طفحت رواية دون كيخوته بالثرثرة الناشئة من الخوض في حديث غير مثمر حول موضوع مبهم، بالإكثار منه، والاستزادة فيه، والخلط بين الغثّ والسمين من الأقوال والأحكام، والثرثرة هوى من الأهواء، وقد اعتُبرت من آفات اللسان، فوقع ذمّها، والتحذير من خطرها، فبها تنتصر شهوة الكلام على المعاني الحكيمة، غير أني أحسبُ أنّ الثرثرة غذّت الرواية بجزء مهم من السخرية؛ ففي دروب مهجورة، وقفار منقطعة، وفي حال من شدّة الجوع والظمأ، ومن حدّة الغمّ والأسى، درج دون كيخوته وسانشو بانثا على مباشرة الحوارات الطويلة التي يرمي خلالها التابع بالأمثال جملةً في وجه المتبوع، كأنه يحذّره من مخاطر الاستغراق في أوهامه.
ومع أن دون كيخوته كان سخيًّا في الإصغاء إلى تابعه، وهو يهذر، لكنه مكابر في الرأي، وصعب المراس، فبدل الأخذ بما يثرثر به حامل سلاحه، ينحرف هو بالثرثرة حول أخبار الفرسان، ويُطنب فيها؛ لأنها تلهمه أعماله العظيمة، بعد أن ينبّه تابعه إلى ألّا يكثر من الأقوال المأثورة، ويحشرها في غير محلّها، وكأنه يريد أن يتفلّت مما يريده له التابع من تدبّر في شؤون حياته، فتتحوّل الثرثرة بين راكب البغلة وراكب الحمار إلى نزاع هازل بين رؤيتين للعالم، رؤية تشتقّ لنفسها مشروعية انطباق الشخصية على الواقع الذي تعيش فيه، وأخرى تدفع به إلى الانفصال عنه، وكلّما حاول التابع رتق الشقّ، بالغ المتبوع في توسيعه.
أسفرت الثرثرة السردية عن تنازع للخطابات داخل فصول الرواية، خطاب تدفع به أهواء الأمل، والرجاء، والطمع، بما يفضي إلى إصلاح أحوال فرد واحد هو التابع، وخطاب تحرّضه أهواء المجد، والجاه، والشرف، بما يؤدّي إلى إصلاح العالم، وبدوام الثرثرة على خلفية من الإخفاق في المغامرات تتراءى المفارقة الساخرة، فدون كيخوته وسانشو بانثا يتحاوران بجدية بالغة على ظهر دابّتيهما، أحدهما يدعم برهانه بمرويات الفرسان، والآخر يقوّي حجته بمأثورات الواقع، فتتّسع الهوّة بين رؤيتين، ويزداد العالمان اختلافًا بالإفراط في جرعة الثرثرة، إلى أن يؤنّب المتبوع تابعه بالتوقّف حينما يطرأ حدث يذكّره بأنه فارس مقدام، فيعجّل في خوض مغامرة جديدة لتحويل مضمون ثرثرته إلى أفعال يخدم بها البشرية جمعاء. وعلى هذا النهج نفث دون كيخوته الحِكم البليغة، بين مغامرة وأخرى، ومضغ سانشو بانثا الأمثال الرتيبة.
ليس يجوز إنكار أهمية الثرثرة في الآداب السردية، وهي غير الإنشاء الذي يدفن الأحداث، ويعيق نموّها، فالثرثرة تفصح عن هزل عميق يجد طريقه للظهور وقت غياب الأفعال التي تقوم بها الشخصيات، فتعبّر عن حال من الفتور الذي ينتهي به السرد من تمثيل فعل، والشروع في فعل جديد، فتصل بين فعلين سرديّين؛ لكنّ الرغبة في تجاذب الأحاديث في رواية دون كيخوته تصبو إلى ما هو أكثر من ذلك، فهي تكشف عنادًا بين رؤيتين للعالم، وموقفين يمثّلان تجربتين مختلفتين، وفضلًا عن أنها تسرّي عن الشخصيات في أثناء ارتحالها على غير هدى، فهي ترمي إلى تغيير منظور كل شخصية لعالم الشخصية الأخرى بإيراد براهين تفحمهما، وتدفعهما إلى القيام بالتعديل المطلوب، وبهذا تدفّقت الثرثرة من غير توقّف، وبانتظار مغامرة جديدة تعرض للفارس وحامل سلاحه، ينتج عنها رضوض في العظام، وكدمات على الجلد، فليس لهما إلا الانغماس في ثرثرة تبدو في ظاهرها تسليةً للنفس، لكنها تتجاوز ذلك إلى تحقيق ما ورد ذكره.
ملاحظة: للتوسّع في وظيفة الثرثرة في السرد يمكن مراجعة الفصل الأخير من كتاب(الأرشيف السردي)
ومع أن دون كيخوته كان سخيًّا في الإصغاء إلى تابعه، وهو يهذر، لكنه مكابر في الرأي، وصعب المراس، فبدل الأخذ بما يثرثر به حامل سلاحه، ينحرف هو بالثرثرة حول أخبار الفرسان، ويُطنب فيها؛ لأنها تلهمه أعماله العظيمة، بعد أن ينبّه تابعه إلى ألّا يكثر من الأقوال المأثورة، ويحشرها في غير محلّها، وكأنه يريد أن يتفلّت مما يريده له التابع من تدبّر في شؤون حياته، فتتحوّل الثرثرة بين راكب البغلة وراكب الحمار إلى نزاع هازل بين رؤيتين للعالم، رؤية تشتقّ لنفسها مشروعية انطباق الشخصية على الواقع الذي تعيش فيه، وأخرى تدفع به إلى الانفصال عنه، وكلّما حاول التابع رتق الشقّ، بالغ المتبوع في توسيعه.
أسفرت الثرثرة السردية عن تنازع للخطابات داخل فصول الرواية، خطاب تدفع به أهواء الأمل، والرجاء، والطمع، بما يفضي إلى إصلاح أحوال فرد واحد هو التابع، وخطاب تحرّضه أهواء المجد، والجاه، والشرف، بما يؤدّي إلى إصلاح العالم، وبدوام الثرثرة على خلفية من الإخفاق في المغامرات تتراءى المفارقة الساخرة، فدون كيخوته وسانشو بانثا يتحاوران بجدية بالغة على ظهر دابّتيهما، أحدهما يدعم برهانه بمرويات الفرسان، والآخر يقوّي حجته بمأثورات الواقع، فتتّسع الهوّة بين رؤيتين، ويزداد العالمان اختلافًا بالإفراط في جرعة الثرثرة، إلى أن يؤنّب المتبوع تابعه بالتوقّف حينما يطرأ حدث يذكّره بأنه فارس مقدام، فيعجّل في خوض مغامرة جديدة لتحويل مضمون ثرثرته إلى أفعال يخدم بها البشرية جمعاء. وعلى هذا النهج نفث دون كيخوته الحِكم البليغة، بين مغامرة وأخرى، ومضغ سانشو بانثا الأمثال الرتيبة.
ليس يجوز إنكار أهمية الثرثرة في الآداب السردية، وهي غير الإنشاء الذي يدفن الأحداث، ويعيق نموّها، فالثرثرة تفصح عن هزل عميق يجد طريقه للظهور وقت غياب الأفعال التي تقوم بها الشخصيات، فتعبّر عن حال من الفتور الذي ينتهي به السرد من تمثيل فعل، والشروع في فعل جديد، فتصل بين فعلين سرديّين؛ لكنّ الرغبة في تجاذب الأحاديث في رواية دون كيخوته تصبو إلى ما هو أكثر من ذلك، فهي تكشف عنادًا بين رؤيتين للعالم، وموقفين يمثّلان تجربتين مختلفتين، وفضلًا عن أنها تسرّي عن الشخصيات في أثناء ارتحالها على غير هدى، فهي ترمي إلى تغيير منظور كل شخصية لعالم الشخصية الأخرى بإيراد براهين تفحمهما، وتدفعهما إلى القيام بالتعديل المطلوب، وبهذا تدفّقت الثرثرة من غير توقّف، وبانتظار مغامرة جديدة تعرض للفارس وحامل سلاحه، ينتج عنها رضوض في العظام، وكدمات على الجلد، فليس لهما إلا الانغماس في ثرثرة تبدو في ظاهرها تسليةً للنفس، لكنها تتجاوز ذلك إلى تحقيق ما ورد ذكره.
ملاحظة: للتوسّع في وظيفة الثرثرة في السرد يمكن مراجعة الفصل الأخير من كتاب(الأرشيف السردي)