أمين الزاوي - مريم بانْ.. صوت كاتبة يهودية جزائرية:

الصراع في فلسطين ليس صراعاً دينياً، وعلى الرغم من دراماتيكيته لا يمكنه أن يخفي حقيقة التعايش التاريخي والاجتماعي الذي عرفته بلداننا بين المسلمين واليهود والمسيحيين واللادينيين عبر التاريخ.
هناك مثقفون وكتاب وفلاسفة يهود يشهدون على هذا التعايش في سلام، في الجزائر أو الرباط أو تونس أو بغداد أو القاهرة من خلال مسيراتهم النضالية والإبداعية، وتشهد عليه أيضاً كتاباتهم، ومن أمثال هؤلاء: مريم بان وجاك دريدا وجان دانييل وروجي حنين وغيرهم من الجزائر، وإدموند عمران المليح وإبراهيم السرفاتي من المغرب وألبير ميمي وجيزيل حليمي من تونس... والقائمة طويلة، لكنني أردت، وفي مثل هذه الظروف الصعبة، أن أتحدث عن شخصية متميزة ومجاهدة في ثورة التحرير الجزائرية الكاتبة مريم بان.
أسماء كثيرة من يهود الجزائر الذين ولد أجدادهم هنا على هذه الأرض كما ولد أجداد المسلمين وأجداد المسيحيين، جميعهم يشكلون ذاكرة الأرض ويملأون التاريخ في لحظات سموّه، وفي لحظات انكساره أيضاً عبر القرون. لقد تعايشوا في مرات كثيرة وتخاصموا في مرات أخرى وتلك سنة التاريخ في أسرار صناعته، فالتاريخ لا يصنع إلا من هذه الصراعات وهذا التعايش وهذا التنافس، ليكبر الوطن ويصير لا يشبه سوى تربته وناسه بلغاتهم ودياناتهم وثقافاتهم وأحلامهم وعبقرياتهم.
لقد أعطت الجزائر كتاباً يهوداً كثراً، تميزوا عن غيرهم من الكتاب الأوروبيين حديثي العهد المستعمرة التي وصلوا إليها عن طريق الغزو العسكري في القرن التاسع عشر 1830، تميّز الكتاب اليهود بارتباطهم بعادات وتقاليد الأهالي الأصليين، الساكنة الأتوكتونية les autochtones، فهم طرف ديمغرافي وثقافي واجتماعي عريق في البلد منذ قرون، وآخر موجات وصولهم إلى شمال أفريقيا هي حين تم طردهم من الأندلس معية المسلمين بعد سقوط غرناطة 1492، وقبل وصول يهود الأندلس إلى شمال أفريقيا كان هناك كثير من القبائل البربرية المعروفة يهودية الديانة، فكان منهم البدو ومنهم أهل المدن ومنهم الرحل ومنهم الحرفيون والتجار والمغنون والموسيقيون وفرسان الخيل والخبازون والخياطون والنساجون وأصحاب المقاهي والصيادون والكتبة والسماسرة والفلاحون والرعاة وغير ذلك، وليست هناك حرفة أو صنعة لم يجربها يهود الجزائر على غرار المسلمين.
انطلاقاً من هذا التكون والتكوين التاريخي المركب، نجد بأن الكتابة الأدبية التي مارسها اليهود الأهالي الجزائريين متميزة بكثير من التفاصيل التي أملتها طبيعة ارتباطهم اليومي والعاداتي والجغرافي والسيكولوجي بالأرض، وسأقف في هذا المقال على كاتبة جزائرية يهودية لم تغادر البلد حتى اندلاع الحرب الأهلية الأخيرة، إنها الكاتبة الشاعرة والروائية والقاصة والفنانة التشكيلية مريم بان.
ولدت مريم بان، واسمها الكامل ماريليز بن حاييم عام 1928 والمستعمرة في خضم التحضير للاحتفالات بمرور قرن على غزو الجزائر من قبل الجيوش الفرنسية، كان ذلك في 1830، وتوفيت في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 والجزائر تخرج وبصعوبة مجروحة ومدماة من حرب أهلية خلفت أزيد من 200 ألف قتيل، وهي الحرب التي جعلتها تغادر البلد بعد أن أصبحت حياتها شأنها شأن كثير من المثقفين والفنانين والصحافيين مهددة من قبل التيار الإسلامي المتطرف الذي اغتال خيرة النخبة الجزائرية من الكتّاب والمفكرين والفنانين نذكر من بينهم الطاهر جاووت والهادي فليسي وعبد القادر علولة وبختي بن عودة وفار الذهب ومجوبي ورشيد بابا والشاب حسني والشاب عزيز وغيرهم...
مريم بان المجاهدة في صفوف الثورة الجزائرية
كانت مريم بان مجاهدة ضد الاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال انخرطت في اتحاد الكتّاب الجزائريين وباتت عضواً نشطاً في الحركة النسوية الجزائرية، كما كانت عضواً أيضاً في منظمة المجاهدين الجزائريين (قدماء ثورة التحرير).
تنحدر الكاتبة مريم بان من عائلة الفيلسوف الأندلسي ابن ميمون، فهي من حفيداته اللواتي استقرت قبيلتهم في منطقة الشاوية بالشرق الجزائري. عند ولادتها كانت جدتها ترغب في تسميتها بمريم، لكن الإدارة الفرنسية رفضت تسجيلها بهذا الاسم ومنحتها اسم ماريليز مع ذلك خلدت الكاتبة اسم "مريم" في الكتب وفي توقيع اللوحات الفنية وفي المسرح، تلبية لرغبة جدتها، الرغبة التي قمعها الاستعمار الفرنسي.
تأثرت سياسياً بأفكار أبيها موسى بن حاييم الذي كان شيوعياً علمانياً، وهو ما جعلها تنتمي للحزب الشيوعي الجزائري مبكراً، وكانت مناهضة للحركة الصهيونية، إبان الحرب العالمية الثانية تسحب منها الجنسية الفرنسية بحسب قانون فيشي، وتطرد من الثانوية، لكنها تعود إليها بعد نزول الأميركيين بالجزائر عام 1943، لتواصل دراستها وتتكون كأستاذة، وفي الوقت نفسه تتابع دراستها الجامعية بقسم الفلسفة في جامعة الجزائر.
وفي ظل قناعتها في الالتزام بقضايا الأهالي الفقراء والدفاع عنهم، فقد اختارت التدريس في منطقة ريفية معزولة بقرية "وادي الفضة" التابعة لولاية الشلف اليوم على بعد حوالى 300 كيلومتر غرب العاصمة، وعرف عنها أنها كانت تصرف من راتبها لشراء أحذية وملابس ومعدات المدرسة من دفاتر وكتب للتلاميذ المسلمين الفقراء، لأنها كانت تعتبر التدريس جزءاً من محاربة النظام الكولونيالي العنصري الفرنسي.
منذ انطلاق الثورة الجزائرية في أول نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 انتسبت إلى صفوفها، وعملت عضواً في جهاز الاتصال والاستخبارات والتنسيق بمنطقة الورسنيس، فكانت على اتصال بهنري مايو وبشير حاج علي وحميد غراب وغيرهم من القادة اليساريين المنخرطين في الثورة التحريرية، وحين اكتشف أمرها دخلت في السرية، وقد حكمت عليها المحكمة العسكرية الفرنسية غيابياً بعشرين سنة نافذة.
وبعد الاستقلال عام 1962 كانت من اليهود القلائل الذين حصلوا على الجنسية الجزائرية. مع انقلاب 19 يونيو (حزيران) 1965 الذي قاده العقيد هواري بومدين ضد الرئيس أحمد بن بلة، بدأت ملاحقة المثقفين المناضلين اليساريين بشكل خاص، وجراء ذلك عرفت هذه الفترة هجرة كثير من المثقفين الذين لاحقهم البوليس السري من أمثال محمد حربي وحسين زهوان ومحمد ديب وجمال الدين بن الشيخ ومحمد بودية ومحمد بن منصور وغيرهم، وكانت الكاتبة مريم بان من بين هذه الأسماء التي أجبرت على المنفى بباريس، لكنها ستعود للإقامة النهائية في الجزائر عام 1974، والتي لن تغادرها إلا بعد أن بدأت معالم الحرب الأهلية في الأفق في بداية التسعينيات.
وإلى جانب دورها التربوي والسياسي فقد تألقت مريم بان كاسم أدبي مكرس في الشعر والرواية والقصة والمسرح وأيضاً كفنانة تشكيلية متميزة، تشهد عليها لوحاتها الموجودة في كثير من المتاحف الجزائرية والأوروبية.
لقد ارتبط اسمها ككاتبة مسرح باسمين كبيرين هما المخرج والمناضل محمد بودية أول مدير للمسرح الوطني بالجزائر المستقلة، وصديق شي غيفارا والذي اغتاله الموساد بباريس لارتباطه بحركة التحرير الفلسطينية، وهو الذي أخرج مسرحيتها المعنونة بـ "ليلى" عام 1967، وأما الشخصية الثانية فهو الروائي والمسرحي الكبير كاتب ياسين الذي أخرج لها مسرحية "نورة" في 1979، وقد قدمتها الفرقة المسرحية "النشاط الثقافي للعمال" التي كان يرأسها.
كانت مريم بان فاعلة ثقافية وفنية وازنة في المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، فكانت على علاقة أدبية بأكبر الأسماء التي عرفتها الساحة الأدبية المحلية من أمثال محمد ديب وكاتب ياسين ومولود معمري وبشير حاج علي وصادق هجرس وبوعلام خلفة وأحمد أزغار وجان سيناك وغيرهم. كما كانت من مناصري القضية الفلسطينية بوصفها حركة تحرر من الاستعمار الإسرائيلي.
بالفعل كانت مريم بان، من خلال ما نشرته من قصص وروايات، سنوات السبعينيات والثمانينيات واحدة من الأقلام المحبوبة والمفضلة لدى القارئ الجزائري في تلك المرحلة التي عرفت أسماء كاتبات بالفرنسية من مثيلات صفية كتو وآسيا جبار ونادية قندوز وعائشة لمسين.
كانت مريم بان ورشة متعددة المواهب فهي كاتبة مسرح ورواية وشعر، لكنها أيضاً فنانة تشكيلية أقامت عدة معارض لها في الجزائر وباريس وصالات عرض مهمة في مدن أوروبية كثيرة، ومناضلة حقوق الإنسان والمواطنة، وبعد أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988 بالجزائر، كانت بان ضمن لجنة مناهضة التعذيب إلى جانب البروفيسور بوسبسي وبلخنشير اللذين اغتيلا لاحقاً من قبل الإسلاميين.
ومن مؤلفاتها الأدبية التي خلدتها والتي قرأها الجزائريون بكثير من الإعجاب نذكر:
"الشمس المغتالة" (شعر) و"في ملتقى التضحيات" و"ليلى: أطفال الشحاذ" (مسرحية) و"هكذا ولد الإنسان" (قصص) و"صبرينا، لقد سرقوا منك الحياة" (رواية) و"روح صبرينا" (قصة)...
اليوم وفي ظل استفحال ثقافة الكراهية باسم الدين علينا كمثقفين أن نذكّر بمثل هذه الأسماء التي شكلت جزءاً أساسياً في ثقافتنا وفي نضالنا التحرري الوطني حتى نحارب هذا المد السرطاني الخطير الذي يمارسه المتطرفون الإسلاميون والمتطرفون من المتدينين اليهود الأرثوذوكس.


المقال الأسبوعي المنشور بأندبندت اللندنية الخميس 20 ماي 2021
le lien: https://www.independentarabia.com/.../مري...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى