د. عمرو حلمي - إخراج القيمة في زكاة الفطر سنة مأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين

يعتبر إخراج القيمة في زكاة الفطر سنة مأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين
والأدلة على ذلك كثيرة منها :
أولاً : قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَغْنُوهُمْ يَعْنِي الْمَسَاكِينَ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ».
والإغناء إنما يتحقق بالقيمة، كما يتحقق بالطعام، وربما كانت القيمة أفضل، إذ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها، والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس وسائر الحاجات.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة في بيئته وعصره، إنما أراد بذلك التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم. فقد كانت النقود من الدراهم والدنانير عزيزة عند العرب، وأكثر الناس لا يكاد يوجد عنده منها إلا القليل، أو لا يوجد عنده منها شيء. وكان الفقراء والمساكين في حاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب، أو الأقط. لهذا كان إخراج الطعام أيسر على المُعْطِي، وأنفع للآخذ، ولقصد التيسير أجاز لأصحاب الإبل والغنم أن يخرجوا «الأقط» وهو اللبن المجفف المنزوع زبده ,فكل إنسان يخرج من الميسور لديه. كما يعد سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن القيمة دليل على مشروعيتها, إذ لم يرد عنه تصريح بعدم جوازها, فدل هذا على مشروعيتها.
هذا ولقد اقتضت الحكمة النبوية أن تحدد مقادير الزكاة بالمعايير والمكاييل والموازين, مثل: الصاع, والأوقية, ولم تحدد بالنقود, مثل: الدراهم والدنانير. لأن القدرة الشرائية للنقود غير ثابتة على حال بعينه, وإنما تتغير من حال إلى آخر, ومن زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، فلو كان الواجب في إخراج الزكاة بالنقود وهي لا تنضبط, لكان قابلاً للارتفاع والانخفاض حسب القدرة الشرائية للنقود. فلهذا اقتضت الحكمة النبوية أن يكون الأصل في تحديد مقادير الزكاة بالمعايير مثل : الصاع, والأوقية, لأن المعايير والمكاييل والموازين ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال, والزمان, والمكان.
ثانياً : هناك جمع غفير من الصحابة قالوا بالقيمة, وعلى رأسهم أربعة من الخلفاء وهم: عثمان بن عفان, وعليِّ بن أبي طالب, ومعاوية بن أبي سفيان, وعبد الله بن الزبير.
ومن قال بالقيمة من الصحابة أيضاً : أبو هريرة, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عباس, وأمه أسماء بنت أبي بكر. والمعلوم أن أقوال الصحابة وأفعالهم سنة مأثورة متبعة.
فالذي يؤكد مشروعية القيمة فعل الصحابة, فقد أجازوا إخراج نصف الصاع من القمح؛ لأنهم رأوه معادلاً في القيمة للصاع من التمر أو الشعير، ولهذا قال معاوية:«إني لأرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من التمر».

قال ابن المنذر:«لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي يعتمد عليه, ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا اليسير منه, فلما كثر في زمن الصحابة رأواْ أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير. وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم». ثم أسند عن عثمان وعليّ وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة«أنهم رأواْ أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح».

وممكن قال بالقيمة من التابعين: الحسن البصري, والخليفة عمرو عبد العزيز.
وممكن قال بالقيمة كذلك من أئمة الحديث والفقه: أبو إسحاق السبيعي, وأبو بكر بن أبي شيبة,والبخاري, وسفيان الثوري. وهو المختار في مذهب أبي حنيفة, والأشهب وابن القاسم عند المالكية, وابن تيمية إذا تعذر إخراج الطعام.

ثالثاً : حديث معاذ بن جبل وعليه بوب البخاري, وفيه«أن معاذ أخذ من أهل اليمن الثياب, وقال هذا أنفع لأصحاب رسول الله». ثم ذكر ابن رشيد:«أن البخاري وافق الحنفية على كثرة مخالفته لهم, لكن قاده إلى ذلك الدليل». قال النووي: وهو الظاهر من مذهب البخاري في «صحيحه».

رابعاً : فِعْل عمر بن عبد العزيز عندما أرسل عامله, أن يأخذ منهم القيمة في زكاة الفطر. قال: «في صدقة الفطر نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم». وكان هذا الفعل منه وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, متوافرون فلم يعلم عن أحد الاعتراض سراً أو جهراً لأنهم النصحة الكملة الذين لا يخافون في الله لومة لائم, ولأن فعل عمر كان مشهوراً غير محصور إذ هو الخليفة وخير من يفهم النصوص.

خامساً : قول الحسن البصري:«لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر».
سادساً : فعل عطاء بن أبي رباح : «فكان يعطي في صدقة الفطر وَرِقًا - دراهم فضة»
سابعاً : قول أبي إسحاق السبيعي : « أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام ».
ثامناً : وممن رأى هذا الرأي الحافظ ابن أبي شيبة, حيث ترجم له في مصنفه بقوله:«باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر».
تاسعاً: قول ابن تيمية بجواز إخراجها مالاً إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
حيث قال: وأما إعطاء القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقاً؟ أو لا يجوز مطلقاً؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة أو للمصلحة الراجحة؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره, وهذا القول هو أعدل الأقوال- يعني الأخير.
وقال في موضع آخر: وأما إخراج القيمة للحاجة أو للمصلحة الراجحة أو العدل فلا بأس به.

فلقد ذهب ابن تيمية مذهبًا وسطًا بين الفريقين المتنازعين، قال فيه: «الأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة، ولا مصلحة راجحة، ممنوع منه، ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين، أوعشرين درهمًا ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه: متى جوز إخراج القيمة مطلقًا، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه.
وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل، فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة، إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه. وقد نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة.
ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع. فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أنها أنفع للفقراء، كما نُقِلَ عن معاذ بن جبل: أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني بخميس أو لبيس، أيسر عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وهذا قد قيل: إنه قاله في الزكاة وقيل في الجزية, وهذا وإن قاله في زكاة المال، فهو ينطبق على زكاة الفطر.
وقد أحسن ابن تيمية حين أجاز لمن باع ثمر بستانه بدراهم أن يخرج عشرة منها، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا، إذ قد ساوى الفقراء بنفسه، كما أجاز لمن لم يجد في مدينته من يبيعه شاة عن إبله، أن يخرج قيمتها ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى لشرائها، كما أن تكليف الناس بإخراج الحبوب في هذا الزمان، لم يعد بالأمر السهل والميسور, كما أن هناك فارق بين من يكون عنده الطعام، وبين من ليس عنده إلا النقود.
والزكاة إنما جعلت لإغناء الفقير عن الطواف في يوم العيد، والإغناء يتحقق بالقيمة، كما يتحقق بالطعام، وربما كانت القيمة أفضل، إذ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها، والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس وسائر الحاجات.

هذا وإذا أرادنا معرفة مقدار الصاع الذي جاءت به النصوص علمنا أنه يساوي 2,5كجم , وبمعرفة طعام البلد السائد وجدناه في مصر القمح , وبمعرفة سعر كجم القمح علمنا أنه يساوي 6جنيه مصري, وبناء على ذلك نصاب زكاة الفطر عبارة عن : (سعر كجم القمح 6جنيه مضروب في مقدار الصاع 2,5كجم) فإنه يساوي 15 جنيه مصري. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.


د/ عمرو حلمي - باحث دكتوراه الحديث وعلومه جامعة الأزهر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى