(القاهرة-إبريل-1996)
داخل شرفة فسيحة تطل على شارع مصدق بحي الدقي. مدّت الدكتورة لطيفة الزيات -أستاذ الأدب والحائزة على جائزة الدولة التقديرية -يدها وسندت على الحائط بصعوبة شديدة. اقتربت من مقعد بجوار سور الشرفة. وجلست تنظر للحائط المواجه لها، الذي يحمل صورة -بالأبيض والأسود- لأسرتها معلقة خلف الباب المفتوح (لها رواية شهيرة بعنوان "الباب المفتوح" فازت بجائزة نجيب محفوظ مع الأديب إبراهيم عبد المجيد لعام 1996) وكثيراً ما تحب النظر إليها. اعتادت منذ سنوات احتساء فنجان قهوتها الصباحية في هذا المكان، فهي ترى من خلاله الحياة بالألوان التي تحبها. الآن هي وحيدة رغم أن الجميع من الأهل، والأصدقاء، والزملاء، والمحبين بجوارها. لكنها -وهي لا تجد تبريراً موضوعياً لذلك- تشعر دائماً بالوحدة، والوحدة لها أحزانها. بالإضافة إلى المرض الذي باغتها منذ فترة. والمرض له قوته، وطريقته في أن يجعل الإنسان -مهما كانت قوته- يغيّر من عاداته الحياتية، واليومية. مدت يدها وأمسكت بصحيفة الأهرام. وقعت عيناها على عنوان رئيسي في صفحة بريد الجمعة.. يقول: "الطلاق أو الموت!". هزت رأسها. وبدأت القراءة إلى أن فرغت من فنجان القهوة. بعد قليل تركت الصحيفة، ثم ألقت برأسها للخلف. وبدأت تتذكر رحلتها في الحياة منذ نشأتها في مدينة دمياط، ومشوارها الدراسي، والثقافي، والإنساني، بين المنصورة، وأسيوط، والقاهرة. اعتدلت مرة أخرى في جلستها. ثم أمسكت بورقة، وقلم، وكتبت العنوان التالي لمذكراتها التي حملت عنوان: "حملة تفتيش.. أوراق شخصية" ثم أسندت رأسها للخلف مرة جديدة، وأغمضت عينيها قليلاً، وهي تنظر للزمن من وراء باب شبه مفتوح! ***
(القاهرة ـ 1965)
داخل سيارة ملاكي موديل الستينيات، تجلس هادئة، صامتة، شاردة، لا يبدو على ملامحها القلق. بجوارها شقيقها عبد الفتاح -يكبرها بثماني سنوات- يقود سيارته، متجهاً إلى وسط البلد. يشاركها الهدوء، والصمت، والشرود المصحوب بالقلق. تنظر من نافذة السيارة للشوارع، وما فيها من بشر، وشجر، وحجر، وسيارات مسرعة، لكنها لا ترى أحداً! عبد الفتاح يسترق النظر إليها، وللشارع معاً، ثم ينظر للمرآة التي أمامه بنظرات سريعة، وخاطفة. بعد 20 دقيقة تقريباً، تقف السيارة في شارع جانبي من شارع عبد الخالق باشا ثروت. بسرعة واضحة تركت مقعدها، وسبقت خطواتها خطواته حتى وقفت أمام باب عمارة عتيقة طراز يوناني قديم في انتظاره أمام الأسانسير. صمت السيارة انتقل معهما إلى داخل الأسانسير، وهما في طريقهما، لمكتب المحامي الذي سيتم لديه إجراءات طلاقها. على باب الخروج من الأسانسير، وقبل الدخول إلى المكتب قال لها:
"يا لطيفة الموقف صعب عليه، ومن الطبيعي أن يؤجل ما استطاع مواجهته". ترد بهدوء أعصاب واضح في صوتها: "قراري بالانفصال عمره خمس سنوات، وعُمر القدرة على إخراج القرار إلى حيز التنفيذ شهر. لي شهر أدبر للقاء الطلاق، بالرجاء، وبالحسنى، وبتوسط الأهل، والأقارب، والأصدقاء، وبالتهديد"! ثم تكمّل بحسم: "من المستحل أن أتراجع الآن بعد أن استرددت بعضاً من قدرتي على الفعل". ***
(مكتب المحامي - صالة الاستقبال)
بعد دقائق كانت تجلس وأمامها عبد الفتاح. جاء الساعي بفنجان قهوة لشقيقها، وكوب ماء بارد لها. تنظر من نافذة المكتب للسماء التي ترى لونها مختلفاً عن أي يوم آخر. عبد الفتاح يتأملها في صمت وهو يرتشف قهوته. تنظر في ساعة الحائط التى أمامها. تستعجل الوقت. لقد تأخر زوجها عن الموعد المتفق عليه مسبقاً. الوقت يمر بصعوبة شديدة، وهي متوترة، خائفة من أن يتراجع ولا يأتي في موعده. في هذه الجو الضبابي، الحزين، المؤلم، المشوب بالحذر، بدأت -إلى أن يأتي الزوج- تسترجع شريط حياتها منذ طفولتها، وصباها، وأيام الدراسة، والانتماء الفكري والسياسي، واعتقالها في سجن الحضرة بالإسكندرية عام 1948. وكذلك اعتقالها أيام الرئيس السادات في سجن القناطر. وعلى المستوى الحياتي تجربة خطوبتها الأولى التي لم تنجح -فشلت بعد أسابيع قليلة- من عبد الحميد عبد الغني الذي اشتهر باسم عبد الحميد الكاتب. ثم زواجها الأول -لم يستمر سوى سنتين 1948 / 1949- من زميلها في الفكر اليساري أحمد شكري سالم. والذي تعرضت معه لأول تجربة اعتقال سياسي عام 1949. قضت خلالها 6 أشهر حبساً انفرادياً في سجن"الحضرة"، وطلاقها منه بعد الحكم بسجنه 7 سنوات. ثم زواجها الثاني عام 1954 الذي مرّ عليه حتى هذه اللحظة 13 عاماً. وجاء اليوم، وجاءت الساعة، وحانت اللحظة، التي تودعه فيها آخر وداع. سألها شقيق زوجها الأكبر -وهو المحامي الذي تجلس في مكتبه الآن- أثناء اجتماع عائلي عُقد منذ فترة، للاتفاق على إجراءات الطلاق. قال لها: "وما الذي جدّ لتطلبي الطلاق"؟.. وقتها لم ترد! لكنها في هذه اللحظة، وهي على بُعد خطوة من الطلاق، تستطيع الرد: "لم يكن جديد قد جدّ. وجديد الشيء قديمه، ولا يجد شيء، حين تسقط في الخريف ورقة شجرة، من الشجرة. ورقة الشجرة قد سقطت من زمن عمره يربو على السنوات الخمس. لم يجد شيء من جانب زوجي، وجديد الشيء قديمه، الجديد جدّ علىَّ أنا. أنا الفاعل هذه المرة لا هو. أملك الآن أن أقول كفى". ثم تكمل قائلة: "كيف يتأتى لي أن أشرح للناس أنه زوجي، بما جدّ أو ما لا يجد. بما يفعل وبما لا يفعل. لم يعد من زمن طويل طرفاً في معركة هي أولاً وأخيراً معركتي؛ لأُبعث بعد طول موات. لأفعل. لأكون. لاكتسب من جديد المدار الخطأ، الذي أعرف حتى النخاع، أنه المدار الخطأ؛ لأقضي على الهوة بين ما أقول وما أفعل. بين ما أعتقد وما أعيش"!
*****
(الدقي - إبريل 1996)
دقائق هذا اليوم مرّت وكأنها دهر. هي تذكر ذلك جيداً، أحداثه عالقة في عقلها لم تتأثر بالزمن. في هذا اليوم جلست لتستقبل حياة جديدة، وتودع حياة قديمة. الصمت خيّم على المكان. تختلس النظر إلى شقيقها الذي بدأ التوتر يظهر على ملامحه. نظرتها تقول له: "حضرنا في الموعد المحدد بالدقيقة ولم يحضر هو. انتظر كما تعودت أن انتظر. ولكن انتظاري لم يكن هذه المرة معذباً، كان انتظاراً زهوقاً". بعد دقائق من الانتظار، الزوج جاء.."وصل أنيقاً، كعادته، ومهندماً، وطلب الاختلاء بي ليثنيني عن الطلاق"! ***
(مكتب المحامي - حجرة صغيرة)
في ممر ضيق، يؤدي إلى تلك الحجرة بدأت خطواتها.. "أتبع زوجي إلى حجرة خالية، التقيت في الردهة بمحامٍ كان زميلي في حركة الطلبة في الأربعينيات. جلست على طرف مقعد ذي مسندين. مهذبة. مضمومة الساق، ويداي ملقتين في حِجري. وجلس هو على مقعد مكتب متحرك، بحيث لا تلتقي عيوننا ونحن نتكلم. كنا على عاداتنا طيلة ثلاثة عشر عاماً في منتهى الأدب وفي منتهى التحضر، كما اعتدنا أن نكون في كل الحالات حتى الواحد منا كان يغلي بالغيرة وبالكراهية أو بالرفض لماهية الآخر". الثوانى تمر وكأنها دهر. الصمت ساد المكان. اختنقت في الحلق الكلمات. ثم بعد فترة نطق الزوج قائلاً: "لقد صنعتك". قالها بثقة، وهدوء، وحسم، وأمله أن تتراجع عن قرارها، لكنها -كما يظهر على ملامحها- ترفض أمله، مثلما ترفض التراجع. قالت: "أعلنت إصراري على إتمام اجراءات الطلاق بهدوء". ثم عادت للصمت مرة جديدة، لتسترجع مشوار حياتها، لتعرف -على وجه الدقة- مَن الذي صنعها بالضبط؟ من أجل ذلك عادت بالذاكرة إلى مدينتها الساحلية، على ضفاف البحر.
***
(دمياط ـ 1929)
"كنت في السنة الثالثة من روضة الأطفال حين نُقِلَ أبي من بلدتنا دمياط إلى المنصورة. وقد دُهشت حين التقيت بناظرة مدرسة الروضة بدمياط بعد انقضاء خمسة عشر عاماً، وعكست لي صورتي في الروضة. فقد كانت صورة مخالفة تماما للصورة التي كونتها عن نفسي كطفلة. صورة الفتوة كما كان أبي يصفني أو صورة البنت الصلبة، المتدفقة، الشقية، الضحوكة، الفصيحة" ثم بعد سنوات من طفولة دمياط ينتقل الأب -كان يعمل في الإدارة المحلية- إلى مدينة المنصورة وهناك تتشابك الذكريات مرتبطة بالصبا والشباب.
ولحظة استقبالها لذكريات الماضي البعيد دخل ساعي المكتب. قال: "أجيب لحضرتك كوباية ليمون ساقع" هزت رأسها بالرفض. الزوج أومأ برأسه وهو يطلب فنجان شاي. خرج الساعي وجذب الباب خلفه وتركهما وحدهما. الزوج صامت منتظر ردها. وهي مع الذكريات من بيت إلى بيت ومن مدينة إلى مدينة.. "تنقلت فس حياتي بين الكثير من المساكن، وكانت إقامتي تطول فيها، لمدد تتراوح ما بين اليوم الواحد والعديد من السنين. وانتقلت مع أسرتي إلى مسكنين في المنصورة. أما في أسيوط فلم يسمح لنا الوقت لننتقل من منزل إلى منزل، إذ مات أبي في منزلنا الأول، وأنا في الثانية عشرة من عمري. وفي القاهرة حيث أقمت وأمي وأخواتي بعد موت أبى تعين علينا أن ننتقل من بيت إلى بيت". ***
(المنصورة ـ 1934)
"وفي المنصورة أحببت الطريق إلى مدرسة الروضة المجاورة، لحديقة "شجرة الدر". وأحببت من بعده الطريق إلى المدرسة الابتدائية المجاورة لمبني المحافظة والمحكمة. وذات يوم من أيام عام 1934 يرفض إسماعيل باشا صدقي السماح لمصطفى باشا النحاس زعيم حزب الوفد القيام بزيارة للأقاليم تتضمن زيارة للمنصورة. يُوقف حركة القطارات. ويأتي موكب النحاس في السيارات، تُحيل بلدية المنصورة شارعنا، وبقية الشوارع إلى مجموعة متتالية من الخنادق، لتحول دون موكب النحاس. الشوارع تعج بآلاف المتظاهرين. تعلمت من أخواي "عبد الفتاح" و"محمد" طبيعة الصراع الدائر على طول مصر وعرضها بين الشعب من ناحية وأحزاب الأقليات التي تخدم الملك والاحتلال من ناحية أخرى. واخترت معهما وبهما الخندق الذي أقف فيه". ***
(الدقي - إبريل 1996)
الآن أوشكت على الانتهاء من قراءة رسالة القارئة سعاد محمود -من الإسكندرية- التي أرسلتها إلى عبد الوهاب مطاوع وحملت عنوان "الطلاق أو الموت". التفاصيل نفس التفاصيل. الألم نفس الألم . الشكوي نفس الشكوي. الزمن يتغير ولكن فيما يبدو أوجاعنا ثابتة لا تتغير. في قصة سعاد وجدت قصة تشبه قصتها. حكاية تشبه حكايتها، دموعاً تشبه دموعها. صمتاً يشبه صمتها. وجدت نفسها بين سطور الرسالة رغم فارق الزمن. هذه التشابه المكرر عاد بها لتكمل تلك الذكريات عن هذا اليوم الذي عادت فيه من الموت إلى الحياة.
***
( القاهرة ـ 1965)
داخل مكتب المحامي مازال عبد الفتاح ينتظرها بالخارج. والزوج مازال ينتظر ردها. وهي مازالت جالسة تفكر في ماضيها وحياتها التي اختارتها منذ الطفولة ودراساتها الجامعية، وفي كل ذلك تبحث عن إجابة: هل حقا كما يقول: "صنعتك"؟!.. "لم أشأ أن أُصعّد النغمة حتى لا تفشل مهمتي. وتساءلت وأنا أرقبه: أي مرحلة من مراحل عمري المنقضي صنع؟ أكل المراحل؟ أم لم يصنع هو شيئا؟ ثم تساءلت في دهشة وهي تصف نفسها بأنها كانت من الخارج امرأة ناجحة بفضل عملها وإنجازها. وفي الوقت ذاته امرأة مخربة من الداخل. تسأل"أي من المرأتين صنع؟ وما صنع هو شيئاً؟ أنا التي صنعت نجاحاتي وتعاساتي. وراجعت نفسي قبل أن أرد، لو صعّدت النغمة ستفشل المهمة التي جئت من أجلها"، يبدو الآن أنه فرغ من فنجان الشاي الذي أمامه وينتظر ردها الأخير. وهي مازلت مع ذكرياتها، تتذكر دراستها الجامعية، ورسالة الدكتوراة التي فرغت منها في 1957 وروايتها الشهيرة "الباب المفتوح" التي صدرت عام 1960. تتذكر يوم ترحيلها من مبنى مديرية الإسكندرية إلى سجن الحضرة بتهمة الانضمام إلى تنظيم شيوعي وعمرها 26 عاماً. كل ذلك صنعته هي بنفسها وليس أحداً آخر. بعد فترة طويلة من الصمت خرجت من الحجرة إلى صالة المكتب. وقف عبد الفتاح مسرعاً يستقبلها، ليسمع منها كلمتها الأخيرة: نعم الطلاق لا شيء آخر. واصل الزوج صمته وهو يشير بيده للمحامي قائلاً: اتفضلوا. استكملوا الإجراءات! وهو ينظر لها قائلاً: أنت طالق. الآن هدأت. الآن ابتسمت. الآن جلست على المقعد المجاور لها. ثم مدت يدها لتشرب جرعة ماء وهي تتذكر قوله: لقد صنعتك! ردت: "حتى ولو كنت صنعتني فعلاً، كما تقول، فهذا لا يعطيك الحق في قتلي"، بعد الطلاق امتنعت عن مناقشة أسباب طلاقها، كانت تقول لكل من يسأل: "هو أحسن الناس وأنا أحسن الناس، غير أننا لم نتفق". سألها صديق ذات مرة: لماذا تزوجتيه أصلاً؟ ردت: "كان أول رجل يوقظ الأنثى فىّ"، ثم تكمل قائلة: "كان زواجي قد أثار من الضجة، ربما أكثر مما أثار طلاقي. فقد انتمينا لمعسكرين متضادين. وإن لم أعِ أنا هذه الحقيقة في حينه"؟ الآن انهار كل شيء. وحدث الطلاق! ***
(الدقى ـ 1995 )
هي مازالت جالسة في الشرفة مع هذه ؟؟؟؟؟ مع الزمن وتقلباته. جرس التليفون يرن بجوارها. حاولت أكثر من مرة تجاهله، لكنه لم يتوقف عن الرنين.
ـ الوه.. الوه
ـ أهلاً وسهلا ً. من مجلة حواء. أهلاً بيك. كلمني غداً فى نفس الموعد. مع السلامة.
هى تحب هذه المجلة لأنها ظلت تكتب بها مدافعة عن حقوق المرأة لمدة سنوات من عام 1960 وحتي 1965؛ لذلك هي ترحب بإجراء هذا الحوار مع مجلتها القديمة، القريبة من قلبها. وضعت السماعة بجوارها. بدأت تستعد لمغادرة المكان عائدة إلى غرفة نومها لتستريح. على سريرها. وضعت جسدها الذي بدأ يزعجه المرض بقسوة شديدة. حاولت النوم. ولكن النوم يعاندها، والذكريات مازلت تهاجمها، فتتذكر أمواج الشباب على كوبري عباس عام 1946 وهي تتحرك بقوة وإصرار "وهديرها يخلخل أوتاد الاستعمار" قبل أن ينشطر الكوبري إلى شطرين "ويهوى الشباب إلى النيل عشرات بعد عشرات" تتذكر أول يوم التحقت فيه بالجامعة، وقبولها التحدي والرغبة في إثبات مساواة المرأة بالرجل، وانتخابها ضمن سكرتارية اللجنة العامة الوطنية للطلبة والعمال. وكيف جرفها العمل السياسي الذي اقتنعت به، وجعلها تعاصر فترة المد القومي الناصري الاشتراكي بعد سقوط الملكية، والتحول الذي حدث في مصر حتى وصلت -أي مصر- إلى هزيمة 1967. هي تذكر هذا اليوم جيداً. يوم الهزيمة، الحزينة، المريرة، المؤلمة "هذه الهزيمة حدثت لي أنا على المستوى الشخصي، وأقسى ما حدث لي على المستوى الشخصي"، ثم تكمل قائلة: "لم يفهم مغزى ما أقول سوى القلة، ولكني أعرف أيضا أن ما حدث لي خلال 1972 إلى 1973 قد استعصى على تربيتي السياسية. وفي هذه الفترة فقدت فجأة زوج أختي وصديقي وزميلى محمد الخفيف في إبريل 1972. وأخي في مايو 1973"، ثم يمتد بها شريط الأحزان إلى ليلة سبتمبر 1981 في هذه الليلة "تم إلقاء القبض علىّ في منزلي"، كان عمرها في ذلك الوقت 58 عاماً وقُبض عليها ضمن 1500 من معارضي كامب ديفيد!
***
( الدقى- إبريل 1996)
مازالت على سريرها، تستدعي النوم. تطاردها الذكريات. مدت يدها إلى الكوميدينو، وضعت الصحيفة مفتوحة على قصة سعاد محمود. أدارت المذياع المثبت على إذاعة صوت العرب. تناولت ثلاثة أنواع من الدواء. مدت جسدها المُتعب قليلاً، نظرت إلى السماء من شرفة الغرفة. ثم في هدوء... نامت!
خيري حسن.
***
* الأحداث حقيقية من واقع مذكرات الدكتورة لطيفة الزيات "أوراق شخصية - حملة تفتيش"طبعة مكتبة الأسرة 2004
***
* السيناريو من خيال الكاتب.
داخل شرفة فسيحة تطل على شارع مصدق بحي الدقي. مدّت الدكتورة لطيفة الزيات -أستاذ الأدب والحائزة على جائزة الدولة التقديرية -يدها وسندت على الحائط بصعوبة شديدة. اقتربت من مقعد بجوار سور الشرفة. وجلست تنظر للحائط المواجه لها، الذي يحمل صورة -بالأبيض والأسود- لأسرتها معلقة خلف الباب المفتوح (لها رواية شهيرة بعنوان "الباب المفتوح" فازت بجائزة نجيب محفوظ مع الأديب إبراهيم عبد المجيد لعام 1996) وكثيراً ما تحب النظر إليها. اعتادت منذ سنوات احتساء فنجان قهوتها الصباحية في هذا المكان، فهي ترى من خلاله الحياة بالألوان التي تحبها. الآن هي وحيدة رغم أن الجميع من الأهل، والأصدقاء، والزملاء، والمحبين بجوارها. لكنها -وهي لا تجد تبريراً موضوعياً لذلك- تشعر دائماً بالوحدة، والوحدة لها أحزانها. بالإضافة إلى المرض الذي باغتها منذ فترة. والمرض له قوته، وطريقته في أن يجعل الإنسان -مهما كانت قوته- يغيّر من عاداته الحياتية، واليومية. مدت يدها وأمسكت بصحيفة الأهرام. وقعت عيناها على عنوان رئيسي في صفحة بريد الجمعة.. يقول: "الطلاق أو الموت!". هزت رأسها. وبدأت القراءة إلى أن فرغت من فنجان القهوة. بعد قليل تركت الصحيفة، ثم ألقت برأسها للخلف. وبدأت تتذكر رحلتها في الحياة منذ نشأتها في مدينة دمياط، ومشوارها الدراسي، والثقافي، والإنساني، بين المنصورة، وأسيوط، والقاهرة. اعتدلت مرة أخرى في جلستها. ثم أمسكت بورقة، وقلم، وكتبت العنوان التالي لمذكراتها التي حملت عنوان: "حملة تفتيش.. أوراق شخصية" ثم أسندت رأسها للخلف مرة جديدة، وأغمضت عينيها قليلاً، وهي تنظر للزمن من وراء باب شبه مفتوح! ***
(القاهرة ـ 1965)
داخل سيارة ملاكي موديل الستينيات، تجلس هادئة، صامتة، شاردة، لا يبدو على ملامحها القلق. بجوارها شقيقها عبد الفتاح -يكبرها بثماني سنوات- يقود سيارته، متجهاً إلى وسط البلد. يشاركها الهدوء، والصمت، والشرود المصحوب بالقلق. تنظر من نافذة السيارة للشوارع، وما فيها من بشر، وشجر، وحجر، وسيارات مسرعة، لكنها لا ترى أحداً! عبد الفتاح يسترق النظر إليها، وللشارع معاً، ثم ينظر للمرآة التي أمامه بنظرات سريعة، وخاطفة. بعد 20 دقيقة تقريباً، تقف السيارة في شارع جانبي من شارع عبد الخالق باشا ثروت. بسرعة واضحة تركت مقعدها، وسبقت خطواتها خطواته حتى وقفت أمام باب عمارة عتيقة طراز يوناني قديم في انتظاره أمام الأسانسير. صمت السيارة انتقل معهما إلى داخل الأسانسير، وهما في طريقهما، لمكتب المحامي الذي سيتم لديه إجراءات طلاقها. على باب الخروج من الأسانسير، وقبل الدخول إلى المكتب قال لها:
"يا لطيفة الموقف صعب عليه، ومن الطبيعي أن يؤجل ما استطاع مواجهته". ترد بهدوء أعصاب واضح في صوتها: "قراري بالانفصال عمره خمس سنوات، وعُمر القدرة على إخراج القرار إلى حيز التنفيذ شهر. لي شهر أدبر للقاء الطلاق، بالرجاء، وبالحسنى، وبتوسط الأهل، والأقارب، والأصدقاء، وبالتهديد"! ثم تكمّل بحسم: "من المستحل أن أتراجع الآن بعد أن استرددت بعضاً من قدرتي على الفعل". ***
(مكتب المحامي - صالة الاستقبال)
بعد دقائق كانت تجلس وأمامها عبد الفتاح. جاء الساعي بفنجان قهوة لشقيقها، وكوب ماء بارد لها. تنظر من نافذة المكتب للسماء التي ترى لونها مختلفاً عن أي يوم آخر. عبد الفتاح يتأملها في صمت وهو يرتشف قهوته. تنظر في ساعة الحائط التى أمامها. تستعجل الوقت. لقد تأخر زوجها عن الموعد المتفق عليه مسبقاً. الوقت يمر بصعوبة شديدة، وهي متوترة، خائفة من أن يتراجع ولا يأتي في موعده. في هذه الجو الضبابي، الحزين، المؤلم، المشوب بالحذر، بدأت -إلى أن يأتي الزوج- تسترجع شريط حياتها منذ طفولتها، وصباها، وأيام الدراسة، والانتماء الفكري والسياسي، واعتقالها في سجن الحضرة بالإسكندرية عام 1948. وكذلك اعتقالها أيام الرئيس السادات في سجن القناطر. وعلى المستوى الحياتي تجربة خطوبتها الأولى التي لم تنجح -فشلت بعد أسابيع قليلة- من عبد الحميد عبد الغني الذي اشتهر باسم عبد الحميد الكاتب. ثم زواجها الأول -لم يستمر سوى سنتين 1948 / 1949- من زميلها في الفكر اليساري أحمد شكري سالم. والذي تعرضت معه لأول تجربة اعتقال سياسي عام 1949. قضت خلالها 6 أشهر حبساً انفرادياً في سجن"الحضرة"، وطلاقها منه بعد الحكم بسجنه 7 سنوات. ثم زواجها الثاني عام 1954 الذي مرّ عليه حتى هذه اللحظة 13 عاماً. وجاء اليوم، وجاءت الساعة، وحانت اللحظة، التي تودعه فيها آخر وداع. سألها شقيق زوجها الأكبر -وهو المحامي الذي تجلس في مكتبه الآن- أثناء اجتماع عائلي عُقد منذ فترة، للاتفاق على إجراءات الطلاق. قال لها: "وما الذي جدّ لتطلبي الطلاق"؟.. وقتها لم ترد! لكنها في هذه اللحظة، وهي على بُعد خطوة من الطلاق، تستطيع الرد: "لم يكن جديد قد جدّ. وجديد الشيء قديمه، ولا يجد شيء، حين تسقط في الخريف ورقة شجرة، من الشجرة. ورقة الشجرة قد سقطت من زمن عمره يربو على السنوات الخمس. لم يجد شيء من جانب زوجي، وجديد الشيء قديمه، الجديد جدّ علىَّ أنا. أنا الفاعل هذه المرة لا هو. أملك الآن أن أقول كفى". ثم تكمل قائلة: "كيف يتأتى لي أن أشرح للناس أنه زوجي، بما جدّ أو ما لا يجد. بما يفعل وبما لا يفعل. لم يعد من زمن طويل طرفاً في معركة هي أولاً وأخيراً معركتي؛ لأُبعث بعد طول موات. لأفعل. لأكون. لاكتسب من جديد المدار الخطأ، الذي أعرف حتى النخاع، أنه المدار الخطأ؛ لأقضي على الهوة بين ما أقول وما أفعل. بين ما أعتقد وما أعيش"!
*****
(الدقي - إبريل 1996)
دقائق هذا اليوم مرّت وكأنها دهر. هي تذكر ذلك جيداً، أحداثه عالقة في عقلها لم تتأثر بالزمن. في هذا اليوم جلست لتستقبل حياة جديدة، وتودع حياة قديمة. الصمت خيّم على المكان. تختلس النظر إلى شقيقها الذي بدأ التوتر يظهر على ملامحه. نظرتها تقول له: "حضرنا في الموعد المحدد بالدقيقة ولم يحضر هو. انتظر كما تعودت أن انتظر. ولكن انتظاري لم يكن هذه المرة معذباً، كان انتظاراً زهوقاً". بعد دقائق من الانتظار، الزوج جاء.."وصل أنيقاً، كعادته، ومهندماً، وطلب الاختلاء بي ليثنيني عن الطلاق"! ***
(مكتب المحامي - حجرة صغيرة)
في ممر ضيق، يؤدي إلى تلك الحجرة بدأت خطواتها.. "أتبع زوجي إلى حجرة خالية، التقيت في الردهة بمحامٍ كان زميلي في حركة الطلبة في الأربعينيات. جلست على طرف مقعد ذي مسندين. مهذبة. مضمومة الساق، ويداي ملقتين في حِجري. وجلس هو على مقعد مكتب متحرك، بحيث لا تلتقي عيوننا ونحن نتكلم. كنا على عاداتنا طيلة ثلاثة عشر عاماً في منتهى الأدب وفي منتهى التحضر، كما اعتدنا أن نكون في كل الحالات حتى الواحد منا كان يغلي بالغيرة وبالكراهية أو بالرفض لماهية الآخر". الثوانى تمر وكأنها دهر. الصمت ساد المكان. اختنقت في الحلق الكلمات. ثم بعد فترة نطق الزوج قائلاً: "لقد صنعتك". قالها بثقة، وهدوء، وحسم، وأمله أن تتراجع عن قرارها، لكنها -كما يظهر على ملامحها- ترفض أمله، مثلما ترفض التراجع. قالت: "أعلنت إصراري على إتمام اجراءات الطلاق بهدوء". ثم عادت للصمت مرة جديدة، لتسترجع مشوار حياتها، لتعرف -على وجه الدقة- مَن الذي صنعها بالضبط؟ من أجل ذلك عادت بالذاكرة إلى مدينتها الساحلية، على ضفاف البحر.
***
(دمياط ـ 1929)
"كنت في السنة الثالثة من روضة الأطفال حين نُقِلَ أبي من بلدتنا دمياط إلى المنصورة. وقد دُهشت حين التقيت بناظرة مدرسة الروضة بدمياط بعد انقضاء خمسة عشر عاماً، وعكست لي صورتي في الروضة. فقد كانت صورة مخالفة تماما للصورة التي كونتها عن نفسي كطفلة. صورة الفتوة كما كان أبي يصفني أو صورة البنت الصلبة، المتدفقة، الشقية، الضحوكة، الفصيحة" ثم بعد سنوات من طفولة دمياط ينتقل الأب -كان يعمل في الإدارة المحلية- إلى مدينة المنصورة وهناك تتشابك الذكريات مرتبطة بالصبا والشباب.
ولحظة استقبالها لذكريات الماضي البعيد دخل ساعي المكتب. قال: "أجيب لحضرتك كوباية ليمون ساقع" هزت رأسها بالرفض. الزوج أومأ برأسه وهو يطلب فنجان شاي. خرج الساعي وجذب الباب خلفه وتركهما وحدهما. الزوج صامت منتظر ردها. وهي مع الذكريات من بيت إلى بيت ومن مدينة إلى مدينة.. "تنقلت فس حياتي بين الكثير من المساكن، وكانت إقامتي تطول فيها، لمدد تتراوح ما بين اليوم الواحد والعديد من السنين. وانتقلت مع أسرتي إلى مسكنين في المنصورة. أما في أسيوط فلم يسمح لنا الوقت لننتقل من منزل إلى منزل، إذ مات أبي في منزلنا الأول، وأنا في الثانية عشرة من عمري. وفي القاهرة حيث أقمت وأمي وأخواتي بعد موت أبى تعين علينا أن ننتقل من بيت إلى بيت". ***
(المنصورة ـ 1934)
"وفي المنصورة أحببت الطريق إلى مدرسة الروضة المجاورة، لحديقة "شجرة الدر". وأحببت من بعده الطريق إلى المدرسة الابتدائية المجاورة لمبني المحافظة والمحكمة. وذات يوم من أيام عام 1934 يرفض إسماعيل باشا صدقي السماح لمصطفى باشا النحاس زعيم حزب الوفد القيام بزيارة للأقاليم تتضمن زيارة للمنصورة. يُوقف حركة القطارات. ويأتي موكب النحاس في السيارات، تُحيل بلدية المنصورة شارعنا، وبقية الشوارع إلى مجموعة متتالية من الخنادق، لتحول دون موكب النحاس. الشوارع تعج بآلاف المتظاهرين. تعلمت من أخواي "عبد الفتاح" و"محمد" طبيعة الصراع الدائر على طول مصر وعرضها بين الشعب من ناحية وأحزاب الأقليات التي تخدم الملك والاحتلال من ناحية أخرى. واخترت معهما وبهما الخندق الذي أقف فيه". ***
(الدقي - إبريل 1996)
الآن أوشكت على الانتهاء من قراءة رسالة القارئة سعاد محمود -من الإسكندرية- التي أرسلتها إلى عبد الوهاب مطاوع وحملت عنوان "الطلاق أو الموت". التفاصيل نفس التفاصيل. الألم نفس الألم . الشكوي نفس الشكوي. الزمن يتغير ولكن فيما يبدو أوجاعنا ثابتة لا تتغير. في قصة سعاد وجدت قصة تشبه قصتها. حكاية تشبه حكايتها، دموعاً تشبه دموعها. صمتاً يشبه صمتها. وجدت نفسها بين سطور الرسالة رغم فارق الزمن. هذه التشابه المكرر عاد بها لتكمل تلك الذكريات عن هذا اليوم الذي عادت فيه من الموت إلى الحياة.
***
( القاهرة ـ 1965)
داخل مكتب المحامي مازال عبد الفتاح ينتظرها بالخارج. والزوج مازال ينتظر ردها. وهي مازالت جالسة تفكر في ماضيها وحياتها التي اختارتها منذ الطفولة ودراساتها الجامعية، وفي كل ذلك تبحث عن إجابة: هل حقا كما يقول: "صنعتك"؟!.. "لم أشأ أن أُصعّد النغمة حتى لا تفشل مهمتي. وتساءلت وأنا أرقبه: أي مرحلة من مراحل عمري المنقضي صنع؟ أكل المراحل؟ أم لم يصنع هو شيئا؟ ثم تساءلت في دهشة وهي تصف نفسها بأنها كانت من الخارج امرأة ناجحة بفضل عملها وإنجازها. وفي الوقت ذاته امرأة مخربة من الداخل. تسأل"أي من المرأتين صنع؟ وما صنع هو شيئاً؟ أنا التي صنعت نجاحاتي وتعاساتي. وراجعت نفسي قبل أن أرد، لو صعّدت النغمة ستفشل المهمة التي جئت من أجلها"، يبدو الآن أنه فرغ من فنجان الشاي الذي أمامه وينتظر ردها الأخير. وهي مازلت مع ذكرياتها، تتذكر دراستها الجامعية، ورسالة الدكتوراة التي فرغت منها في 1957 وروايتها الشهيرة "الباب المفتوح" التي صدرت عام 1960. تتذكر يوم ترحيلها من مبنى مديرية الإسكندرية إلى سجن الحضرة بتهمة الانضمام إلى تنظيم شيوعي وعمرها 26 عاماً. كل ذلك صنعته هي بنفسها وليس أحداً آخر. بعد فترة طويلة من الصمت خرجت من الحجرة إلى صالة المكتب. وقف عبد الفتاح مسرعاً يستقبلها، ليسمع منها كلمتها الأخيرة: نعم الطلاق لا شيء آخر. واصل الزوج صمته وهو يشير بيده للمحامي قائلاً: اتفضلوا. استكملوا الإجراءات! وهو ينظر لها قائلاً: أنت طالق. الآن هدأت. الآن ابتسمت. الآن جلست على المقعد المجاور لها. ثم مدت يدها لتشرب جرعة ماء وهي تتذكر قوله: لقد صنعتك! ردت: "حتى ولو كنت صنعتني فعلاً، كما تقول، فهذا لا يعطيك الحق في قتلي"، بعد الطلاق امتنعت عن مناقشة أسباب طلاقها، كانت تقول لكل من يسأل: "هو أحسن الناس وأنا أحسن الناس، غير أننا لم نتفق". سألها صديق ذات مرة: لماذا تزوجتيه أصلاً؟ ردت: "كان أول رجل يوقظ الأنثى فىّ"، ثم تكمل قائلة: "كان زواجي قد أثار من الضجة، ربما أكثر مما أثار طلاقي. فقد انتمينا لمعسكرين متضادين. وإن لم أعِ أنا هذه الحقيقة في حينه"؟ الآن انهار كل شيء. وحدث الطلاق! ***
(الدقى ـ 1995 )
هي مازالت جالسة في الشرفة مع هذه ؟؟؟؟؟ مع الزمن وتقلباته. جرس التليفون يرن بجوارها. حاولت أكثر من مرة تجاهله، لكنه لم يتوقف عن الرنين.
ـ الوه.. الوه
ـ أهلاً وسهلا ً. من مجلة حواء. أهلاً بيك. كلمني غداً فى نفس الموعد. مع السلامة.
هى تحب هذه المجلة لأنها ظلت تكتب بها مدافعة عن حقوق المرأة لمدة سنوات من عام 1960 وحتي 1965؛ لذلك هي ترحب بإجراء هذا الحوار مع مجلتها القديمة، القريبة من قلبها. وضعت السماعة بجوارها. بدأت تستعد لمغادرة المكان عائدة إلى غرفة نومها لتستريح. على سريرها. وضعت جسدها الذي بدأ يزعجه المرض بقسوة شديدة. حاولت النوم. ولكن النوم يعاندها، والذكريات مازلت تهاجمها، فتتذكر أمواج الشباب على كوبري عباس عام 1946 وهي تتحرك بقوة وإصرار "وهديرها يخلخل أوتاد الاستعمار" قبل أن ينشطر الكوبري إلى شطرين "ويهوى الشباب إلى النيل عشرات بعد عشرات" تتذكر أول يوم التحقت فيه بالجامعة، وقبولها التحدي والرغبة في إثبات مساواة المرأة بالرجل، وانتخابها ضمن سكرتارية اللجنة العامة الوطنية للطلبة والعمال. وكيف جرفها العمل السياسي الذي اقتنعت به، وجعلها تعاصر فترة المد القومي الناصري الاشتراكي بعد سقوط الملكية، والتحول الذي حدث في مصر حتى وصلت -أي مصر- إلى هزيمة 1967. هي تذكر هذا اليوم جيداً. يوم الهزيمة، الحزينة، المريرة، المؤلمة "هذه الهزيمة حدثت لي أنا على المستوى الشخصي، وأقسى ما حدث لي على المستوى الشخصي"، ثم تكمل قائلة: "لم يفهم مغزى ما أقول سوى القلة، ولكني أعرف أيضا أن ما حدث لي خلال 1972 إلى 1973 قد استعصى على تربيتي السياسية. وفي هذه الفترة فقدت فجأة زوج أختي وصديقي وزميلى محمد الخفيف في إبريل 1972. وأخي في مايو 1973"، ثم يمتد بها شريط الأحزان إلى ليلة سبتمبر 1981 في هذه الليلة "تم إلقاء القبض علىّ في منزلي"، كان عمرها في ذلك الوقت 58 عاماً وقُبض عليها ضمن 1500 من معارضي كامب ديفيد!
***
( الدقى- إبريل 1996)
مازالت على سريرها، تستدعي النوم. تطاردها الذكريات. مدت يدها إلى الكوميدينو، وضعت الصحيفة مفتوحة على قصة سعاد محمود. أدارت المذياع المثبت على إذاعة صوت العرب. تناولت ثلاثة أنواع من الدواء. مدت جسدها المُتعب قليلاً، نظرت إلى السماء من شرفة الغرفة. ثم في هدوء... نامت!
خيري حسن.
***
* الأحداث حقيقية من واقع مذكرات الدكتورة لطيفة الزيات "أوراق شخصية - حملة تفتيش"طبعة مكتبة الأسرة 2004
***
* السيناريو من خيال الكاتب.