أمل الكردفاني - ازمة الأدب في الدول العربية

أكتب عن هذه الأزمة من قبل ملاحظات عامة، وردت إلى خاطري عندما أخبرني صديق بأنه نادراً ما يقرأ قصة قصيرة ناهيك عن رواية. نسبة القراءة الأدبية متدنية وذلك لعدة أسباب منها ضعف النقد الأدبي كماً ونوعاً. يعتمد النقد الأدبي على العلاقة الشخصية، ويعتبر ذلك عبئا على النقد نفسه، إذ أنه يفتقد للثقة، وفوق هذا فالنقد نفسه قليل جداً والقليل يعتمد على لغة مقعرة وفذلكات متكلفة، ولذلك فالقارئ العادي غالباً ما لا يفهمه...
فالنقد الأدبي يحتاج لذكاء عالٍ من حيث التفكيك والتحليل، ولكن أيضا يحتاج لقدرات شعورية متوثبة لتحقيق استجابة عصبية معتدلة تجاه أي عمل ادبي.
يمكننا ملاحظة ان أغلب النقاد من الرجال يكتبون عن أعمال النساء. ولا أعرف ما الهدف من ذلك بالتحديد، هل محاولة للفت نظر الأنثى لإهتمام الذكر بها حتى أنه انفق ساعات لقراءة عملها وساعات لكتابة نقده حول عملها.
هذا النقد الكاذب شجع الكثير من الفتياة للكتابة وهذا جيد من ناحية ولكنه من ناحية أخرى أغرق المكتبات بأعمال شديدة الضعف بل تبلغ حد السذاجة. وخاصة إذا كانت الكاتبة تمتلك شيئاً من الجمال فستجد العشرات ممن يكتبون عن أعمالها تودداً لها.
فإضافة إلى النقد المؤسس على رغبات شخصية ذات هوى جامع فهناك أيضاً المال. فدور النشر لا تهتم إلا بمن يدفع، وهكذا فهي تنشر بلا معايير عالية.
الجوائز العربية تأثرت بما سبق، فاغلب لجان التحكيم لا تقرأ كل الأعمال المشاركة وإن قرأتها فهي نفسها-اي لجان التحكيم- تبدو غير متسقة المعايير واحيانا تدخل جوانب سياسية أو دينية لتؤثر على حكم الناقد أو على خط الجائزة. فعلى سبيل المثال تلعب أغلب المسابقات في الإمارات على وتر المال من ناحية التسويق ومن ناحية منح الجائزة فهناك نزعة استعراضية واضحة مع مضمون ضعيف جدا في الواقع، تماماً كدفع ملايين لفرنسا للسماح ببناء متحف لوفر مزيف في دبي، رغم أنه في كل الاحوال لا معنى لذلك...فاللوفر باريس سيظل هو الحقيقي واللوفر في دبي سيظل مجرد تقليد ممل. وهذا نفس حال الجوائز العربية التي يتم انفاق الملايين فيها لمجرد الشو show.
ومعروف أن الدول العربية بشكل عام محاصرة ثقافيا بتعقيدات كثيرة دينية، وسياسية على وجه الخصوص، لذلك فمسابقاتها نفسها بل وحتى دور نشرها مقيدة ، والإبداع الأدبي لا يعترف بتلك القيود. بل أن الإبداع هو نفسه ثورة على كل القيود دفاعاً عن الحرية.
يتجه الأدب العربي -ككل الثقافة المهزومة التي يحيا هزيمتها- نحو هبوط متسارع في النوع مع ارتفاع في الكم. وحين يختلط الغث بالسمين، يضيع العمل الأدبي الجاد في متاهة الفاسد الضعيف.
والدول العربية اليوم تسلم أمرها لثقافة الإستهلاك وتتأمرك طوعاً وكرهاً، وتعمل الحكومات العربية نفسها على تطبيق كافة الشروط الأمريكية لتحصل على الرضى الأمريكي، ومن أهم هذه الشروط تحويل المواطن العربي لكائن ساذج بل هو أقرب للبلاهة، إذ يهتم بالماركات العالمية ، وبمتابعة الموضة الموجهة عبر الإعلام التجاري. فعلى سبيل المثال، استطاع الإعلام التجاري تحويل رواية هاري بوتر لرواية عالمية رغم أنها -من وجهة نظري- عمل شديد التفاهة والسطحية. ونتيجة التسويق التجاري فإن سبعة مليارات نسمة لا يعرفون أسماء مؤلفين عظماء جداً مثل ساندور ماراي، اليكسي اربوزوف، هانز برانز...الخ، ولا أعمالا عظيمة لكنهم يعرفون هاري بوتر وبنات الرياض...الخ.
والتسويق التجاري يبحث عن اتجاهين: الإتجاه نحو الربح. والاتجاه نحو التسطيح الفكري.
فحيث اتسع سقف التسطيح الفكري للمواطن كان بالإمكان توفير ما يحقق إشباعه بسهولة. فليس كل يوم يخرج كاتب عبقري إلى الوجود، والبزنس لا يحتمل انتظار العباقرة حتى يحقق الربح.
يمكننا متابعة كافة الأخبار والمواقع على الانترنت، وسنجدها تعتمد على التشويق، الخبر البسيط عن مطربة رقصت وهي تقرأ كتاباً مقدساً، والشعوب يتسارع نبضها، ويتحول خبر لا قيمة له لخبر الموسم. وهكذا يتم صناعة الأخبار الرخيصة التي تعتمد على التشويق، والأخبار الرخيصة تدفع بالعقل إلى المؤخرة. وتتوالى الأخبار: ممثلة بورنو تشارك في تظاهرات دولة ما، تتحول كل الأنظار نحو خبر لا قيمة له، وهذه الأمركة التي تطبع الدماغ البشري بطابع السذاجة، وصلت حدود الأدب، لقد اصبح المسوقون يعرفون كيف يسوقون للأعمال الضعيفة لتتحول إلى أسطورة (بمعنى تفخيمي)، لقد اصبح هناك اشخاصاً يسمون بشعراء وهم لا علاقة لهم بالشعر، وروائيين وهم لا علاقة لهم بالرواية...، فالمال هو الذي يحدد الفشل أو النجاح.
ادفع لدور نشر عربية عشرة آلاف دولار وسوف تقوم بتحويل ديوانك الشعري عن طبيخ جدتك اللذيذ إلى ديوان أعلى من كل أشعار المتنبئ وعلي محمود طه وأحمد شوقي.
لم يعد هناك شيء صعب على شركات التسويق العالمية، فالتسويق اصبح أحد العلوم الشريرة، أي العلوم التي تدرس كيفية السيطرة على عقول وقلوب البشر..
انهار الأدب وأصبح هنالك إغراق بالغثاء ، وأغلب الناس انصرفوا عنه إلا عندما يقوم المسوقون التجاريون بإحداث جلبة حول رواية ما او قصيدة ما...لقد اصبحت الشعوب كالدجاج. فيكفي أن تدلف إلى قفص الدجاج وأنت تحمل إناء حتى يتجمهر حولك الدجاج متلهفاً ليأكل حتى ولو كان ما تحمله سماً زعافاً.
والعربي أصبح اكثر استجابة للمسوقيين التجاريين، بل عليه أن يستجيب ليواكب الجماعة. فالقراءة نفسها تحولت لمظهر واستعراض show.
عندما كنت في الجامعة، كنت أرى زميلاً لي يدخل كل يوم وهو يحمل كوب كبتشينو بيمينه وكتاباً بيساره وصحيفة تحت إبطه، كبرنامج ثابت، سألته يوماً ماذا تقرأ، فأجاب بأنها قصائد للمتنبئ. سألته لوكان يفهم معناها فضحك واخبرني أنه لا يفهم شيئاً.
وهذا هو القارئ العربي..بالضبط..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى