عبدالرحيم التدلاوي - منطق الكتابة في مجموعة "ذو الناب" لجلنار زين.

حين تلقي نظرة على غلاف مجموعة "ذو الناب" للمبدعة الأردنية، جلنار زين، سيلفت انتباهك خلوه من عتبة التجنيس؛ وهي عتبة مهمة تعبر عن التعاقد بين الكاتب والقارئ وتشير إلى الجنس الذي تنتمي إليه النصوص، وحين يغيب التجنيس يصبح الأمر عسيرا، قد يدفع بالبعض إلى عدم اقتنائه على اعتبار أن الغلاف عتبة مهمة بين الخارج البصري، والداخل النصي؛ بين العالم المادي والعالم التخييلي، وقد تدفع بالبعض إلى التصفح لمعرفة ما يحتويه الكتاب، إذا كان هذا القارئ فضوليا له رغبة في إشباع ذلك الفضول.
والحق إنك لن تعرف جنس الكتاب إلا بعد الولوج إلى صفحاته الداخلية، حيث تجد نفسك أمام نصوص سردية مختلفة الأحجام. ومن هنا يصبح لزاما عليك بعد قراءتها وضعها في خانة الجنس الذي تنتمي إليه. والراجح أن المبدعة قد تركت حرية التجنيس للقارئ وأعفت نفسها من هذا الفعل.
فلم قامت بذلك؟
هو سؤال مفتوح تبقى الإجابة عنه نسبية مبنية على الظن. ويبقى القارئ حرا في وضع النصوص في هذه الخانة أو تلك.
ورأيي أن اختلاف أحجام النصوص بين الكريمة طولا، والمقترة حد التقشف والقصر الشديد هو ما جعلها ترحل التجنيس إلى فضاء القارئ.
والملاحظ أنها لم تعف نفسها كليا، إذ بعد تجاوز القصص القصيرة نسبيا والبالغ عددها أربعة عشر نصا، سنجدها تجنس النصوص التي تحمل عنوان "عندما يبكي الرجال" ضمن القصص الطويلة جدا، بنوع من السخرية، لكون تلك النصوص قصيرة جدا، وهي في مجموعها لا تتجاوز أربعة نصوص تفرق بينها نجمات. بعدها نجدها تسم باقي النصوص بالنصوص القصيرة جدا، لا القصص القصيرة جدا رغم أنها كذلك.
لقد مارست المبدعة لعبتها بتجنيس بعض النصوص كما يحلو لها، وغيبت التجنيس عن أخرى؛ وهي حرية قد لا يوافقها عليها القارئ الذي سيكون في حل عما اقترفته، ليفسح لنفسه مجال اقتراف ما يريد.
وبالعودة إلى القصص القصيرة، يمكن ممارسة التكثيف عليها بإبعاد بعض كريم الزوائد لتبلغ بالتخسيس منزلة القصص القصيرة جدا، وفي أفضل الأحوال، تبلغ مقام الأقصوصة. باستثناء ثلاثة نصوص كانت فعلا تنتمي إلى فن القصة القصيرة.
وبناء على كل ذلك، يمكن اعتبار المجموعة، قصصية تميل إلى القص الوجيز بشكل أكبر، دون أن يرف الجفن، أو يعتري الفعل اضطراب.
وفي ما يخص الثيمات، فالبين أنها تناولت العديد من القضايا من جملتها الخرافة والعلاقات الإنسانية في زمن وسائل التواصل الاجتماعي؛ موظفة تقنيات متنوعة كالغرائبي.
ففي قصة "ذو الناب" التي منحت اسمها للعمل مرخية بظلها على مجموع النصوص، نجد شخصيتها الرئيسة؛ وهي العروس ابنة شيخ القبيلة وسيدها التي أريد التضحية بها لإيقاف لعنة الوحش، تقف في وجه هذا الكائن المنفوخ مبينة تهافت الخرافة حين وجدته فريسة سهلة فتمكنت منه، بيد أن القبيلة لم ترغب في تصديقها لكون الشيخ بحاجة إلى الخرافة لتستمر الحياة، وحتى إن قامت ابنته بتحطيمها، فإن القبيلة ستبحث عن وحش جديد، يتجلى ذلك واضحا في الحوار الدائر بين رئيس القبيلة وابنته التي قتلت الوحش:
تقول له: لكن يا والدي...لقد قتلته فعلا وخلصتكم منه...فلماذا ترسل فسرسانك؟؟
_ليبحثوا عن وحش جديد... !
هكذا تظل الخرافة ساكنة القلوب والعقول، ولا يمكن التخلص منها لأنها من أسباب ديمومة حياة القبيلة. والساردة إذ تفضح هذا المسلك، فإنها ترغب في فتح الأعين على سذاجة المطلب، وبطلانه.
لقد صارت ابنة شيخ القبيلة ملعونة ومطاردة ووحيدة، وأرى أن السارد قد سعى إلى خلق جبهة تقف إلى جانبها من خارج النص، تتمثل في المتلقين الذين سيتعاطفون معها ويتبنون مواقفها، وبالتالي، سيعملون على مجابهة الخرافة في واقعهم؛ والأكيد أننا نعيش في وقتنا الحالي صراعا بين الخرافة والعلم، ولا أدل على ذلك من الجائحة التي بينت أن العديد من الناس، وبخاصة في عالمنا العربي، يعيشون الخرافة مثل حقائق ثابتة ينبغي الإيمان بها، وملعون من يخالفهم الاعتقاد.
الغرائبي والخرافي:
ويتجلى بشكل واضح في نص الافتتاح "حرفيا" ص7، فخاتمته الفجائية تصنع دهشة القارئ لغرائبيتها، إذ كيف يمكن للشخص أن يتحسس رأسه وخلعه ثم إلقاءه في النار !
هو فعل غرائبي يستحيل وقوعه، واستحالة وقوعه تشي باستحالة تخلص الرجل من نسيان حبيبته التي هجرته، كما لا يمكن لنصائح الطبيب أن تكون مجدية في هذا الباب.
وتسير قصة "سقط سهوا" ص25 على منوال قصة " حرفيًا " في لا معقوليتها، فالسارد_الشخصية الرئيسة نسيَ أن يرتدي وجهه حين أراد أن يبكي حزنا على طفل رآه في العيادة بوجهٍ غير متناسق. ويكمن خلف هذا التخييل اللامنطقي، اللامعقول، ما هو منطقي ومعقول.
وفي الخرافي، إضافة إلى قصة "ذو الناب" نجد قصة "الأجنحة المحترقة" ص31. قصة تعود بنا لأجواء المحكيِّ الخرافي. إذ تحكي أن الفراشات الملونة والساحرة تلقي بنفسها في اللهب حدادًا على الإخفاق الذي منيت به في علاقتها بذلك الصديق السرعوف، الذي ظنته محبًا صادقاً حقيقيًا، لكنه لم يكن سوى مخادع يوقع بضحاياه. فبقايا الأجنحة، التي ما تزال عالقة بمنكبي الجدة، توحي بأنها كانت رائعة الجمال يوما، وعاشقة لذلك السرعوف، ولكن ذلك الجمال، وذلك العشق، احترقا للأسف بنار الخديعة، ومنذ ذلك الحين والفراشات تؤدي طقس الانتحار الأبدي حدادًا على ذلك الحبّ المُحْبط.
تخييب أفق توقع المتلقي:
إضافة إلى النصوص السابقة، يأتي نص انتحار" ص17، ليخيب توقع المتلقي، حيث يعمد السارد بذكاء إلى جعله يعتقد أن الانتحار قد تم بالفعل، وأن كل الأحداث المرتبطة به قد وقعت، لكن نهاية القصة تقدم مخرجا غير منتظر، حيث يقرر السارد التخلي عن فكرة الانتحار بإلقاء نفسه من أعلى، والاكتفاء بسكين اليأس على السرير:
استبعدت الفكرة من دماغي تماما، وفضلت أن يقتلني اليأس ببطء.. في سريري!
والأمر نفسه نجده في قصة "أرض الأحلام" ص15، إذ تأتي الخاتمة على غير المتوقع، فالسارد لم يذهب ضحية الأحلام التي رسمت له من رف مهاتفته، بل أقفل الخط ووضع المتكلمة ضمن المحظورين.
توظيف اللغة المحكية:
اتجهت المبدعة في الحوار لاستخدام اللغة التي تتخاطب فيها الشخصيات في حياتها اليومية. ففي قصة "ختام" 41 تكلمت ختام باللهجة المحلية التي تتلاءم و مستواها العمري، والثقافي، كما تساير طبيعة الموضوع المطروق، بوصفها مشروع خاطِبَة تحاول أن تغري الساردة بوسامة العريس، فترد عليها الساردة باللهجة ذاتها، مما يقنع المتلقي بواقعية الأحداث. .
وفي غالبية القصص القصيرة نجد حضور التشويق، بجعل بعض الأحداث غير مبررة إلا بعد التوغل في الأحداث، مما يستوجب على القارئ أن يعتمد على القراءة ذهابا وإيابا بشكل لولبي، وهي طريقة تكسر بشكل ما سيرورة وصيرورة الأحداث وتعاقبها.
أما في شق القصص القصيرة جدا فنجد أن الكاتبة رغم اعتمادها التكثيف الشديد، والتقتير اللغوي البليغ تتجنب الوقوع في شرك الاختزال الذي يؤدي لغياب القصة، والتركيز على القِصَر وحدَهُ.
اختارت المبدعة لغة بسيطة وسلسة لتكتب بها مجموعتها، لغة رشيقة ورفيعة المستوى تقوم على تشكيل علاقات جدلية بين شخصيات قصصها وعلاقتها بالزمان والمكان. تميزت نصوص هذه المجموعة بالقصر فهي لم تتجاوز الصفحة أو الصفحتين، باستثناء ثلاثة قصص، كأقصى حد كتبتها المبدعة مستعينة بتقنية التكثيف، فأتت اللغة مختزلة في شكل ومضات، ساهمت في زيادة وتيرة القراءة، فكانت "وحدة عربية" ص59 أقصر أقصوصة تكونت من سطرين ذي ثلاث جمل.ورغم الاقتصاد في الوصف، إلا أن القصة تصل للقارئ بلغة خفيفة ورشيقة، والمعروف أن القصة القصيرة جدا بخاصة لا تقول كل شيء، فهي تُشرك القارئ معها وتفتح له نافذة الخيال. فالمبدعة كانت ذكية بما يكفي حيث تركت بياضات وفراغات عبر اللغة حتى يتمكّن القارئ من أن يكون مساهما في إعادة كتابة القصص بإعمال مخياله.
**
ذو الناب، جلنار زين، عن الاهلية للنشر والتوزيع وبدعم من وزارة الثقافة عمان الاردن. البعة الاولى سنة 2016، تمتد على مدى 91 صفحة، وتضمن بين حناياها 14 قصة قصيرة، و32 نصا قصيرا جدا، و7 قصص قصيرة جدا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى