عندما يَشْرع الرَّعاعُ في التفكير يتلفُ كلُّ شيءٍ" ....
فولتير
" الساسةُ مثل القُرود إنْ اختلفوا أفسدوا الزرع وإنْ اتفقوا أكلوا المحصول"
" الرَّعاع صناعة لمجتمعات تنهش إنسانية الإنسان وتحتسي نَخْبَ الإقصاء "
تأسيس
يبدو أنَّ حدود عالمنا هو حدودُ الكلمات التي نتعامل معها، ولا نملك من وجودها سوى قدرتنا لاستنطاق ما تقُول. فهي حينئذ لا تفعل اعتباطاً، لكنها تعرفنا جذوراً عميقةً لواقع يطرح نفسه مراراً. هكذا تمثل الكلمات إمكانيات وصوراً باقيةً، وقد نجهل لماذا يَظْهر بعضُها بقوةٍ على مسرح الخطاب ولماذا يختفي سواها. لكن المؤكد أنَّ عالمنا الراهن يفرز ظواهر إجماليةً لها أسبابها التي لم تتبلور بعدُ. وقد ندلل عليها باللغة كأحد الوجوه الإنسانية التي ترتبطُ بالفعلِّ والفكرِ.
استناداً إلى ذلك نجد كلمةَ الرَّعَاع معبرةً عن حواشيها الثقافية بالدرجة الأولى، وليس يُخْرجُ لفظُها إلاَّ صوراً وأفكاراً حول ما يجرى اجتماعياً داخل الحياة، كما أنَّها تُلقي بالأسئلة المتوالية أكثر من الأجوبة. فالرَّعاع هم الأحْداثُ الطَّغَام (أي الأوغاد وأراذل القوم)، وهم أيضاً الغوغاء والسُوقة والأوباش، أهلُ السفه والصياح والأغلاط والوقاحة والسباب. في معجم لسان العرب، رَّعَاعُ الناس: سُقَّاطُهمْ وسَفِلتُهُمْ[1]. وبحكم كون الكلمة تتقيَّأ ما في جوفها من بقايا وفضلات اخلاقية، فهي ذات حمولة ثقيلة الوطأة عبر هوامش المجتمعات، ولاسيما تلك التي تلجأ إلى اجترار التقاليد كسياج لربط الواقع بعقول الأفراد وحياتهم.
إنَّ اللغة كنظامٍ للمعنى هي القُرص الصلب [Hard Disk(2 بالنسبة للوجود الإنساني، والذي يختزن آثار الثقافة بموجب السلطة المفترضة داخلها، لأنَّها سلطة شاملة وترمي خطابياً إلى القادم على طول الخط. واللغة رغم عمقها الغائر إلاَّ أنها تعيد إفراز ما تختمر به، كأنَّها ذاكرة حية تحتفظ بجميع ما يمر دون نسيانٍ. وأيضاً الكلمات تحاكي وحدات التخزين في الحاسوب مثل( البتات Bits )، وهي أجزاء وأحرف وأرقام لمعالجة البيانات وتخزينها. والكلمات مثلها تماماً وتعمل على غرارها، لأنَّ جذورا معجمية لكلمة أو أخرى إنما هي وحدات تدل على أنظمة تشغيل ( جسد الثقافة)[3]بطريقة دلالةٍ مثلما تدل وحدات البت(Bits ) على نظام تشغيل الحاسوب[4].
- كشف الأصول البعيدة لظاهرة الرَّعَاع إذا كانت اللغة تشكل صور الفكر(الموروثات).
- ماذا عن أية بطانة دينية واجتماعية داخل الكلمات ستظهر جوانب أكبر للمعاني.
- الكلمات جزء من جسد الخطابات الجارية التي هي عمل السلطة( بحركتها العامة).
- الفاعل الخفي الذي بفضل عموميته( السلطة – الثقافة) قد أصبح مجهولاً.
- لماذا امتدت ظاهرة الرعاع رغم تحولات التاريخ والثقافة زمنياً.
- وجوه اللغة دروب تكمن في حياتنا الراهنة دوماً، الدروب السرية لما يحدُث.
وَجهُ الطراف
ثمة شيءٌ طريفٌ في الجذر المعجمي للرَّعاع يبرز مسألةٍ ثقافيةٍ صعبةِ المِراس. إذ يضرب معناه في جسدٍ ما، في حالةٍ ما، في علاقةٍ ما: رَّعُ بدلالة "السُّكُون والدعة" كما يشير اللغوي عبد الله بن الأعرابي. وفي المعجم الأجنبي تأتي كلمة mobs بمعنى الغوغاء والسوقة وherds، أي القطعان البشرية السائبة التي لا ينتظمها قانون، بل ربما يعجز المجال العام عن استيعابهم كما يستوعب مواطنيه العاديين، وبخاصة مع أحداث السياسة التي تتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية.
كشف روبرت شوي ماكر shoemaker سلوك الغوغاء في إنجلترا خلال القرن الثامن عشر، معتبراً أنهم كتل بشرية تنهمك في احداث الفوضى وتتعامل مع الواقع بمنطق الأوهام، وباعتبارها السمة الطاغية على الحياة الاعتيادية العامة، حيث أعمال الشغب riots والعنفviolence والسُباب [insults [5. ويشكل ذلك وضعاً ثلاثي الأبعاد: الواصف والموصوف والحال بقاعدة التاريخِ لا المنطق، ولن يتم دون ارتباطٍ ثقافيٍّ يُراكم الوضع اجتماعياً وسياسياً، ويجري اعادة انتاجه تواتراً من فترةٍ إلى فترةٍ تاليةٍ.
نصوص
لكن أي وجه للطرافة في ذلك؟! هل تختزل كلمة الرعاع إيقاعاً لحياةٍ أشبه بالوثائق التاريخية لما نمارس؟! اتساقاً مع ما سبق، يمكننا أنْ نتخذ اللغة خطاباً كاشفاً لما نتكتم عليه عادة. لأنَّ الرعاع صورة ترتهن بالجوانب المسكوت عنها في المجتمعات وتحولاتها، هي ظاهرةٌ مازالت لصيقة الشأن العام كجزءٍ من أزمة حضارية تضرب اعصابنا العارية( المهمشين والسوقة والعامة). من زاويةٍ أخرى، يرصد لي سيجيل Lee Siegel كون الغوغائية ترتهن بظروف العصر حيث التطورات التقنية ووجود وسائل التواصل الاجتماعي Social Media، وقد ذكر سيجيل- نتيجة عمومية المسألة في العالم الافتراضي- مصطلح " الغوغاء الإلكتروني" electronic mobs كمصطلح رشيق إلى حد التطاير يوصِّف الوضع الحالي. فالأنترنت من وجهة نظره اعطى هؤلاء الغوغاء امتداداً وانتشاراً أكبر. السبب أنَّ العالم كله هو الحالة التي تجسدها شاشة زرقاء تتوحد بأجهزة الموبايلات والكمبيوتر والآيباد. مما خلق أوهاماً شاسعة vast illusions وضخمة يعجز عن إيجادها العالم الفيزيائي والاجتماعي المحدود، لأن في إطار الشاشات الزرقاء هناك ملايين المتابعين وملايين المعلقين والمتواصلين في الحالة نفسها[6].
على ذات المنوال، ناقشَ آخرون أنَّ حضور العنف مع الكتل البشرية التي تتنازع الهويات والأوهام حول الأصول أمر بالغ الوضوح ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، وأنَّ السبب هو ثقافة الغوغاء مع وجود قدرات افتراضية غير اعتيادية لم تكن متاحة من قبل. وأنَّ المتفاعلين على شبكات المعلوماتية تنقصهم أساليب الحوار والفهم المتبادل بحكم تدني التصورات حول بعضهم البعض[7].
واتصالاً مرةً أخرى باللغة، جاءت كلمة Rabble لتدل على الرعاع مع اللغة الإنجليزية منذ ظهورها في اللغة الإنجليزية الوسطى باسم "rabel" في أواخر القرن الثامن عشر أيضاً. ربما جاء من فعل اللغة الإنجليزية الوسطى"rabel" الذي كان يعني "الثرثرة "، وعلى الرغم من التشابه في الصوت والمعنى، إلاَّ أنَّ "babble" و "rabble"لا علاقة لهما بذلك. يرتبط الفعل "rabel"بــ "rabbelen"الهولندية الوسطى و" Rabbeln " الألمانية المنخفضة، بمعنى "الثرثرة" . لكن كيف ننتقل من الهذيان إلى حشود من الناس؟ الاتصال قد يكون فكرة الارتباك. لا يمكن أن تشير كلمة"Rabble" ، في الاستخدامات المبكرة لها، إلى مجموعة من الحيوانات أو سرب الحشرات أو مجموعة مشوشة من الأشياء، ولكنها قد تشير أيضًا إلى سلسلة كلمات مشوشة أو لا معنى لها[8].
النتيجة الأكثر طرافة أنَّ الوصف بالرعاعية سيواصل هيمنتَّه على المعنى وعلى الظاهرة جنباً إلى جنبٍ طوال حقبٍ تاريخيةٍ متباعدة. فكلُّ المهمشين اجتماعياً هم ضروب من الرَّعاع بالمغزى السياسي والديني في حزمةٍ واحدةٍ. الجانب الآخر أنَّ الرعاع ما وصلوا إلى حالتهم – مثلاً- في الثقافة العربية إلاَّ بفعل فاعلٍّ. لا يوجد رعاعي واحد دون وجود من يرعاه(يؤكد مصيره) ويتركه نهباً للإهمال والفوضى حيث هو، بل يدفعه إلى نمط حياته المزري، لكونه الشرط المسبق لوجوده(أي لوجود الراعي). والفاعل هنا خفي أو متخفٍ عن قصد، إذ يمثل سلطة غالبة كما يبدو، لكنها غير واضحة. بالأقل ترى في نفسها هذا المستوى من التراتب غير المصرح به.
كذلك حينما تنظر إليهم السلطة، لن تستطيع تجنب أوصافاً تلصقها بالآخرين. لأنَّ رَّعَاعاً مهمشين هم ظاهرتها التاريخية، هم النتيجة التابعة لوجودها بهذا الإطار، هم القدر السياسي لكل عنفها وبطشها بالمجتمع. إذ تستعمل كلَّ موارد المجتمع رمزياً ومادياً في تكريس الرعاع كوجودٍ ضروري يسند هيمنتها وآليات حكمها. تستعملهم الأنظمة الحاكمة كلما أرادت، وتسقط حقوقهم متى رغبت وتستدعيهم كلما احتاجت(الانتخابات والحشود السياسية والأحزاب والمؤسسات). ولن تكون كل رعاعية كما هي في ذاتها دون أنْ يكونوا هم كنخبةٍ في ذواتهم.
[2]- لتوضيح الفكرة بالنسبة لبنية اللغة نعرض ذلك بمعرفة المزيد عن القرص الصلب ووظائفه التي تشبه عمل اللغة ونظامها الدلالي. فلقد ظهر اختراع الأقراص الصلبة في الخمسينيات من القرن الماضي (القرن العشرين)، وكانت عبارة عن أقراص كبيرة يصل قطرها إلى حوالي عشرين بوصة وعلى الرغم من حجمها الكبير إلاَّ أنَّها كانت تتسع للقليل من الميجا -بايتات. ولم تكن تعرف خلال ذلك الوقت بالإنجليزيةHard disk ، بل كانت تعرف بـ Fixed disks أو بالإنجليزية Winchesters، وجاءت التسمية بالإنجليزية Hard Disk بعد ذلك، لكي تتم التفرقة بينها وبين الاقراص المرنة. راجع الويكيبيديا الحرة على الرابط التالي: قرص صلب - ويكيبيديا
قرص صلب - ويكيبيديا
المماثلة بين الكلمات في اللغة والوحدات في الحاسوب هنا سيتم قصدها في المتن بالأعلى، من جهة استعمال الكلمات والعبارات والنصوص الواردة به. لأن جسد الثقافة هو نظام تشغيل يتوحد بعمل اللغة وما بينمها تستغله السلطة وتستوطنه. وهذا النظام يرتبط أساساً بتاريخ المجتمعات والتراث ورؤى الحياة والعالم.
[6] - Lee Siegel, Against Machine, Being Human in the Age of the Electronic Mob, FCS, Mixed Sources, New York, 2008, P 17.
[7]- Bronwyn Carlson and Ryan Frazer, Social Media Mob: Being Indigenous Online, Macquarie University, Sydney, 20018. P 13.
[8] - راجع هذه الاشتقاقات في معجم وبسترWebster Merriam على الرابط التالي: