يقع مسكنه على جانب الطريق الرئيسى الذى يربط ذلك البندر بالريف التابع له، وإلى جوار المسكن تقع حظيرة دواجن يفتح بابها على ذات الطريق.
فى ليلة من ليالى الربيع ذات النسمات الهامسة المعطَّرة بعبق أزاهير الحدائق المجاورة، وبينما كان صاحب المسكن يستمتع بعبير تلك النسمات أثناء تواجده فى شرفة غرفته الكائنة بالطابق الثانى من منزله المطل على هذا الطريق، راحـت الديـوك تتصايـح فى الحظـيرة إيذانا بقدوم فجر يوم جديد.
لم يقطع عليه استرساله فيما كان يتدبر، غير وَقْع أرجل دابة تجر عربة كارو على هذا الطريق المرصوف، وأمْرٌ قد وقع أثناء سيرها.
توقفت العربة على حين فجأة، نزل سائقها وسار بضع خطوات فى اتجاه الحظيرة، تردد فى السير وعاد فجلس فوق العربة، تلفت من حوله وتوجه ثانية إلى الحظيرة، راح يعبث فى بابها محاولا فتحه حتى استجاب له الباب، دلف إلى داخلها.
وما أن شاهد الرجل ما كان من أمر هذا العربجى حتى هُرع إليه وتمكن من ضبطه وقد خرج من الحظيرة وفى يده دجاجة، دجاجة واحدة.
يُساق العربجى إلى ساحة الإتهام، شاب فى منتصف العقد الثانى من العمر تقريبا، ضعيف البنية، تكشف ملابسه من جسده أكثر مما تستر، وتبدو علامات الفقر والشقاء على جميع ملامحه.
كنتُ ما زلتُ فى مكتبى بعد أن امتد بى التحقيق فى إحدى الجنايات إلى ما بعد الفجر بنحو ساعة، وما أن أوشكتُ على الانتهاء من هذا التحقيق، حتى تناهى إلى سمعى وقْع أقدام فى طريقها إلى المكتب، التفتُ أنا وسكرتير التحقيق كل إلى الآخر فى توجس وقلق، فإن وقْع هذه الأقدام فى مثل هذا الوقت ، يعنى أنَّ جناية أخرى أو بلوى قد وقعت، وأن أمرها لا يحتمل عرض الأوراق أو الإخطار عنها فى الصباح.
وقبل أن نُرهق أنفسنا فى دلالة هذا الصوت أو نتاوله بالتحليل، فاجأنا عسكرى من عساكر القسم بدخول المكتب وفى يده اليمنى أوراق مطوية، وفى اليسرى دجاجة حية، ودق الأرض بقدمة وقال بنبرة عسكرية:
- محضر سرقة يا افندى !
ضحكنا لهذا المنظر الكاريكاتورى، وتناولتُ منه المحضر لأطالعه، فإذا به ينطوى على تلك الواقعة، وقد عَرض معه القسم جميع أطرافه، المجنى عليه والمتهم والفرخة !
تعجبتُ لقيام القسم بعرض مثل هذا المحضر علينا فى مثل هذا الوقت، فقد دَرج العمل على ألا يُعرض على النيابة فى الأوقات المتأخرة من الليل سوى المحاضر الهامة أو الإخطار بالجنايات، ولكن سكرتير التحقيق بدد هذا التعجب حين قال ، يبدو أن الضابط النوبتجى حديث عهد بالعمل، لكنى أردتُ استطلاع الأمر بنفسى فسارعتُ إلى الإتصال بالقسم، ويبدو أن الضابط قد استشعر الأمر فما أن رفع سماعة التليفون حتى بادر بالاعتذار، وأبدى وجهة نظره وهى من غير شك جديرة بالاحترام، قال إنه لَمَّا وجد المتهم قد اعترف بسرقة "الفرخة" فقد رأى أن يَعرض الأوراق فى هذا الوقت المتأخر من الليل فورا حفاظا على الدليل، وخشية أن يتصل أحد بالمتهم ويُلفت نظره إلى الإنكار، وأيا ما كان الأمر فإنه العمل المنوط بنا ولا بد من أدائه بكل الرضا متى وُجد.
وما أنْ فرغتُ مما كان بيدى؛ حتى بدأتُ على الفور فى تحقيق المحضر الجديد، واجهْتُ الشاب بالتهمة المنسوبة إليه وتوقعتُ كعادة معظم المتهمين أنْ يُنكرها، فما يلبث المتهم أنْ تطأ قدمه سراى النيابة حتى يَعتصم بإنكار كل ما كان قد اعترف به أمام الشرطة، حتى وإنْ كان ما اعترف به وليد إرادة حرة غير مشُوبة بأى إكراه، لا سيما إذا ما تقابل قبل بدء التحقيق مع غيره من بعض ذوى الخبرة الإجرامية إذ سرعان ما يُسدون إليه النصح بوجوب الإنكار والتشكيك فى محاضر وإجراءات الشرطة، وإفهامه أنَّ العبرة بما تجريه النيابة العامة والمحكمة من تحقيقات، لا بما يتم إثباته فى تلك المحاضر؛ وإنْ أقرَّ فيها بارتكاب الواقعة إلا إذا اطمأنت إليها المحكمة.
وأثار هذا الاعتراف فضولى، ساورتنى نفسى فى هدأة الليل هذه، أن أخرج قليلا عن القالب النمطى للتحقيقات، والذى اعتدنا أنْ نصبها فيه، من حيث قيام أركان الجريمة، وبحث مختلف ظروفها، سواء المشدِّدة للعقاب، أو المخففة له، أو المعفية منه إلى آخره، دون أن نبحث فى دوافع الجريمة، أو الظروف النفسية أو الاجتماعية لشخص مرتكبها فسألتُ المتهم :
- ولماذا تسرق ؟!
أطرق الشاب للحظات، ثم رفع عينيه فإذا بهما اغرورقتا بالدموع، بيد أنه هرب بناظريه من مواجهتى وهمَّ أن يتكلم ولكنه أحجم، ثم استجمع شتات نفسه وقال بصوت خفيض حزين :
- عيالى لم تأكل اللحم من شهرين ، أنا مظلوم.
وتساقطت من عينيه العَبرات ثم انفجر باكيا، وكان بكاؤه بكاء مُراً مكتوما، راح يُقَطع أوصال القسوة التى تنتظره ويفرضها - لا محالة - نص أصم على محقق قد أصبح بين متهم مُعترف ومجنى عليه شاهد رؤية ومسروقات قد ضُبطت !
انخرط الشاب فى البكاء وكأنه قد وجد فيه راحةً لضميرة من كل هموم الدنيا، أو كأنما أراد أن يغسل به نفسه ويطهرها، لم أشأ أن أقطع عليه بكاءه، فانتظرتُ صامتا حتى يَفرغ منه.
وهنا وضع سكرتير التحقيق قلمه، وأسلم ظهره إلى مؤخرة المقعد، وبدت علامات الأسى على وجهه، بينما لملم الشاب أشلاء نفسه واستكمل حديثه الباكى فقال :
- لست لصا ولا عاطلا، بل أملك عربة كارو وحمارا يجرها وأجوب بها الشوارع والميادين بحثا عن الرزق، ولكن يبدو أنَّ الناس لم تَعُد تجد ما تحمله، فعملت لدى تاجر للأدوات المنزلية المصنوعة من البلاستيك، أتسلم منه البضاعة بموجب شيك على بياض، وأدور بها فى القرى والعِزب فأبيعها ويأخذ هو الثمن، أما أنا فيكون لى أجرى فقط عن هذه العملية وقدره أربعة جنيهات فى اليوم، هذه الجنيهات الأربعة، من المفروض أن تكفينى أنا والحمار وزوجتى وطفلان، فأشترى منها كيلو فول يوميا للحمار بجنيه ونصف ، فيبقى منها جنيهان ونصف، وهذا الذى يبقى يكفينى أنا والعيال خبزا وأى شىء آخر غير اللحم.
وعندما كنتُ عائدا اليوم من البندر بعد الفجر سمِعتُ صياح "الفراخ" فى الحظيرة، وكانت زوجتى قد طلبت منى منذ يومين تدبير ثمن فرخة، لأن "العيال" لم تأكل لحما منذ شهرين، فغلبنى شيطانى وقلتُ لنفسى ماذا يجرى لو أننى دخلتُ الحظيرة وأخذتُ منها فرخة واحدة واحدة فقط ليأكلها "عيالى" ولكن صاحب الحظيرة مسكنى، أنا لم أدخل لأسرق واسألوه عن ذلك، فلم يجد معى إلا هذه الفرخة فقط، ولو قصدتُ السرقة لأعددتُ لها فأنا أمشى فى هذا الطريق يوميا، أو كنتُ قد ملأت حِجْرى - على الأقل - من الفراخ ولكنى أخذت ُواحدة، واحدة فقط.
وبعد أنْ أدلى المتهم بتفاصيل هذا الإعتراف والظروف النفسية والاجتماعية التى دفعته إلى ارتكاب جُرمه، وجدتُ نفسى وقد تبخرت الأسئلة من ذهنى، أية أسئلة أخرى يُمكن أنْ أوجهها إليه؟
شردتُ أتخيل أحواله فأطبق على المكان صمت رهيب حتى إنِّ سكرتير التحيق انتبه فى جلسته من هول هذا الصمت، ونظر ناحيتى ففطنتُ إلى طول هذا الشرود فعدتُ لأسأله من جديد :
- وهل من لم يجد يسرق، وينتهك حرمة ملكية الناس وحرمة مساكنهم.
قال الشاب وقد نالت من صوته الذِّلة والمسكنة عن ذى قبل:
- وماذا أفعل ؟
كررها متسائلا وكأن لسان حاله يطلب مِنى أن أجيب بعد أنْ قصَّ علىَّ قصته التى أحسستُ بصدقها.
رحتُ أتساءل، نعم، إنه ليس بعاطل، ويتكسب فعلا من عمله، ولكن على حدِّ قوله ماذا يفعل، ولم أجد له حتى فى خاطرى أى إجابة، بل وجدتُ أنه من الأفضل أن أنهى التحقيق عند هذا الحد دون مناقشات فرعية قد أعجز عن إيجاد إجابات أو تحليل أو تعليل لها، لا سيما وأنى كنتُ قد استوفيتُ أركان الجريمة من الناحيتين القانونية والحرفية.
عُدت إلى سكرتير التحقيق، فإذا بعينيه قد لمعَت فيهما الدموع وشَرد قليلا، فأومأتُ له، فاستلَّ قلمه واستعد لكتابة القرارات، فأمليته تلك العبارة الشهيرة التى نختتم بها التحقيقات "وأقفل المحضر عقب إثبات ما تقدم وقررنا الآتى" ثم توقفتُ عن الكلام، وكان هو لم يزل ينظر فى الأوراق على هيئة من يوالى الكتابة وهو يحرك حدُّ قلمه فى الهواء قرب سطح الورق، ولمَّا لَم يجد نفسه يستمع إلى القرار الذى يتعين أن يلى تلك العبارة فورا وأصبح لصيقا بها حتى صار كأنه يمثل شطرا آخر لها، رفعَ وجهه من الأوراق ونظر نحوى فوجدنى شاردا، وربما يكون قد استشعر ما يعتمل فى نفسى من صِراع فاستأذن بحجة ذهابه إلى دورة المياه.
حِرتُ مع نفسى، فارتكاب هذه الجريمةَ وتوافر مثل هذا القدر من الثبوت فيها، يتطلب فى مرحلة التحقيق حبس المتهم احتياطيا، وقد درج العمل على ذلك عند كثير من المحققين، حتى باتت كلمة "سرقة" تساوى عندهم حبسا احتياطيا، بغض النظر عن باقى ملابسات الواقعة أو ماهية المسروقات، أو ظروف المتهم، وأصبح أمر إخلاء سبيل المتهم بأى ضمان فى جريمة سرقة نشاذا أو محل استغراب.
وكنتُ أعجبُ لذلك، لا سيما وأن التعليمات العامة للنيابات المنظمة لأعمال النيابة العامة، تدعو أعضاء النيابة إلى مراعاة ظروف ما يُعرض عليهم من القضايا وإمعان النظر فى تقدير مدى لزوم حبس المتهمين احتياطيا، كما تدعوهم إلى مراعاة ظروف المتهم الاجتماعية والارتباطات العائلية والمالية وخطورة الجريمة، وتركَتْ الأمر فى ذلك لفطنتهم وحُسن تقديرهم، إذن فالأمر يقتضى المواءمة وحُسن تقدير الأمور، لا السير على ما درج عليه البعض فى العمل على إطلاقه.
جال هذا الأمر بخاطرى، ووجدتُ أنَّ واقعة هذا المتهم وتلك كانت حكايته، هى الصورة المُثلى لإعمال ما تدعونا إليه التعليمات، وما أنْ اطمأن وجدانى إلى ذلك حتى كان السكرتير قد عاد الى غرفة التحقيق وأخذ مكانه على يسارى، فنظرتُ إليه فأمسك بالقلم، وأمليته القرار "يُخلى سبيل المتهم بعد التأكد من محل إقامته ما لم يكن مطلوبا لسبب آخر".
ذهب المتهم إلى حال سبيله فى انتظار الإعلان بالجلسة التى ستُحدَّد لمحاكمته، بينما عُدتُ أنا إلى فِراشى محاولاً النوم بعد عناء نحو أربع وعشرين ساعة متصلة من العمل، بيد أن صوت ذلك البكاء وصورة تلك العبرات وتساؤلات المتهم التى لم أستطع الإجابة عليها، راحت تُجلجل فى أوصالى، وتهز عاطفتى وكل كيانى، وانتصَبَت أمام عينى صورته وهو ينتحب، وعادت كلماته تطن فى أذنى وفى أعماقى "أنا مظلوم" "عيالى لم تأكل اللحم منذ شهرين" "ماذا أفعل".
رحتُ أتأمل أقواله هذه من جديد، حاولتُ التفكير فيها بعمق، ما الذى كان يجول بداخله وهو يقول هذه العبارات، أو هذا الدفاع؟ وما مفهوم الظلم عنده؟ هل يقصد أنه كان مضطرا حين سرق وبالتالى فهو مظلوم؟ أم أنَّ عدم تناول أولاده اللحم منذ شهرين يُعد ظُلما فى حدِّ ذاته؟ أم كان يقصد أنَّ صاحب الدجاجة قد ظلمه إذ اعتبره سارقا وهو لم يدخل الحظيرة إلا ليأخذ فرخة واحدة تأكلها عياله على حد قوله.
حِرتُ فى الوصول إلى إجابة قاطعة، وأيا ما كانت نظرته لمفهوم الظلم ووجهة نظره فيه، أيعتبر مظلوما فعلا وإنْ كان يمكن اعتباره كذلك، فمن الذى ظلمه، هل هو مجتمعه، هل هو صاحب الدجاجة حين أصرَّ على أن يتخذ القانون مجراه، ولم يسامحه فى الفرخة رغم استماعه لوجيعته أم أنه الذى ظلم نفسه بفعلته هذه.
طال قلقى وأجهدتُ ذهنى، وفى النهاية لم أجد فى نفسى لهذه التساؤلات أى إجابة، تُرى مًن الظالم ؟!
فى أبريل 1988.
المستشار بهاء المري
*من مجموعة يوميات "وكيل نيابة"
www.facebook.com
فى ليلة من ليالى الربيع ذات النسمات الهامسة المعطَّرة بعبق أزاهير الحدائق المجاورة، وبينما كان صاحب المسكن يستمتع بعبير تلك النسمات أثناء تواجده فى شرفة غرفته الكائنة بالطابق الثانى من منزله المطل على هذا الطريق، راحـت الديـوك تتصايـح فى الحظـيرة إيذانا بقدوم فجر يوم جديد.
لم يقطع عليه استرساله فيما كان يتدبر، غير وَقْع أرجل دابة تجر عربة كارو على هذا الطريق المرصوف، وأمْرٌ قد وقع أثناء سيرها.
توقفت العربة على حين فجأة، نزل سائقها وسار بضع خطوات فى اتجاه الحظيرة، تردد فى السير وعاد فجلس فوق العربة، تلفت من حوله وتوجه ثانية إلى الحظيرة، راح يعبث فى بابها محاولا فتحه حتى استجاب له الباب، دلف إلى داخلها.
وما أن شاهد الرجل ما كان من أمر هذا العربجى حتى هُرع إليه وتمكن من ضبطه وقد خرج من الحظيرة وفى يده دجاجة، دجاجة واحدة.
يُساق العربجى إلى ساحة الإتهام، شاب فى منتصف العقد الثانى من العمر تقريبا، ضعيف البنية، تكشف ملابسه من جسده أكثر مما تستر، وتبدو علامات الفقر والشقاء على جميع ملامحه.
كنتُ ما زلتُ فى مكتبى بعد أن امتد بى التحقيق فى إحدى الجنايات إلى ما بعد الفجر بنحو ساعة، وما أن أوشكتُ على الانتهاء من هذا التحقيق، حتى تناهى إلى سمعى وقْع أقدام فى طريقها إلى المكتب، التفتُ أنا وسكرتير التحقيق كل إلى الآخر فى توجس وقلق، فإن وقْع هذه الأقدام فى مثل هذا الوقت ، يعنى أنَّ جناية أخرى أو بلوى قد وقعت، وأن أمرها لا يحتمل عرض الأوراق أو الإخطار عنها فى الصباح.
وقبل أن نُرهق أنفسنا فى دلالة هذا الصوت أو نتاوله بالتحليل، فاجأنا عسكرى من عساكر القسم بدخول المكتب وفى يده اليمنى أوراق مطوية، وفى اليسرى دجاجة حية، ودق الأرض بقدمة وقال بنبرة عسكرية:
- محضر سرقة يا افندى !
ضحكنا لهذا المنظر الكاريكاتورى، وتناولتُ منه المحضر لأطالعه، فإذا به ينطوى على تلك الواقعة، وقد عَرض معه القسم جميع أطرافه، المجنى عليه والمتهم والفرخة !
تعجبتُ لقيام القسم بعرض مثل هذا المحضر علينا فى مثل هذا الوقت، فقد دَرج العمل على ألا يُعرض على النيابة فى الأوقات المتأخرة من الليل سوى المحاضر الهامة أو الإخطار بالجنايات، ولكن سكرتير التحقيق بدد هذا التعجب حين قال ، يبدو أن الضابط النوبتجى حديث عهد بالعمل، لكنى أردتُ استطلاع الأمر بنفسى فسارعتُ إلى الإتصال بالقسم، ويبدو أن الضابط قد استشعر الأمر فما أن رفع سماعة التليفون حتى بادر بالاعتذار، وأبدى وجهة نظره وهى من غير شك جديرة بالاحترام، قال إنه لَمَّا وجد المتهم قد اعترف بسرقة "الفرخة" فقد رأى أن يَعرض الأوراق فى هذا الوقت المتأخر من الليل فورا حفاظا على الدليل، وخشية أن يتصل أحد بالمتهم ويُلفت نظره إلى الإنكار، وأيا ما كان الأمر فإنه العمل المنوط بنا ولا بد من أدائه بكل الرضا متى وُجد.
وما أنْ فرغتُ مما كان بيدى؛ حتى بدأتُ على الفور فى تحقيق المحضر الجديد، واجهْتُ الشاب بالتهمة المنسوبة إليه وتوقعتُ كعادة معظم المتهمين أنْ يُنكرها، فما يلبث المتهم أنْ تطأ قدمه سراى النيابة حتى يَعتصم بإنكار كل ما كان قد اعترف به أمام الشرطة، حتى وإنْ كان ما اعترف به وليد إرادة حرة غير مشُوبة بأى إكراه، لا سيما إذا ما تقابل قبل بدء التحقيق مع غيره من بعض ذوى الخبرة الإجرامية إذ سرعان ما يُسدون إليه النصح بوجوب الإنكار والتشكيك فى محاضر وإجراءات الشرطة، وإفهامه أنَّ العبرة بما تجريه النيابة العامة والمحكمة من تحقيقات، لا بما يتم إثباته فى تلك المحاضر؛ وإنْ أقرَّ فيها بارتكاب الواقعة إلا إذا اطمأنت إليها المحكمة.
وأثار هذا الاعتراف فضولى، ساورتنى نفسى فى هدأة الليل هذه، أن أخرج قليلا عن القالب النمطى للتحقيقات، والذى اعتدنا أنْ نصبها فيه، من حيث قيام أركان الجريمة، وبحث مختلف ظروفها، سواء المشدِّدة للعقاب، أو المخففة له، أو المعفية منه إلى آخره، دون أن نبحث فى دوافع الجريمة، أو الظروف النفسية أو الاجتماعية لشخص مرتكبها فسألتُ المتهم :
- ولماذا تسرق ؟!
أطرق الشاب للحظات، ثم رفع عينيه فإذا بهما اغرورقتا بالدموع، بيد أنه هرب بناظريه من مواجهتى وهمَّ أن يتكلم ولكنه أحجم، ثم استجمع شتات نفسه وقال بصوت خفيض حزين :
- عيالى لم تأكل اللحم من شهرين ، أنا مظلوم.
وتساقطت من عينيه العَبرات ثم انفجر باكيا، وكان بكاؤه بكاء مُراً مكتوما، راح يُقَطع أوصال القسوة التى تنتظره ويفرضها - لا محالة - نص أصم على محقق قد أصبح بين متهم مُعترف ومجنى عليه شاهد رؤية ومسروقات قد ضُبطت !
انخرط الشاب فى البكاء وكأنه قد وجد فيه راحةً لضميرة من كل هموم الدنيا، أو كأنما أراد أن يغسل به نفسه ويطهرها، لم أشأ أن أقطع عليه بكاءه، فانتظرتُ صامتا حتى يَفرغ منه.
وهنا وضع سكرتير التحقيق قلمه، وأسلم ظهره إلى مؤخرة المقعد، وبدت علامات الأسى على وجهه، بينما لملم الشاب أشلاء نفسه واستكمل حديثه الباكى فقال :
- لست لصا ولا عاطلا، بل أملك عربة كارو وحمارا يجرها وأجوب بها الشوارع والميادين بحثا عن الرزق، ولكن يبدو أنَّ الناس لم تَعُد تجد ما تحمله، فعملت لدى تاجر للأدوات المنزلية المصنوعة من البلاستيك، أتسلم منه البضاعة بموجب شيك على بياض، وأدور بها فى القرى والعِزب فأبيعها ويأخذ هو الثمن، أما أنا فيكون لى أجرى فقط عن هذه العملية وقدره أربعة جنيهات فى اليوم، هذه الجنيهات الأربعة، من المفروض أن تكفينى أنا والحمار وزوجتى وطفلان، فأشترى منها كيلو فول يوميا للحمار بجنيه ونصف ، فيبقى منها جنيهان ونصف، وهذا الذى يبقى يكفينى أنا والعيال خبزا وأى شىء آخر غير اللحم.
وعندما كنتُ عائدا اليوم من البندر بعد الفجر سمِعتُ صياح "الفراخ" فى الحظيرة، وكانت زوجتى قد طلبت منى منذ يومين تدبير ثمن فرخة، لأن "العيال" لم تأكل لحما منذ شهرين، فغلبنى شيطانى وقلتُ لنفسى ماذا يجرى لو أننى دخلتُ الحظيرة وأخذتُ منها فرخة واحدة واحدة فقط ليأكلها "عيالى" ولكن صاحب الحظيرة مسكنى، أنا لم أدخل لأسرق واسألوه عن ذلك، فلم يجد معى إلا هذه الفرخة فقط، ولو قصدتُ السرقة لأعددتُ لها فأنا أمشى فى هذا الطريق يوميا، أو كنتُ قد ملأت حِجْرى - على الأقل - من الفراخ ولكنى أخذت ُواحدة، واحدة فقط.
وبعد أنْ أدلى المتهم بتفاصيل هذا الإعتراف والظروف النفسية والاجتماعية التى دفعته إلى ارتكاب جُرمه، وجدتُ نفسى وقد تبخرت الأسئلة من ذهنى، أية أسئلة أخرى يُمكن أنْ أوجهها إليه؟
شردتُ أتخيل أحواله فأطبق على المكان صمت رهيب حتى إنِّ سكرتير التحيق انتبه فى جلسته من هول هذا الصمت، ونظر ناحيتى ففطنتُ إلى طول هذا الشرود فعدتُ لأسأله من جديد :
- وهل من لم يجد يسرق، وينتهك حرمة ملكية الناس وحرمة مساكنهم.
قال الشاب وقد نالت من صوته الذِّلة والمسكنة عن ذى قبل:
- وماذا أفعل ؟
كررها متسائلا وكأن لسان حاله يطلب مِنى أن أجيب بعد أنْ قصَّ علىَّ قصته التى أحسستُ بصدقها.
رحتُ أتساءل، نعم، إنه ليس بعاطل، ويتكسب فعلا من عمله، ولكن على حدِّ قوله ماذا يفعل، ولم أجد له حتى فى خاطرى أى إجابة، بل وجدتُ أنه من الأفضل أن أنهى التحقيق عند هذا الحد دون مناقشات فرعية قد أعجز عن إيجاد إجابات أو تحليل أو تعليل لها، لا سيما وأنى كنتُ قد استوفيتُ أركان الجريمة من الناحيتين القانونية والحرفية.
عُدت إلى سكرتير التحقيق، فإذا بعينيه قد لمعَت فيهما الدموع وشَرد قليلا، فأومأتُ له، فاستلَّ قلمه واستعد لكتابة القرارات، فأمليته تلك العبارة الشهيرة التى نختتم بها التحقيقات "وأقفل المحضر عقب إثبات ما تقدم وقررنا الآتى" ثم توقفتُ عن الكلام، وكان هو لم يزل ينظر فى الأوراق على هيئة من يوالى الكتابة وهو يحرك حدُّ قلمه فى الهواء قرب سطح الورق، ولمَّا لَم يجد نفسه يستمع إلى القرار الذى يتعين أن يلى تلك العبارة فورا وأصبح لصيقا بها حتى صار كأنه يمثل شطرا آخر لها، رفعَ وجهه من الأوراق ونظر نحوى فوجدنى شاردا، وربما يكون قد استشعر ما يعتمل فى نفسى من صِراع فاستأذن بحجة ذهابه إلى دورة المياه.
حِرتُ مع نفسى، فارتكاب هذه الجريمةَ وتوافر مثل هذا القدر من الثبوت فيها، يتطلب فى مرحلة التحقيق حبس المتهم احتياطيا، وقد درج العمل على ذلك عند كثير من المحققين، حتى باتت كلمة "سرقة" تساوى عندهم حبسا احتياطيا، بغض النظر عن باقى ملابسات الواقعة أو ماهية المسروقات، أو ظروف المتهم، وأصبح أمر إخلاء سبيل المتهم بأى ضمان فى جريمة سرقة نشاذا أو محل استغراب.
وكنتُ أعجبُ لذلك، لا سيما وأن التعليمات العامة للنيابات المنظمة لأعمال النيابة العامة، تدعو أعضاء النيابة إلى مراعاة ظروف ما يُعرض عليهم من القضايا وإمعان النظر فى تقدير مدى لزوم حبس المتهمين احتياطيا، كما تدعوهم إلى مراعاة ظروف المتهم الاجتماعية والارتباطات العائلية والمالية وخطورة الجريمة، وتركَتْ الأمر فى ذلك لفطنتهم وحُسن تقديرهم، إذن فالأمر يقتضى المواءمة وحُسن تقدير الأمور، لا السير على ما درج عليه البعض فى العمل على إطلاقه.
جال هذا الأمر بخاطرى، ووجدتُ أنَّ واقعة هذا المتهم وتلك كانت حكايته، هى الصورة المُثلى لإعمال ما تدعونا إليه التعليمات، وما أنْ اطمأن وجدانى إلى ذلك حتى كان السكرتير قد عاد الى غرفة التحقيق وأخذ مكانه على يسارى، فنظرتُ إليه فأمسك بالقلم، وأمليته القرار "يُخلى سبيل المتهم بعد التأكد من محل إقامته ما لم يكن مطلوبا لسبب آخر".
ذهب المتهم إلى حال سبيله فى انتظار الإعلان بالجلسة التى ستُحدَّد لمحاكمته، بينما عُدتُ أنا إلى فِراشى محاولاً النوم بعد عناء نحو أربع وعشرين ساعة متصلة من العمل، بيد أن صوت ذلك البكاء وصورة تلك العبرات وتساؤلات المتهم التى لم أستطع الإجابة عليها، راحت تُجلجل فى أوصالى، وتهز عاطفتى وكل كيانى، وانتصَبَت أمام عينى صورته وهو ينتحب، وعادت كلماته تطن فى أذنى وفى أعماقى "أنا مظلوم" "عيالى لم تأكل اللحم منذ شهرين" "ماذا أفعل".
رحتُ أتأمل أقواله هذه من جديد، حاولتُ التفكير فيها بعمق، ما الذى كان يجول بداخله وهو يقول هذه العبارات، أو هذا الدفاع؟ وما مفهوم الظلم عنده؟ هل يقصد أنه كان مضطرا حين سرق وبالتالى فهو مظلوم؟ أم أنَّ عدم تناول أولاده اللحم منذ شهرين يُعد ظُلما فى حدِّ ذاته؟ أم كان يقصد أنَّ صاحب الدجاجة قد ظلمه إذ اعتبره سارقا وهو لم يدخل الحظيرة إلا ليأخذ فرخة واحدة تأكلها عياله على حد قوله.
حِرتُ فى الوصول إلى إجابة قاطعة، وأيا ما كانت نظرته لمفهوم الظلم ووجهة نظره فيه، أيعتبر مظلوما فعلا وإنْ كان يمكن اعتباره كذلك، فمن الذى ظلمه، هل هو مجتمعه، هل هو صاحب الدجاجة حين أصرَّ على أن يتخذ القانون مجراه، ولم يسامحه فى الفرخة رغم استماعه لوجيعته أم أنه الذى ظلم نفسه بفعلته هذه.
طال قلقى وأجهدتُ ذهنى، وفى النهاية لم أجد فى نفسى لهذه التساؤلات أى إجابة، تُرى مًن الظالم ؟!
فى أبريل 1988.
المستشار بهاء المري
*من مجموعة يوميات "وكيل نيابة"
بهاء المري
بهاء المري is on Facebook. Join Facebook to connect with بهاء المري and others you may know. Facebook gives people the power to share and makes the world more open and connected.