د. أمين الزاوي - حين كان العيد بالأبيض والأسود.. "كنا نحب الحلويات وصانعة الحلويات أيضاً"

في دشرتنا وفي القرى المجاورة، لم يكن الصوم مباهاة ولا رقابة شرطية، بل كان متعة روحية بطعم خاص (أ ب)


لم يكن لدينا فرن كهربائي ولا مطبخ متعدد الخدمات في البيت، كانت الأيام الثلاثة التي تسبق موعد عيد الفطر لا حديث فيها في الدشرة (لفظ جزائري يعني قرية أو قبيلة)، إلا عن حلويات العيد: "القاطو"، وهي حلويات بسيطة شعبية تُصنع مرةً واحدة في السنة في كل البيوت وبذات الشكل والتركيبة، حلويات بأسماء لا تزال تثير على لساننا حتى اليوم لذة عالية ودهشة: لْكْعَاْك، لَغْريبِيّة، كَعْب غْزَالْ، والبَانَانْ والنّجْمَة...
لم يكن لنا فرن لا خاص ولا عمومي في الدشرة، لذا كان علينا أن نشتري لوازم الحلويات "القاطو" من زيت وسكر ودقيق وخميرة وزبدة مع حبات بيض دجاجاتنا السخية، وإرسال ذلك إلى سيدة في القرية المركزية اسمها زينب. كانت امرأة سمينة تشبه جبلاً من لحم تتحرك بصعوبة، امرأة طيبة القلب، مبتسمة دائماً، وهي التي تتولّى صناعة الحلويات لكل أُسر الدشرة، حلويات بالشكل ذاته والمذاق ذاته. تقوم السيدة زينب بذلك من دون أن تقع في الخلط بين طبق حلويات هذه العائلة وتلك، كل عائلة ولها صحونها وصينياتها وأطباقها. كنتُ وأخي عبد الرحمن مَن يتولّيان توصيل معدات الحلويات إلى هذه السيدة، نضع الأغراض صباحاً، وكنت أستعجل متى أعود من المدرسة لأراقب حركات يديها وهي تعجن أو تطبع الحلويات بطابع خاص كي لا يضيع أو يختلط مع حلويات أخرى، تساعدها بعض الفتيات والسيدات من جيرانها. كنّ يقمن بذلك وهن صائمات بسعادة كبيرة ومتعة بادية، كنت أقف لألاحظ كيف تخرج تلك الأشكال المشهية لـ"القاطو" من بين يدي هذه المرأة الرابضة في مكانها والمحاطة بأوانٍ خزفية ومعدنية وقصاع ومغارف وقناني زيت وأكياس دقيق وسكر وأشياء أخرى. وأجمل ما في يوم الحلويات هذا، بعد تحضيرها عجيناً، هو توصيلها إلى الفرن، الفرّان كما نسمّيه، وكنت أنتظر هذه الساعة المدهشة بكثير من المتعة المشوبة بشعور غريب، لأنني سأتولّى معية أخي عبد الرحمن، حمل صينيات حلوياتنا إلى الفرن العمومي. كنت أقف في طابور حيث الجميع ينتظر دوره، نساءً ورجالاً وأطفالاً، والصينية بين اليدين أو فوق الرأس بكثير من الاحترام. يتم ذلك في النهار وبعد الإفطار أيضاً، وما زلت حتى اليوم أحمل في "ذاكرتي الشَّمِّيَّة" رائحة الحلويات المنبعثة من الفرن، والصينيات تدخل أو تخرج تباعاً، والجميع يعرف صينيته من دون أي خلل أو خطأ، لكل صينية علامة خاصة بها.

وأنا أسلّم صينية الحلويات لصاحب الفرن، أتذكر ما أوصتنا به أمي هذا الصباح: عليكم أن تنبّهوا صاحب الفرن أن يترك الحلويات تستوي جيداً من دون أن تحترق، كان قلبي يرتجف حين يأخذ مني صاحب الفرن الصينية ولا أستطيع أن أقول له ما أوصتني به أمي. يدفع بالصينية نحو فوهة الفرن، فيزداد خفقان قلبي، وعلى أحرّ من الفرن، انتظر موعد سحب الصينية منه! يترك الصحن كي يبرد قليلاً وأنا أراقبه من بعيد وأدقق النظر في القطع، قطعةً فقطعة للتأكد من أنها لم تحترق.
كنا نلتقط خبر يوم العيد عن طريق جهاز الراديو، راديو 8، الذي يشتغل ببطارية مربوطة بمطاط على ظهره، والذي لا يفارق أذنَي أبي، وبمجرد الإعلان عن العيد يتغيّر الجو كلّية. يتم جمع أواني رمضان من قدر وغرفيات الخاصة بالحريرة والمعالق لتوضَع في مكان خاص في انتظار رمضان المقبل. وفي المقابل، يتم إنزال صينية الشاي وكؤوس "حياتي" الخاصة بذلك التي لا تُستعمل إلا في هذه المناسبة وفي الأعراس أيضاً.

صبيحة العيد بالأسود والأبيض

أما صبيحة العيد، فلم تكن هناك آلة تصوير ولا هاتف نقال ذكي أو غير ذكي ولا "فيسبوك" ولا "تويتر" ولا "إنستغرام" ولا "إيميل" ولا "فايبر" ولا "واتساب"... ما كان يشدّني صباح العيد هو برنامج "تهاني العيد" أو "ما يطلبه المستمعون" الخاص بالعيد، كنت أشعر بسعادة غريبة وغير مفسّرة وأنا أسمع المذيع أو المذيعة تقرأ أسماء أناس لا أعرفهم يقدّمون التهاني لأسماء أخرى لا أعرفها، تهاني العيد...
باكراً، أول مَن يظهر في الباحة صبيحة يوم عيد الفطر هو عمي الحسين، رجل مبتسم دائماً، مليء بالحياة، ضحوك حتى القهقهة دائماً، طفل في عمر رجل، يظهر حاملاً في يده نبات "الحُرِّيقْ"، وهو نبات شوكي يثير حساسية الحك بمجرد ملامسته جسد الإنسان، وبكثير من "الدعابة الطفولية" يسأل عمي الحسين عن "الأطفال" الذين لم يصوموا كي يضع النبات على أذرعهم وظهورهم أو أعناقهم، وهو يضحك دائماً، يبحث عني، مقهقهاً يلاحقني، فتصرخ أمي أو واحدة من أخواتي بأنني صمت نصف نهار وهو كافٍ لخلاصي من نبات "الحرّيقة".

في دشرتنا، وفي القرى المجاورة، لم يكن الصوم مباهاة ولا رقابة شرطية، بل كان متعة روحية بطعم خاص، حتى إن بعض الشباب الذين بلغوا سن الصوم لم يكونوا يصومون وهم معروفون لدى العامة، ولم يكن موقفهم هذا ليثير أي غضب أو إقصاء، وأذكر حتى الآن أسماء بعضهم: صالح.غ والحبيب.ظ ونور الدين. و، وغيرهم. كانت الحرية الفردية محترمة والدين ثقافة تسامح كبيرة بين الجميع من دون فتاوى ولا تكفير ولا تهديد ولا نفاق.
حوالى الساعة العاشرة، تظهر عمتي ميمونة في ساحة الدشرة، آتية من قريتها بوزواغين لتقديم التهاني أولاً لأبي، كبير أبناء أسرة سيدي سليمان وحافظ القرآن، ثم تسرع إليّ في تحدٍّ صارخ بأنها لا تزال قادرة على حملي على ظهرها من طرف الساحة إلى الطرف الآخر ثلاث مرات متواصلة. تقوم بذلك وهي المرأة صغيرة الحجم طويلة اللسان بإرادة عالية وبكثير من السخرية والفرح. وظلت محافظة على عادة إركابي ظهرها وحملي في الساحة حتى وأنا متزوج وأب لبنت وطفلين...
هو العيد إذاً، تدخل هذا البيت أو ذاك كي تُعيِّد على هذا أو تلك، فتجد المائدة ببرّاد الشاي وصحون الحلويات ذاتها في كل بيت وعلى كل مائدة.
الحقيقة، كما أتذكر، لم تكن الألبسة الجديدة ذات أهمية كبيرة عندنا، وعلى الأقل بالنسبة لي، وكان الأولياء يشترون لنا ما بإمكانهم ولم تكن تلك قضية مرهقة ولا ضرورية كما هو أمر تحضير الحلويات التي لا يمكن التنازل عنها.
لكن ما أذكره أيضاً هو الحصول على قطعة نقدية من فئة "زوج دورو" (10 سنتات) والذهاب لمشاهدة فيلم سينمائي، لم تكن تلك عادة ثابتة ولا متداولة بشكل كبير، لكنها حين تحصل، فقد كان لذلك متعة لا تضاهيها متعة أخرى، وقد شاهدت أول فيلم في حياتي في "سينما العيد". دخلت القاعة فشعرت برهبة كبيرة، وبمجرد أن بدأ الشريط حتى بدأ معه الصراخ من الأطفال والنساء والكبار والصغار. كانت أجمل الأفلام التي تثيرني هي أفلام الكاوبوي الأميركية، كنت أحب الإشهار الذي يبدأ به الفيلم أكثر من الفيلم نفسه، إشهار عن سجائر "ونستون" Winston، مع أنني لم أدخن في حياتي، كان الحصان والفارس يثيرانني أكثر من السجائر نفسها.
وفي المساء بعد العودة من السينما، تتحوّل جلستنا العائلية إلى فرصة لإعادة حكاية الفيلم جماعياً والاختلاف حول بعض التفاصيل بيننا وكأننا شاهدنا فيلمَين مختلفَين.

كان العيد بالأبيض والأسود عيداً بكل الألوان، ألوان القلب، أما الآن والعيد مدجّجاً بالحلويات التي لا طعم لها سوى طعم السكري وبوسائط التواصل الاجتماعي التي أتت على كل العواطف الصادقة وغيّرت سيكولوجية الفرد والجماعة وقضت على مفهوم الضيافة وبهاء المفاجأة.
وعيدكم مبارك سعيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى