هشام المنياوي - أنطولوجيا الجسد في قصيدة ( نحت)للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي

ثنائية الروح والجسد صاغها فلسفيا بحرفية آثرة شاعرنا الكبير أحمد عبد المعطي حجازي في نصه ( نحت ) فصدر لنا (لذة النص )التي لا يُعرف مصدرُها بتعبير (رولان بارت ).بيد أننا نحاول في تلك التطوافة النقدية أن نبحث عن منابع تلكم اللذة ، قام الشاعر باستدعاء الجسد بمعزل عن الروح ليبثه قبسا من روحه، ويعيش التوحد معه؛ ليرسخ في اعتقاد المتلقي هذا الحوار الجسدي؛ فيمغنط إدراكه باتجاه الجسد بوصفه وسيلة جذب لا تعطب فيحاوره بفم ويد :
( سوف أكشف عن سره وأحاوره بفم ويد (
ويبدو أن الفم قد استعاض عن الكلمات في حواره مع الجسد بشيء آخر!! ، تساعده عليه اليد !! هذا الجسد الذي حاوره الشاعر على مدى النص يتغيا سره الأنطولوجي محاولا فك شفرته وإعراب طلاسمه، مذكرا إياه بطفولته التي هي- على ما يبدو- طفولة نهد وخصر وقدّ !!
) أذكره بطفولته بالزمن الذي يسبق الذكريات (
يستمر الشاعر في مغنطة المتلقي صوب مشهد الجسد بين حبيبين غابا في ( مفترق الوقت ) هذا الذي اكتسي بالانزياح التركيبي حللا دلالية، لما كان المفترق للطرق ، كان الوقت فارقا كافتراق الطرق، وبخاصة عندما توقف وهو يعالج هذا الجسد الذي رآه تارة نمرا جائعا فاستعاض عن تقديم الطعام له بأقداح النبيذ، وتارة فرسا جامحا كما ترسخ في الوجدان العربي الجمعي الذي لا يفتأ يقرن بين المرأة والفرس الجموح لشرودها المحبب وضياع مقودها ، حتى العامية انتبهت لتلك الوشائج الجامعة بين المرأة والفرس فأغرمت بالربط بينهما ، اتكأ شاعرنا على فلسفة وجودية غلفت النص بعقلانية طاغية لا تعدم الترميز أو التصوير فما أبدعه !! حين رسم صورا تضج حركة ( مد ساقا – أراقصه – يلملمها – سأصب له قدحا ) وصوتا خفيتا حينا ( انفلتت منه تنهيدة ) ومدويا حينا آخر ( يتفجر حرية ) وهو إذ يجسد الصوت يحسن قَرانه مع ألفاظ تبعث برسائل سيمولوجية ، فالتنهيدة يَسمُها ب( انفلتت ) بكل ما يحمله الفعل من لاإرادية وعفوية ، والحرية يسمها بـ ( انفجرت )وكأنها لكي توهب لنا يلزمها هَبّة وثورة ، ونحن نعاين نحت الشاعر كان لزاما علينا أن نتوقف عند هذا المشهد :
)كلما مد ساقا أو انفلتت منه تنهيدة أو أقام يُكَشّف عن جيده الناصع الأعيد ويُمسّد شعره الفاحم الأسود ... وقف الوقت لحظة ثم عاود إيقاعه من جديد (
مرة ثانية وثالثة يطل علينا الوقت من المشهد ليشي بسر هذا الجسد الذي هو على ما يبدو رمز على الوقت الذي تفلت من بين أصابعنا بلا رجعة وما يقوي تلك القراءة للجسد ( ثلة من التعابير ) كما يسميها أستاذنا الكبير محمد مندور تتعاضد في الدلالة على اغتراب الجسد في متاهات الزمن ، من ذلك قوله :
) مفترق الوقت – زمانه الذي يسبق الذكريات – ذاهل عن صباح غد ومساء غد – وقف الوقت لحظة ثم عاود إيقاعه من جديد )
هنا نقرأ النحت في الجسد نحتا في ترهلات الزمن المُولّي .
يبدو أن مغنطة المتلقي فقدت أثرها واستعاد الفم لأول مرة حاسة الكلام فنطق قائلا :
(قلت للجسد وقد انطفأت في مدى الليل جذوته واستحال إلى فكرة تتماثل في خلدي : عد كما كنت سيدي .. غير أن الذي كان لم يعد)
هنا استحال الجسد زمنا غابرا، فرأينا ذلك الجسد -وقد خبأت جذوته – (طُلل الوقت ) البائد ليتسق خيط النص الشعوري والفلسفي مع ديوانه ( طلل الوقت ) في تناغم آسر !!!
بقلم هشام المنياوي
ناقد أدبي – مصر
نص ( نحت ) للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي
لستِ صاحبة الجسد
إنه كائن لم تكونيه حين دخلت هنا فجأة
وجلستِ على مقعدي
زائر غامض
جاء كالظل متشحا بثيابك ِ
ثمَّ تجرد لي
وتفرد في رُكنِهِ المفردِ
فاتركيه بمفترقِ الوقتِ ، وابتعدي
سوف أكشفُ عن سرِّه
وأحاوِرُه بفَم ويد
وأذَكره بِطفولتِهِ
بالزمان الذي يسبق الذكرياتِ،
وبالكلمات التي ليس تُنطَقُ
لكنها عربداتُ دم فرح بالصبا
ذاهل عن صباح غد ومساءِ غدِ
وليكن نمرا جائعا
سأصبُّ له قَدَحا من نبيذ
وأشعل من أجله موقدي
أو يكن فرسا جامحا
تتماوج أعرافه في السرابِ،
سأتبعُهُ في السرابِ
الى أن أعود به آخر الأمدِ
لا أُرَوّضُهُ
كيف أمسك بالبرقِ ؟
كيف أشد على جمرة الروح بالمسَدِ
بل أُراقِصُهُ طيلة الليلِ،
حتى يعودَ معي في الضُّحى مَرمَرا صاحياَّ
يتفجَّر حُريَّة في المكانِ،
ويرتَعُ جذلانَ في زمن سَرمدِ
كاشفا عن نقاءِ سَريرَتِهِ
يتعقَّبُ شَهوته ،
ويُلملمها من أماسيَّ ضائعة
وحدائقَ موحشة
ويُصوٍّرُ من عُريِه الداخليِّ رؤى
تتجلى مشاهدُها فوق أعضائِهِ
مشهدا يتفتَّحُ عن مشهدِ
في شُفوفِ من الظلِّ والنورِ
تنهلُّ من فوقه مطرا غسَقيّا
وترسمُ أنفاسه نبضات منمنمة
وهو يخلع من نسجِها الحي أو يرتدي
كلَّما مدَّ ساقا
أو انفلتَت منه تنهيدة ،
أو أقام يُكَشِّفُ عن جيدِه الناصعِ الأغيَدِ
ويمسِّدُ من شعره الفاحم الأسودِ
وقَفَ الوقتُ في لحظة
ثم عاود إيقاعَهُ من جديد
يظللُ تحت ربى غَضَّة
ويُشَعشِعُ فوق ذُرى نُهَّدِ
مثل ينبوع ماء ترقرق فوق حصى
فسجا مُعتِما في الظلالِ ،
وأشرقَ إشراقةَ الزَّبَدِ
قلتُ للجسدِ
وقد انطفأت في مدى الليلِ جذوَتُهُ
واستحال إلى فكرة تتماثَلُ في خَلَدي
عُد كما كنت يا سيُّدي
غيرَ أن الذي كان لم يَعُدِ
أعلى