطاهر عبد الله، نجح فيها ليصبح قاصا متميزا وهاما في تاريخ القصة العربية، ولا احد يستطيع ان يصعد تلك النخلة العالية، نادراً جدا ان تجد من يصعدها، ألا ان يحي الطاهر صعدها واعتلاها، ولم يكفي بذلك فقط، بل جلس بين شواشيها واكل من بلحها وصنع من جريدها صليب وحلم وقصة وحكاية، ونام بين فسائل النخلة.
أن يحي طاهر لم تطأ قدمه الارض منذ صعد – العالية – والجميع أسفل النخلة يصفق ويرقص ويزغرد له، والعيون بأسفل تحملق وتطل عليه، البعض يراه والبعض الاخر يتخيل انه يراه، ألا انه جالس فوقها، يداعب الريح الهوجاء ويفك قيودها المحبوسة من غبار الأزمنة، ويوشوش السحاب واشعة الشمس ويصنع من اشعتها اساور ذهبية لاعناق واذرع وارجل نساء النجع، كي تفرح بها فهيمة وحزينة وخضرة وغيرها من نساء النجع، وعندما يأتي الليل الطويل يكتشفون أن الاساور زجاج فقط، جالس يحي الطاهر فوق – العالية - يستمع للملائكة وهي تبدأ في تلقي وتنفيذ الاوامر الالهية، وينصت لابناء ابليس وهم يهبطون أرض النجع كي يحملوا اهله بالخطايا والذنوب والافعال التى لا تروي، جالس يحي الطاهر فوق العالية يأكل احيانا من بلحها، ويلقي النوي على عبيد الله احيانا اخري، مستمتع بسيدنا جبريل وهو ينفض هدومه فترتبك السماء بالرعد والبروق والأمنيات ويلهوا من النجوم وهي تقبل القمر.
والقمر الذي ينظر له – يحي – قمر وحيد، لنجع وحيد وقرية وحيدة، لكن عقول ابنائها مختلفة، وحياتهم مختلفة ومتربكة، تلك التى كتب عنهم يحي الطاهر قصصه الشاعرية الحزينة، فلن تصدق ألا انه كان جالس معهم، يلعهنم ويحبهم في قصصه، تشم رائحة عرقهم وبولهم بين سطور قصصه، اسمع هذا المقطع من اللوحة الثالثة من قصة الموت في ثلاث لوحات: بين الدروب الترابية الضيقة المتعددة المتعرجة المحاطة بتلال القبور الراقدة تحت ظلال الغروب الحمراء المتوهجة بغير حرارة، كانت ( حزينة ) تدب وشجر التمر حنة تحت هبات الريح الخفيفة لا يكف عن إمطارها بالزهر الأصفر اليابس، كانت تسلك طريقها وسط المقابر محاذرة متطيرة من هول ما يمكن أن يصيبها فيما لو داست على عظام ميت، وسمعت ( حزينة ) وقع خطوات تتبعها، وجاهدت حزينة جهاد الأنثي الضعيفة لتطرد الخيالات والمخاوف السوداء، ولكن عقلها عصاها فاستسلمت لقوة القاهرة التى تسوقها ونظرت خلفها ورأت ( فهيمة: نعم فهيمة بلحمها ودمها. فهمية التى ماتت.. وما أن لمحتها حتي اختفت!! ( اتكون القادرة بنت الجن أخت الشقيقتين هي التى فعلت هذا؟!.. نعم الشقيقات الثلاث القادرات بنات الجن، من يجمعن القطط والكلاب الضالة ويمسكن بالرحي الكبيرة التى تدور ولا تتوقف ويطحن اللحم والعظام فتموء القطط وتعوي الكلاب ويختلط الدم باللحم وتلمع العيون الست بمثل الجمر التقد.
هذه هي الحياة عند يحي الطاهر، فهو العنيد والجرئ وصاحب الحساسية المفرطة والكبرياء الذي يطاول العالية، وهؤلاء هم شخوصه الاحياء والاموات يتراسلون، والجنيات وبنات الحور يعبثون بالعقول، فهو الفاهم والمدرك لنفوس البشر في قريته قبل عقولهم، وهو مدرك ان الموت هو النتيجة الصحيحة لهم، هم الذين يزرعون ويدقون فلكنات السكك ويبنون عمارات أم القري كي يسكن فيها أناس غيرهم، بل يصبح حلم اهل بلدته دكة بسيطة امام تلك العمارات.
والشئ الثاني الذي يتربط بيحي الطاهر عبدالله في عقلي، هو صورته، تلك الصورة التى تأخذ أكثر من ثلثي وجهه والتى تشبه ( وهذه جهه نظري ) باللوحة العبقرية لعبد الهادئ الجزار، لوحة السد العالي، انظر لهما وسوف تعرف ماذا اقصد: تلك النظره العالية للافاق الممتدة إلى مال نهاية، وتلك الابتسامة الشفيفة التى تخشي أن تظهر، وهذه الأذن التى يجب أن تنتبه لها وهي تنصت وتسمع من الامام ومن الخلف، اي تسمع الصوت العالي وصوت الموت، وتلك الرقبة الطويلة الرفيعة السمراء بما فيها من تكسيرات وتعرجات وشرايين وعروق ودبيب حياة، انظر لوجهه جيداً فسوف تجد بوابين ونجارين وفلاحين وسقاة وقواديس سواقي وعيدان قصب وزهور لوزات القطن وعمال يحملون الرمال والظلط بالقفف ويحفرون الأرض بالفؤس والمعاول، وتشم في هذه الصورة رائحة السجائر والشهوة والشبق والدسيسة والمكر والحب المرتجف ورائحة صراخات الابناء في الميلاد والعجائز في الموت ، - شم جيداً رائحة دموع ودماء تنساب على أرض تخرج خيرها لغير أهلها، كما تبني ايديهم وكفوفهم الخشنة عمارات لغيرهم أيضا، هكذا كان يري يحي الطاهر عبدالله الدنيا، لغته الشعرية المكثفة والناعمة كحد السكين، النصل الذي ذبحنا فناً جميلا، اختزل العالم والسلطة الذكورية والقهرية وهي تفرض ارادتها، ولا اعرف لماذا لا يفارق هذا المنظر خاطري فدائما اجدني معه، وهو قادم في قطار الدرجة الثالثة محاطاً بالقفف والهلاليل ورائحة ناس لن تجدها ألا في هذا القطار المتثاقل على شاطئ النيل، قادم من الصعيد الجواني لأم القري، القاهرة التى استوعب يحي الطاهر تفاصيلها، وعشق وسط مدينتها، تراقصت حبات عرقه على جبينه وجبينها، انظر للصورة وسوف تجد العناد والحمق والطيبة والطيش، انظر له وكأنه يقول لك: لا تخزن ، فالقلب ملئ بالاحزان منذ بداية الحياة.
يحي الطاهر عبدالله: محبوب الشمس، وصاعد جبل الشاي الخضر، والمتسلق ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالا، والذي يري الكابوس الأسود من داخل معطف جلد بارد لليل شتاء قارس، والذي يقف في طابور طاحونة الشيخ موسي كي يقابل قابيل في عز الظهيرة الحارقة، فيضيعان الوقت باللعب ثلاث ورقات، على ايقاع الدفّ وعلى ظهر الصندوق الملئ بالجنيات والاسرار واكفان الاموات وعظامهم ومهر عرائسهم وعباءات رجالهم، والمنقوش عليه حج مبرور وذنب مغفور، عند عودة الجد حسن من أرض الحجاز على ايقاعات خطواته البطيئة والمنتظمة أيضا، والوشم المدقوق على الخدود والجباة والمعاصم واسفل الشفاة، صانع الفخاخ المنصوبة للمحبين يلم خيوط الموت والحزن في ثلاث لوحات، كي تظهر له الجثة واضحة ومدممة ليعود بها على انغام الصراخ ويدخلها الصندوق – حينئذ يصير الصندوق نعش ( أنا وهي والغجري والسيد احمد السيد وست الدار والمخبر عبد العاطي والصول عبد الباري ومحروس الترزي والشيخ سيد والغول وعبد الحليم أفندي والمرأة الخرقاء)، ويمتلئ الصندوق / النعش بزهور العالم من نرجس وياسمين وزهر الرمان، لنضعه على شاطئ النهر ونسمع كلام البحر ليعبر إلى الشاطئ الآخر، شاطئ المقابر والاموات والاحزان والخلود، كي يكفر الحاج رزق عن معاصيه، وهكذا تكون الرقصة المباحة هي الدرس وهي أغنية العاشق لصاحب القلب الأبيض والعقل الأبيض، هذه هي الحكاية والرؤيا وهذا هو المثال من قصص يحي الطاهر، وهذا هو حلم يحي الطاهر الذي يعشق الموتي وهذه هي حكاياته حتي ينام الأمير.
لقد كتب يحي الطاهر عبد الله القصة بأسلوب ظل محافظاً فيه على لغته الشاعرية وعلى الايقاعات والاوزان المنغمة في قصصه، بحيث انها صنعت كي تروي لا كي تكتب فقط، فهو صاحب لغة سلسلة وطيعه يمتزج فيها المرئي والمروي والغامض والشعر والقص والسرد والتشويق والتقطيع الذي يجذب المستمع قبل القارئ، ويداعب العقل قبل القلب، ويؤكد التاريخ المهمش الشعبي أمام تاريخ أهل السلطة المزيف.
واعتقد ان الكثير من حكايات وقصص يحي الطاهر لم تجمع جيداً، وهذا دور يمكن أن يقوم به الكثيرين، بل أن الحكاية التى لم يستطيع ان يرويها أي رجل او حتي جده في القرية لذلك لم يجد غير لسان كلب، كي ينبح بها، أن النباح والعواء الطويل يمكن ان يكون مقلقا، انه النباح في اصحاب القصور الذين يستريحون في نومهم تاركين من بني وشّيد لهم القصور، ومن ستف لهم النقود في الخزائن يحملون العري والجوع والموت.
لم يكن يحي الطاهر حزينا، بقدر الحزن الذي رآه وشمه وعاشه، وكيف جعل أم القري، هي التى تطل على الجنوب، فإذا كنا ولا زلنا ننظر إلى الأمام، فا هو يجعلنا ننظر إلى الخلف، الى داخلنا المسحوق المهزوم العرقان، ننظر إلى قلوبنا الموجوعة والتى لم تستريح، إلى إناس تركوا خير الأرض ورحلوا لبلاد ليس بلادهم بحثاً عن الرزق، أن صاحب العالية الذي ينظر إلى أعلى فترسل السماء إليه بتعلماتها، فيخبرنا بأخطأنا وشذوذنا وجنوننا وعبطنا وتاريخنا، هذا التاريخ المروي على لسانه، ويالها من قدره عجيبة على حفظ النصوص، وكيف لم يختلف عند الالقاء في اكثر من مكان، والاعتناق والايمان برسالته، فهو يعلم ان أهله لا يقرأون، بل يمتلكون أذن تسمع دبيب النمل وازيز الناموس، لذلك كان يقول ويروي قصصه، لم يتغير حرف، ولم تتبدل شخصية، الجنيات والجن وبنات الحور وعقلة الاصبع والشاطر حسن وامنا الغولة هذا هو عالمه، وهؤلاء هم من يرتدون ملابس البشر في حياة يحي الطاهر عبدالله، ليقول لك منذ البداية: أن هذا ذئب حتي ولو تم تقليم مخالبه، وهذا صقر لن يقتسم معك الفريسة، وهذه جدته التى تهدهده حتي ينام جائعاً، وهذه حبيبيه التى قرأ معها في كتّاب القرية، وهذا هو العالم الفسيح يتقلص ويصبح سطور مليئة بالحزن الشفيف، دم مراق على الالسنه والضلوع والأرض، وان الماء الذي يغسل كل هذه الاحزان لم يوجد حتي الآن، ويخبرك ان الطيور لا تسكن الاقفاص، وان الطير المحبوس مثل ارواحنا، يجب ان تنطلق، تنطلق بالعمل والحب والزرع والثورة، هذا الطير الذي ظل يحاول ان يحافظ عليه ويقدسه في اعماله، فلا المجد ولا القوة يترنحان إلا في ذروة القلب البشري.
من زمان جذبني يحي الطاهر عبد الله لقارة طيبة أو الكرنك أو الصعيد الجواني، جذبني إلى تلك النساء التى لا تكف عن البكاء والصراخ ومع ذلك تصنع الحناء وتنتف شعور اجسادهن كي تريح الرجال، جذبني إلى هؤلاء الرجال الذين يصممون على انهم رجال، جذبني كي يشوي لي بيضه في الفرن، واقشر معه القصب بينما يوجد قتيل أسفل اقدامنا، ثم نتمشي بجوار ترعة مهجورة ونقف على حافة ساقية خربانة كي نشوي كيزان الذرة في هجير بؤنة بينما تقف الجينية أثناء عودتنا فنفر هاربيين، انه الأسمر الضاحك الذي كان يعلم مسبقا أنه سوف يرحل، مع انه لم يرحل.
لم يكن شاعر القصة – وهكذا اطلقوا عليه - يعلم انه يفتنا بقصصه القصيرة، ذلك الفن الملعون المراوغ السهل، والذي لم يحتل قائمته ولم يصعد – ( عاليته ) إلا النادريين والمغامرين.
يحي الطاهر عبد الله أبو اسماء وهالة ومحمد، صاحب الدفّ والصندق، يا ليتني اعرف اضرب على الدف كما كنت تعزف بالكلمات، ويا ليتني فتحت ذلك الصندوق لاعرف ما به، هل هو فستان زفاف لجميلة الكرنك السمراء ام كفنها، وانا وهي وزهور العالم، والرقصة المباحة في ساحة القرية، الرقصة الجنونية والهامسة بأرجل لم تطأ الآ الاحلام، ولا تسير الا على تراب المقابر، وسأنتظر – يحي الطاهر – اعتذر - بل انتظر حكاياتك يا أمير حتي تنام العيون، لك الحب والرحمة والغفران، ، دعوني ابكي لانني لم اعاصره، وكفي ايتها الاحزان، فالذي كتبكِ باقِ، باقِ، باقِ ولا يموت.
محمد محمد احمد
أعلى