قال لُوركا، الشاعر العظيم: "إذا صح أنني شاعر –بفضل الله أو بفضل الشيطان– فقد أصبحتُ كذلك شاعرًا بفضل الصنعة والجهد المضني ومحاسبتي النفس حسابًا مطلقًا عن ماهيّة القصيدة ".
أما أنا -بعد الاعتذار عن المقارنة- فأقول: إذا صح أنني شاعر.. فقد أصبحتُ كذلك بفضل الحزن.. هذا النهر الشاحب الأصفر الذي رأيتُه واغتسلتُ في مياهه الراكدة منذ طفولتي، رأيته في عينَي أمي، وفي عيون إخوتي، ثم قرأته على وجوه زملائي في المدرسة والشارع والسجن، وأقرأه كل يوم وليلة في عيون ووجوه أطفالي، العصافير الأربعة الذين شهدوا من قبح العالم أكثرَ مما تتحمل أعمارهم الصغيرة.
وفي وجه هذا الحزن، وفي طريقِهِ الكابي اللون، حاولت أن أتمرد.. أن أثور.. ولكن بلا جدوى، كانت المحاولة الأولى عندما قررت أن أدفنه –أي الحزن– في الحب فكتبتُ إلى الفتاة التي أحببتها بكل قلبي ومشاعري أروعَ ما كتبتُ من الشعر، وبعد أيام عادت قصائدُ الحب دون أن تُمَسّ، لماذا؟ لأن العينين الجميلتين لفتاتي كانتا غير قادرتين على قراءة قلبي.. لأنها ككل الفتيات في اليمن.. لا تقرأ.
ومرة ثانية حاولتُ أن أنسى الحب بالثورة فكتبت بعض القصائد الثائرة فهالني وفجعني أن أرى الأصدقاء يهربون من حولي، حتى أقرب الناس إلى نفسي وجدتهم فجأة يشهرون خناجرهم الحادة في وجهي ورأيتهم يعدون قبرًا لدفني في الغربة، لماذا؟ لأن الثورة التي أناديها من بعيد سوف تمر-حين تمر- فوق رؤوسهم، لذلك فقد حاولوا أن يتغدوا بي قبل أن تتعشى بهم الثورة.
أخيرًا حاولت أن أهجر الكلام، رحلت إلى الصمت فماذا حدث؟ تقرّح جسدي، أكلَت ثعابين الصمت لساني، وكادت العين تكف عن الإبصار، فرجعت إلى الكلام.. إلى الشعر، ولكنه هذه المرة ليس عن الحب، ولا عن الثورة إنه عن الحزن.. عن الحزن نفسه، هذا الذي كان ملهمي ومعلمي رغم أنفي.
وفي مقابر وفي معابد الشعر الحزينة كثيرًا ما تساءلت لماذا الحزن؟ لماذا كل الشعراء حزانى؟ أتذكرون "صاحب القروح" الذي بكى واستبكى؟ ومالك بن الريب! أتذكرون مرثيتَه الباكية، أتذكرون أحزان المتنبي "الصخرة" التي لا تحركها الكؤوس ولا الأغاريد؟ أتذكرون أيضًا تعللات "أبي العلاء" وسوداويات "بودلير" تشرديات "رامبو" ويونانيات
"بايرون"؟ ثم أتذكرون غجريات "لوركا" وبيروقراطيات
"ماياكوفسكي" وسجنيات "ناظم" وأندلسيات "شوقي" وبكائيات "الزبيري" ودموع "السياب" ومنفيات "البياتي" وحلاج "عبدالصبور" وأشجان مدينة "حجازي" أتذكرون؟؟
يقول صلاح عبدالصبور –حياتي في الشعر– ردًّا على مثل سؤالي السابق عن حزن الشعراء: (( إن الفنانين والفئران هم أكثر الكائنات استشعارًا للخطر، ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر هربًا من السفينة الغارقة. أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملء الفم حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها )).
وإذا كان الأمر كذلك –وهو فعلًا كذلك– فلتشهد عيون كل الأحياء، وأرواح كل الموتى أننا في اليمن المتخلف المقهور، سنظل رغم أحزاننا الكبيرة والكثيرة –بل بفضل هذه الأحزان– سنظل نحفر في الظلام، ونقرع الأجراس حتى مطلع الفجر.
عبدالعزيز المقـالح
19سبتمبر 1972م
أما أنا -بعد الاعتذار عن المقارنة- فأقول: إذا صح أنني شاعر.. فقد أصبحتُ كذلك بفضل الحزن.. هذا النهر الشاحب الأصفر الذي رأيتُه واغتسلتُ في مياهه الراكدة منذ طفولتي، رأيته في عينَي أمي، وفي عيون إخوتي، ثم قرأته على وجوه زملائي في المدرسة والشارع والسجن، وأقرأه كل يوم وليلة في عيون ووجوه أطفالي، العصافير الأربعة الذين شهدوا من قبح العالم أكثرَ مما تتحمل أعمارهم الصغيرة.
وفي وجه هذا الحزن، وفي طريقِهِ الكابي اللون، حاولت أن أتمرد.. أن أثور.. ولكن بلا جدوى، كانت المحاولة الأولى عندما قررت أن أدفنه –أي الحزن– في الحب فكتبتُ إلى الفتاة التي أحببتها بكل قلبي ومشاعري أروعَ ما كتبتُ من الشعر، وبعد أيام عادت قصائدُ الحب دون أن تُمَسّ، لماذا؟ لأن العينين الجميلتين لفتاتي كانتا غير قادرتين على قراءة قلبي.. لأنها ككل الفتيات في اليمن.. لا تقرأ.
ومرة ثانية حاولتُ أن أنسى الحب بالثورة فكتبت بعض القصائد الثائرة فهالني وفجعني أن أرى الأصدقاء يهربون من حولي، حتى أقرب الناس إلى نفسي وجدتهم فجأة يشهرون خناجرهم الحادة في وجهي ورأيتهم يعدون قبرًا لدفني في الغربة، لماذا؟ لأن الثورة التي أناديها من بعيد سوف تمر-حين تمر- فوق رؤوسهم، لذلك فقد حاولوا أن يتغدوا بي قبل أن تتعشى بهم الثورة.
أخيرًا حاولت أن أهجر الكلام، رحلت إلى الصمت فماذا حدث؟ تقرّح جسدي، أكلَت ثعابين الصمت لساني، وكادت العين تكف عن الإبصار، فرجعت إلى الكلام.. إلى الشعر، ولكنه هذه المرة ليس عن الحب، ولا عن الثورة إنه عن الحزن.. عن الحزن نفسه، هذا الذي كان ملهمي ومعلمي رغم أنفي.
وفي مقابر وفي معابد الشعر الحزينة كثيرًا ما تساءلت لماذا الحزن؟ لماذا كل الشعراء حزانى؟ أتذكرون "صاحب القروح" الذي بكى واستبكى؟ ومالك بن الريب! أتذكرون مرثيتَه الباكية، أتذكرون أحزان المتنبي "الصخرة" التي لا تحركها الكؤوس ولا الأغاريد؟ أتذكرون أيضًا تعللات "أبي العلاء" وسوداويات "بودلير" تشرديات "رامبو" ويونانيات
"بايرون"؟ ثم أتذكرون غجريات "لوركا" وبيروقراطيات
"ماياكوفسكي" وسجنيات "ناظم" وأندلسيات "شوقي" وبكائيات "الزبيري" ودموع "السياب" ومنفيات "البياتي" وحلاج "عبدالصبور" وأشجان مدينة "حجازي" أتذكرون؟؟
يقول صلاح عبدالصبور –حياتي في الشعر– ردًّا على مثل سؤالي السابق عن حزن الشعراء: (( إن الفنانين والفئران هم أكثر الكائنات استشعارًا للخطر، ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر هربًا من السفينة الغارقة. أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملء الفم حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها )).
وإذا كان الأمر كذلك –وهو فعلًا كذلك– فلتشهد عيون كل الأحياء، وأرواح كل الموتى أننا في اليمن المتخلف المقهور، سنظل رغم أحزاننا الكبيرة والكثيرة –بل بفضل هذه الأحزان– سنظل نحفر في الظلام، ونقرع الأجراس حتى مطلع الفجر.
عبدالعزيز المقـالح
19سبتمبر 1972م