قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، تُفتح غرف أخرى.
غرف صغيرة لا تدخلها الكاميرات. هواتف لا نسمع ما يدور فيها. رسل ينتقلون بين خصوم. أسماء تُشطب، وأخرى تُضاف، وتحالفات كانت تبدو مستحيلة بالأمس تصبح اليوم «موضع تشاور».
وفي الخارج يقف المجتمع الفلسطيني منتظرًا الصورة التي ستُعلَّق أمامه عندما يحين موعد الاختيار.
المفارقة أن الجميع تقريبًا يتحدث باسمه.
فتح تقول إنها ذاهبة إلى انتخابات مصيرية، وإنها ستخوضها بقائمة واحدة لم تعلن أسماءها بعد، فيما لا تخفي جدران البيت الفتحاوي ما يدور خلفها من خلافات. فتحاويون آخرون يتحركون خارج القائمة الرسمية؛ قدورة فارس وعيسى قراقع في مسار، وناصر القدوة في فضاء آخر، و«التحالف من أجل التغيير» يجمع أسماء واتجاهات مختلفة، وتيار الإصلاح الديمقراطي يتحرك بدوره. حماس قررت المشاركة وتبحث عن أوسع ائتلاف ممكن. الشعبية تدخل المشهد. المبادرة تتحرك بين دوائر التشاور، وقوى أخرى ما تزال تقيس المسافة بين مقاعدها المحتملة ومواقع أقدامها.
كل شيء يتحرك قبل أن تُسجَّل قائمة واحدة رسميًا.
كأننا أمام موقع تصوير قبل أن يقول المخرج: حركة.
الجميع يغيّر موقعه في الكادر.
لكنني كلما نظرت إلى هذا الازدحام لا أسأل: من سيتحالف مع من؟
أسأل: أين المجتمع من كل هذا؟
وهل المجتمع الذي سيذهب إلى الانتخابات هو نفسه الذي نراه في استطلاعات الرأي غاضبًا، متشككًا، رافضًا، باحثًا عن شيء لا يجده في فتح ولا في حماس؟
أم أن لدينا مجتمعين: واحدًا يتحدث بحرية عندما يُسأل عن رأيه، وآخر يظهر عندما تصبح ورقة الاقتراع في يده؟
الزر الذي بقي بعد صاحبه
عرفت في حياتي السياسية زمنًا كان فيه المجتمع الفلسطيني يُعامل أحيانًا كما لو أنه «كبسة زر».
أبو عمار كان يعرف هذا الزر جيدًا.
عندما يريد الشارع، يتحرك الشارع. وعندما يحتاج إلى الناس، تمتلئ الساحات.
لكن الأمر لم يكن سحرًا. خلف الزر كانت ثورة وتنظيمات واتحادات ومؤسسات ومخيمات وكوادر وشبكة طويلة من العلاقات، وكانت هناك شخصية ياسر عرفات بما حملته لدى قطاعات واسعة من رمزية وشرعية وعلاقة خاصة بالناس.
رحل أبو عمار.
لكن الذين جاؤوا بعده ورثوا، في جانب من ممارستهم، فكرة الزر أكثر مما ورثوا أسباب عمله.
فتح تتصرف أحيانًا كأن فتحاوييها، مهما غضبوا، سيعودون عندما تحين ساعة الجد.
حماس تفترض أن جمهورها سيعود عندما يصبح الخيار بينها وبين خصومها.
الفصائل تتحدث عن «جماهيرها».
والمنشقون يراهنون على الغاضبين.
والقوائم الجديدة تبحث عن «المستقلين» و«الكفاءات» و«الشخصيات المجتمعية» بعد أن تبدأ هي في ترتيب الطاولة.
كل قوة تحتفظ في خيالها بصورة مجتمع موضوع في مكان ما، ينتظر فقط أن تناديه.
لكن ثلاثين عامًا مرّت.
سلطة قامت. انقسام وقع. حماس حكمت غزة. فتح حكمت من خلال السلطة في الضفة. حروب مرت. غزة دُمّرت. الاستيطان تمدد. الاقتصاد اختنق. أجيال كاملة وُلدت ولم تعرف من السياسة الفلسطينية إلا هذه البنية.
ولذلك فإن السؤال ليس: من يملك الزر؟
السؤال:
هل ما زالت الأسلاك القديمة موصولة به؟
لا أرى في الاستطلاع ثورة
لا يخبرني استطلاع الرأي الأخير أن المجتمع الفلسطيني أصبح فجأة مجتمعًا جديدًا.
ولا أقرأ نسبة الـ44% الذين يقولون إن لا فتح ولا حماس تستحقان القيادة والتمثيل كأن حزبًا ثالثًا ولد بين ليلة وضحاها.
على العكس.
هذه النسبة تقلقني بقدر ما تثير اهتمامي.
لأن الرفض سهل.
أما صناعة البديل فصعبة.
حماس تراجعت.
لكن فتح لم ترث تراجعها.
وهذه عندي واحدة من أهم النتائج.
لو كان المجتمع ما يزال محكومًا بالكامل بثنائية فتح وحماس، لتحركت الكفة ببساطة: ما تخسره واحدة تربحه الأخرى.
لكن ذلك لم يحدث.
شيء ما خرج من الكفتين.
إلى أين ذهب؟
لا نعرف.
قد يكون تحررًا.
وقد يكون ضياعًا.
قد يكون بحثًا عن بديل.
وقد يكون غضبًا سيذوب عندما يصبح الصندوق أمام صاحبه.
وقد يكون مواطنًا يقول اليوم: «لا أحد يمثلني»، ثم يعود غدًا إلى التنظيم الذي غضب منه عندما يخاف من انتصار التنظيم الآخر.
ولهذا لا أثق بالأرقام وحدها.
ليس لأنني أتهم من أجرى الاستطلاع، ولا لأن الرقم الذي لا يعجبني يصبح رقمًا مشبوهًا. الاستطلاع شمل الضفة وغزة، وأظهر تراجع حماس كما أظهر أزمة فتح والسلطة، وفتح نافذة واسعة على مزاج المجتمع.
لكنه يلتقط لحظة رأي.
أما الانتخابات فتلتقط لحظة قرار.
وبين الرأي والقرار توجد حياة كاملة.
2006… حين كان الغضب يجد بابًا
لهذا تعود بي الذاكرة إلى انتخابات 2006.
رأيت فتحاويين لم يصبحوا حمساويين، ولم يستيقظوا صباحًا ليكتشفوا أنهم اعتنقوا البرنامج السياسي لحماس.
كانوا يريدون معاقبة فتح.
غضب من القيادة. غضب من الفساد. غضب من الفوضى. غضب من الصراعات الداخلية. غضب من شعور بأن الحركة التي حملوها طويلًا لم تعد تسمعهم.
ولدينا مثل شعبي فظ، لكنه يلتقط أحيانًا جانبًا عجيبًا من السلوك البشري: «بيشخ في لباسه ضد الطهارة».
كان بعض التصويت يومها يحمل شيئًا من هذا العقاب: سأؤلمك، حتى لو اضطررت إلى إعطاء صوتي لخصمك.
لكن البحث في انتخابات 2006 يمنعني من اختزال النتيجة في غضب الفتحاويين.
حماس يومها لم تكن مجرد وعاء فارغ وضع الناس غضبهم داخله.
كانت تقدم صورة التنظيم المنضبط، وشعار «التغيير والإصلاح»، وسمعة أقل ارتباطًا بالفساد، وبرنامجًا مقاومًا، وقدمت شخصيات امتلك بعضها حضورًا واحترامًا اجتماعيًا يتجاوز حدود التنظيم.
وفي المقابل دخلت فتح منهكة بصراعاتها، وبمرشحين رسميين وآخرين خرجوا عليها، فتشتت جزء من أصواتها.
كان هناك إذن غضب، وكان هناك أيضًا بديل جاهز لالتقاط الغضب.
خرج الناخب من باب.
فوجد بابًا آخر أمامه.
لكنه لم يصنع الباب.
وهذه هي المسافة التي تهمني بين 2006 و2026.
المجتمع أثبت يومها أنه يستطيع معاقبة قوة سياسية.
لكنه لم يثبت أنه يستطيع أن يبني قوته السياسية المستقلة.
انتقلت كتلة من قوة منظمة إلى قوة منظمة أخرى.
وهناك فرق هائل بين أن تغير الحاكم، وبين أن تغير علاقتك بالحكم.
هذه المرة الممر مليء بالأبواب
في 2026 لا ينتظر الغاضبين باب واحد.
الممر طويل.
على جانبيه فتح الرسمية، وفتحاويون خارج قائمتها، وقدورة فارس، وناصر القدوة، والتحالف من أجل التغيير، وتيار الإصلاح، وحماس، والشعبية، والمبادرة، وقوى أخرى لم تحسم بعد أين ستقف عندما يبدأ التسجيل الرسمي للقوائم.
للوهلة الأولى تبدو الصورة جميلة.
تعدد.
تنافس.
خيارات.
لكنني كلما اقتربت بالكاميرا من الأبواب سألت:
هل خلف كل باب بيت جديد فعلًا؟
فكثرة القوائم لا تعني بالضرورة كثرة البدائل.
قد ندخل الانتخابات بعشر قوائم أو عشرين، ثم نكتشف عندما تقترب الكاميرا من الوجوه أن جزءًا كبيرًا منها خرج من النظام السياسي نفسه، أو من انشقاقاته، أو من قياداته السابقة، أو من القوى التي حكمت وعارضت وتقاسمت المجال السياسي طوال العقود الماضية.
تتغير الأسماء.
يتغير ترتيب المقاعد.
ينتقل الرجل من هذه الزاوية إلى تلك.
لكن ماذا لو بقي المسرح نفسه؟
حين يجلس الدم إلى طاولة الحسابات
وبين كل التحركات الجارية، هناك مشهد لا أستطيع المرور عليه كما أمر على بقية أخبار التحالفات:
احتمال اللقاء الانتخابي بين حماس وتيار الإصلاح الديمقراطي.
لا أستطيع أن أقرأه كخبر يقول إن قوتين تبحثان عن زيادة فرصهما الانتخابية.
فالذاكرة الفلسطينية ليست ورقة إكسل.
بين حماس والتيار المرتبط بمحمد دحلان تاريخ لا يتكون من بيانات صحفية فقط.
هناك سنوات الانقسام، وصراع مرير في غزة، ومواجهات 2007 وما أحاط بها، وفلسطينيون سقطوا بأيدي فلسطينيين، واعتقالات وملاحقات واتهامات وبيوت حملت صور أبنائها، وعائلات لم تكن بالنسبة إليها الكلمات المستخدمة يومها استعارات سياسية.
لكل طرف روايته.
ولكل طرف ضحاياه وذاكرته.
وكانت الكلمات يومها حادة كالسكاكين:
انقلاب.
خيانة.
فتنة.
دم.
ثم تدور الكاميرا ثمانية عشر عامًا.
نعود إلى المكان.
لكن الطاولة تغيرت.
فوقها هذه المرة أوراق انتخابات.
مقاعد.
نسب.
تحالفات.
احتمالات.
ويبدأ الخصمان في استكشاف إمكان السير في اتجاه واحد.
لا أقول إن الخصوم يجب أن يبقوا أعداء إلى الأبد.
الشعوب التي لا تستطيع المصالحة مع تاريخها تبقى سجينة له.
لكن المصالحة شيء، وصفقة الانتخابات شيء آخر.
المصالحة تمر من أمام بيوت الضحايا.
تطرق الأبواب.
تعترف.
تسأل.
تتحمل المسؤولية.
تقول للناس ماذا حدث، ولماذا حدث، وكيف نضمن ألا يحدث مرة أخرى.
أما إذا استطاعت السياسة أن تنتقل من الدم مباشرة إلى حساب المقاعد، فإن السؤال يصبح مؤلمًا:
ماذا كان كل ذلك إذن؟
إذا كانت الضرورة الانتخابية تستطيع اليوم جمع مَن قيل للناس بالأمس إن اللقاء معه خيانة، فما قيمة الخطوط الحمراء التي طُلب من المجتمع أن يدفع ثمنها؟
وإذا كانت المصلحة تستطيع أن تمحو الكلمات القديمة، فهل تستطيع أن تمحو كرسيًا ما يزال فارغًا في بيت؟
أم أن الدم يبقى في ذاكرة الناس بينما يجف سريعًا على أوراق السياسيين؟
هذا ليس سؤالًا لحماس وحدها.
ولا لتيار الإصلاح وحده.
إنه سؤال للسياسة الفلسطينية كلها.
كم مرة قُدمت لنا المصلحة باعتبارها مبدأ؟
وكم مرة قُدم لنا المبدأ، ثم اكتشفنا عندما تغير ميزان القوى أنه كان مصلحة؟
ولكن… هل المجتمع أفضل منهم؟
هنا أصل إلى المكان الذي لا أريد أن أجامل فيه نفسي ولا القارئ.
من السهل أن نهاجم الفصائل.
ومن السهل أن نقول: أعيدوا السلطة إلى المجتمع.
وأنا أؤمن أن المجتمع هو مصدر الشرعية.
لكن ذلك لا يعني أنني أثق ثقة عمياء بوعيه السياسي.
فالشعب ليس ملاكًا لمجرد أنه شعب.
ولا يصبح المواطن مستقلًا لأننا سميناه «المجتمع».
المجتمع الفلسطيني عاش تحت احتلال طويل، ثم نشأت داخله سلطة أصبحت خلال أكثر من ثلاثة عقود جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.
الراتب ليس نظرية سياسية.
الوظيفة ليست شعارًا.
ترقية الابن ليست بندًا في برنامج انتخابي.
العلاج، والمساعدة، والمؤسسة، والعلاقة، والعائلة، والمصلحة، والخوف على المستقبل، كلها تدخل غرفة الاقتراع من دون أن تحمل بطاقات مراقبين.
والإنسان الذي يقول لك مساءً إنه يريد تغيير النظام قد يستيقظ صباحًا ويسأل:
ماذا عن راتبي؟
ماذا عن ابني؟
ماذا عن وظيفتي؟
ماذا لو فاز الآخر؟
ثم يأتي التنظيم.
وتأتي العائلة.
ويأتي الخوف.
وتأتي ذاكرة قديمة تقول له إن الوقوف بعيدًا عن صاحب القوة قد يكون مكلفًا.
وفي ثقافتنا الشعبية مثل أكثر قسوة من عشرات الدراسات:
«من يتزوج أمي أقول له عمي».
ليس لأن الفلسطيني بلا كرامة.
بل لأن الإنسان عندما يقتنع أن السياسة أكبر منه، وأنه لا يستطيع تغييرها، يتعلم كيف يتكيف معها.
وهنا أخشى أن نكتشف في الانتخابات ظاهرة شديدة القسوة:
وعيًا أكثر تحررًا في الكلام… وسلوكًا أقل تحررًا أمام الصندوق.
الأغلبية الصامتة قد تكون أضعف الجميع
لهذا لا تطمئنني عبارة «الأغلبية الصامتة».
ماذا لو بقيت صامتة؟
قد يكون لدينا مئات الآلاف الذين لا يثقون بفتح ولا بحماس ولا بالفصائل.
لكنهم لا يعرفون بعضهم بعضًا سياسيًا.
لا برنامج يجمعهم.
لا آلية لاختيار ممثليهم.
لا مؤسسة.
لا تنظيم.
ولا اتفاق حتى على معنى التغيير.
واحد يريد دولة مدنية.
آخر يريد المقاومة.
ثالث يريد تسوية سياسية.
رابع يريد مروان البرغوثي.
خامس يريد أن تنتهي السلطة.
سادس يريد إصلاحها.
وسابع لا يريد من السياسة إلا أن تتركه يعيش.
يجمعهم شيء واحد:
الغضب.
لكن الغضب لا يشكل قائمة.
والصمت لا يحصل على مقاعد.
وقد تأتي الانتخابات لنكتشف المفارقة الأكثر قسوة:
أن القوى التي لا يثق بها معظم الناس تعرف كيف تنظم الأقلية التي تثق بها، بينما الأغلبية التي ترفضها لا تعرف كيف تنظم نفسها.
فتفوز الأقلية المنظمة.
ويعود الصامت إلى بيته.
ثم تظهر القيادة المنتصرة في اليوم التالي وتقول:
الشعب اختارنا.
حين يدخل الجميع خلف الستارة
هناك أسئلة مشروعة حول قانون الانتخابات التشريعية وشروطها والتعديلات التي أدخلت عليها، وحول معنى القول إن الانتخابات تجري في إطار «الالتزامات والاتفاقيات القائمة».
هذه أسئلة لا يجوز إخفاؤها خارج الكادر.
لكن هناك شيئًا آخر أريد أن تقترب منه الكاميرا.
يد الناخب.
حين يمسك الفلسطيني ورقة الاقتراع، كم يدًا تمسك يده معه؟
الفصيل؟
العائلة؟
الراتب؟
الوظيفة؟
الخوف؟
الاحتلال؟
الخصومة؟
الذاكرة؟
المصلحة؟
أم قناعته وحدها؟
لا أعرف.
ولهذا لا أستطيع أن أقول إن المجتمع خرج من عباءة القوى السياسية.
ربما أخرج رأسه.
وربما أصبح يرى ما وراءها.
وربما أدرك أن من كان يعتقد أنهم يمثلونه لم يعودوا يمثلونه.
لكن قدميه ربما ما تزالان في الداخل.
وهذه المسافة بين الرأس والقدمين هي التي ستقرر الكثير.
ليست كل خسارة ولادة
أهم ما كشفه الاستطلاع الأخير بالنسبة إلي ليس ضعف هذا الطرف أو تقدم ذاك.
الأهم:
حماس خسرت، ولم تربح فتح خسارتها.
شيء ما خرج من الطرفين.
لكنني أرفض أن أسميه فورًا «البديل».
فالفراغ ليس بديلًا.
والغضب ليس مشروعًا.
والرفض ليس مؤسسة.
والاستقلال في استطلاع الرأي ليس بالضرورة استقلالًا أمام صندوق الاقتراع.
قد تكون هذه المساحة بداية ولادة سياسية جديدة.
وقد تكون مجرد محطة انتظار.
وقد تتفتت بين عشر قوائم.
وقد تعود أجزاء منها، في الأيام الأخيرة، إلى البيوت القديمة.
وهنا ستُختبر المسألة كلها.
ليس ذكاء الأحزاب وحده.
بل وعي المجتمع أيضًا.
صباح الانتخابات
أتخيل صباح الانتخابات.
الكاميرا لا تبدأ عند صندوق الاقتراع.
تبدأ داخل بيت فلسطيني.
رجل يشرب قهوته.
منذ أشهر وهو يشتم الجميع.
قال في الاستطلاع إنه لا يثق بفتح.
ولا بحماس.
ولا بالسلطة.
وقال لأصدقائه إن البلد تحتاج إلى وجوه جديدة.
ينهض.
يلبس.
يخرج.
في الطريق يرن هاتفه.
قريب يذكره بمرشح العائلة.
صديق يحذره من فوز الطرف الآخر.
موظف يتذكر مديره.
أب يفكر في وظيفة ابنه.
فتحاوي غاضب يتذكر الحركة.
حمساوي غاضب يتذكر خصوم حماس.
ويمشي الرجل نحو الصندوق.
الكاميرا خلفه.
كلما اقترب، ازدحمت حوله أشباح لا تظهر في استطلاعات الرأي:
العائلة.
الفصيل.
المصلحة.
الخوف.
الذاكرة.
وعندما يدخل خلف الستارة لا نرى أحدًا.
هو وحده.
ورقة.
وقلم.
هذه اللحظة هي التي ستجيب عن سؤال لا يستطيع أي استطلاع أن يجيب عنه:
هل دخل الرجل خلف الستارة وحده فعلًا؟
أم دخل الجميع معه؟
وماذا لو لم يصل الصندوق؟
لكن بقي مشهد أخير.
ربما هو الأهم.
افترضنا طوال المقال أن الرجل سيصل.
أن مراكز الاقتراع ستفتح.
وأن الورقة ستكون هناك.
وأن معركتنا الأخيرة ستكون بين قناعته وبين كل الأشباح التي دخلت معه خلف الستارة.
لكن ماذا لو لم يصل إلى هذه اللحظة أصلًا؟
ماذا لو تحركت القوائم، وبدأت التحالفات، وارتفعت حرارة الشارع، وظهرت استطلاعات جديدة، وبدأت ملامح نتيجة لا تريح مَن اعتاد امتلاك المشهد؟
ماذا لو تأجلت الانتخابات؟
أو أُلغيت؟
هذا ليس سؤالًا خياليًا.
لقد وقف الفلسطيني أمام باب الانتخابات عام 2021.
ثم أُغلق الباب قبل أن يدخل.
وكان للقرار يومها أسبابه وروايته السياسية، وفي مقدمتها قضية مشاركة القدس.
لكن الكاميرا عندما ابتعدت عن البيانات والتبريرات أبقت أمامنا حقيقة واحدة:
لم تحدث الانتخابات.
ولهذا لا يكفي في 2026 أن نسأل المجتمع:
هل ستصوت؟
ولمن؟
وهل تحررت من فتح وحماس؟
وهل تستطيع تجاوز العائلة والمصلحة والراتب والخوف؟
هناك سؤال يسبق كل ذلك:
هل ستُترك له الانتخابات حتى نهايتها؟
لا أقول إن الانتخابات ستؤجل.
ولا أقول إنها ستلغى.
لكن السياسة لا تُقرأ بالنوايا وحدها.
تُقرأ أيضًا بالسوابق وبالقواعد وبما يحدث عندما تصبح النتيجة مجهولة.
فإذا كانت الانتخابات طريقًا لاستعادة الشرعية، فإن أول امتحان للشرعية لا يأتي بعد فرز الأصوات.
يأتي قبله.
أن تقبل النتيجة قبل أن تعرفها.
أن تدخل فتح الانتخابات وهي مستعدة لأن تخسر.
وأن تدخل حماس وهي مستعدة لأن تخسر.
وأن تدخل الشعبية والإصلاح والتحالفات والمستقلون وكل القوى وهم يعرفون أن المجتمع ليس ملكًا لأحد.
وأن يلتزم النظام السياسي بإكمال العملية حتى لو بدأت الصناديق ترسم مشهدًا لم يكن مكتوبًا في السيناريو.
فالمجتمع لا يكون مصدرًا للشرعية إذا كان مسموحًا له أن يختار فقط عندما تكون نتيجة اختياره مقبولة مسبقًا.
اللقطة الأخيرة
وهنا تعود «كبسة الزر».
للمرة الأخيرة.
طوال عقود اعتادت السياسة الفلسطينية أن تمد يدها إلى الحائط وتضغط.
فتأتي الجماهير.
هذه المرة تمتد اليد.
تضغط.
ولا يتحرك المجتمع كما كان يتحرك.
تضغط ثانية.
فتظهر أرقام لم تكن متوقعة.
تضغط ثالثة.
فتتشكل قوائم خارج البيوت القديمة.
تقترب الكاميرا من اليد.
ثم تتركها.
تنزل خلف الحائط.
إلى الأسلاك.
بعضها ما يزال موصولًا:
المصلحة.
العائلة.
التنظيم.
الراتب.
الخوف.
الذاكرة.
وبعضها يبدو أنه بدأ ينقطع:
الثقة.
الهيبة.
التسليم.
الاعتقاد بأن مَن في الأعلى يعرف دائمًا ما يريده مَن في الأسفل.
ثم يحدث شيء لم تتعلم السياسة الفلسطينية بعد كيف تتعامل معه.
يمد المجتمع يده هو الآخر.
ليس إلى ورقة الاقتراع هذه المرة.
إلى الزر نفسه.
وهنا يصبح الامتحان مزدوجًا.
هل يستطيع المجتمع أن ينتزع قراره من العائلة والفصيل والمصلحة والخوف؟
وهل يستطيع النظام السياسي أن يرى المجتمع يفعل ذلك… ثم يتركه يكمل الطريق؟
لا قائد في مقدمة اللقطة.
لا راية فصيل تغطي الكادر.
الناس تمشي.
لا أحد يستدعيها.
هي التي جاءت.
وعند باب مركز الاقتراع يبقى السؤال الأخير:
هل يملك النظام السياسي الفلسطيني الشجاعة ليرى المجتمع يختار… ثم يقبل بما اختار؟
لأن الانتخابات لا تصبح ديمقراطية عندما نعرف مَن فاز.
تصبح ديمقراطية عندما لا يعرف أحد مَن سيفوز،
ومع ذلك يجرؤ الجميع على فتح الصندوق.
يحيى بركات
20/8/2026
غرف صغيرة لا تدخلها الكاميرات. هواتف لا نسمع ما يدور فيها. رسل ينتقلون بين خصوم. أسماء تُشطب، وأخرى تُضاف، وتحالفات كانت تبدو مستحيلة بالأمس تصبح اليوم «موضع تشاور».
وفي الخارج يقف المجتمع الفلسطيني منتظرًا الصورة التي ستُعلَّق أمامه عندما يحين موعد الاختيار.
المفارقة أن الجميع تقريبًا يتحدث باسمه.
فتح تقول إنها ذاهبة إلى انتخابات مصيرية، وإنها ستخوضها بقائمة واحدة لم تعلن أسماءها بعد، فيما لا تخفي جدران البيت الفتحاوي ما يدور خلفها من خلافات. فتحاويون آخرون يتحركون خارج القائمة الرسمية؛ قدورة فارس وعيسى قراقع في مسار، وناصر القدوة في فضاء آخر، و«التحالف من أجل التغيير» يجمع أسماء واتجاهات مختلفة، وتيار الإصلاح الديمقراطي يتحرك بدوره. حماس قررت المشاركة وتبحث عن أوسع ائتلاف ممكن. الشعبية تدخل المشهد. المبادرة تتحرك بين دوائر التشاور، وقوى أخرى ما تزال تقيس المسافة بين مقاعدها المحتملة ومواقع أقدامها.
كل شيء يتحرك قبل أن تُسجَّل قائمة واحدة رسميًا.
كأننا أمام موقع تصوير قبل أن يقول المخرج: حركة.
الجميع يغيّر موقعه في الكادر.
لكنني كلما نظرت إلى هذا الازدحام لا أسأل: من سيتحالف مع من؟
أسأل: أين المجتمع من كل هذا؟
وهل المجتمع الذي سيذهب إلى الانتخابات هو نفسه الذي نراه في استطلاعات الرأي غاضبًا، متشككًا، رافضًا، باحثًا عن شيء لا يجده في فتح ولا في حماس؟
أم أن لدينا مجتمعين: واحدًا يتحدث بحرية عندما يُسأل عن رأيه، وآخر يظهر عندما تصبح ورقة الاقتراع في يده؟
الزر الذي بقي بعد صاحبه
عرفت في حياتي السياسية زمنًا كان فيه المجتمع الفلسطيني يُعامل أحيانًا كما لو أنه «كبسة زر».
أبو عمار كان يعرف هذا الزر جيدًا.
عندما يريد الشارع، يتحرك الشارع. وعندما يحتاج إلى الناس، تمتلئ الساحات.
لكن الأمر لم يكن سحرًا. خلف الزر كانت ثورة وتنظيمات واتحادات ومؤسسات ومخيمات وكوادر وشبكة طويلة من العلاقات، وكانت هناك شخصية ياسر عرفات بما حملته لدى قطاعات واسعة من رمزية وشرعية وعلاقة خاصة بالناس.
رحل أبو عمار.
لكن الذين جاؤوا بعده ورثوا، في جانب من ممارستهم، فكرة الزر أكثر مما ورثوا أسباب عمله.
فتح تتصرف أحيانًا كأن فتحاوييها، مهما غضبوا، سيعودون عندما تحين ساعة الجد.
حماس تفترض أن جمهورها سيعود عندما يصبح الخيار بينها وبين خصومها.
الفصائل تتحدث عن «جماهيرها».
والمنشقون يراهنون على الغاضبين.
والقوائم الجديدة تبحث عن «المستقلين» و«الكفاءات» و«الشخصيات المجتمعية» بعد أن تبدأ هي في ترتيب الطاولة.
كل قوة تحتفظ في خيالها بصورة مجتمع موضوع في مكان ما، ينتظر فقط أن تناديه.
لكن ثلاثين عامًا مرّت.
سلطة قامت. انقسام وقع. حماس حكمت غزة. فتح حكمت من خلال السلطة في الضفة. حروب مرت. غزة دُمّرت. الاستيطان تمدد. الاقتصاد اختنق. أجيال كاملة وُلدت ولم تعرف من السياسة الفلسطينية إلا هذه البنية.
ولذلك فإن السؤال ليس: من يملك الزر؟
السؤال:
هل ما زالت الأسلاك القديمة موصولة به؟
لا أرى في الاستطلاع ثورة
لا يخبرني استطلاع الرأي الأخير أن المجتمع الفلسطيني أصبح فجأة مجتمعًا جديدًا.
ولا أقرأ نسبة الـ44% الذين يقولون إن لا فتح ولا حماس تستحقان القيادة والتمثيل كأن حزبًا ثالثًا ولد بين ليلة وضحاها.
على العكس.
هذه النسبة تقلقني بقدر ما تثير اهتمامي.
لأن الرفض سهل.
أما صناعة البديل فصعبة.
حماس تراجعت.
لكن فتح لم ترث تراجعها.
وهذه عندي واحدة من أهم النتائج.
لو كان المجتمع ما يزال محكومًا بالكامل بثنائية فتح وحماس، لتحركت الكفة ببساطة: ما تخسره واحدة تربحه الأخرى.
لكن ذلك لم يحدث.
شيء ما خرج من الكفتين.
إلى أين ذهب؟
لا نعرف.
قد يكون تحررًا.
وقد يكون ضياعًا.
قد يكون بحثًا عن بديل.
وقد يكون غضبًا سيذوب عندما يصبح الصندوق أمام صاحبه.
وقد يكون مواطنًا يقول اليوم: «لا أحد يمثلني»، ثم يعود غدًا إلى التنظيم الذي غضب منه عندما يخاف من انتصار التنظيم الآخر.
ولهذا لا أثق بالأرقام وحدها.
ليس لأنني أتهم من أجرى الاستطلاع، ولا لأن الرقم الذي لا يعجبني يصبح رقمًا مشبوهًا. الاستطلاع شمل الضفة وغزة، وأظهر تراجع حماس كما أظهر أزمة فتح والسلطة، وفتح نافذة واسعة على مزاج المجتمع.
لكنه يلتقط لحظة رأي.
أما الانتخابات فتلتقط لحظة قرار.
وبين الرأي والقرار توجد حياة كاملة.
2006… حين كان الغضب يجد بابًا
لهذا تعود بي الذاكرة إلى انتخابات 2006.
رأيت فتحاويين لم يصبحوا حمساويين، ولم يستيقظوا صباحًا ليكتشفوا أنهم اعتنقوا البرنامج السياسي لحماس.
كانوا يريدون معاقبة فتح.
غضب من القيادة. غضب من الفساد. غضب من الفوضى. غضب من الصراعات الداخلية. غضب من شعور بأن الحركة التي حملوها طويلًا لم تعد تسمعهم.
ولدينا مثل شعبي فظ، لكنه يلتقط أحيانًا جانبًا عجيبًا من السلوك البشري: «بيشخ في لباسه ضد الطهارة».
كان بعض التصويت يومها يحمل شيئًا من هذا العقاب: سأؤلمك، حتى لو اضطررت إلى إعطاء صوتي لخصمك.
لكن البحث في انتخابات 2006 يمنعني من اختزال النتيجة في غضب الفتحاويين.
حماس يومها لم تكن مجرد وعاء فارغ وضع الناس غضبهم داخله.
كانت تقدم صورة التنظيم المنضبط، وشعار «التغيير والإصلاح»، وسمعة أقل ارتباطًا بالفساد، وبرنامجًا مقاومًا، وقدمت شخصيات امتلك بعضها حضورًا واحترامًا اجتماعيًا يتجاوز حدود التنظيم.
وفي المقابل دخلت فتح منهكة بصراعاتها، وبمرشحين رسميين وآخرين خرجوا عليها، فتشتت جزء من أصواتها.
كان هناك إذن غضب، وكان هناك أيضًا بديل جاهز لالتقاط الغضب.
خرج الناخب من باب.
فوجد بابًا آخر أمامه.
لكنه لم يصنع الباب.
وهذه هي المسافة التي تهمني بين 2006 و2026.
المجتمع أثبت يومها أنه يستطيع معاقبة قوة سياسية.
لكنه لم يثبت أنه يستطيع أن يبني قوته السياسية المستقلة.
انتقلت كتلة من قوة منظمة إلى قوة منظمة أخرى.
وهناك فرق هائل بين أن تغير الحاكم، وبين أن تغير علاقتك بالحكم.
هذه المرة الممر مليء بالأبواب
في 2026 لا ينتظر الغاضبين باب واحد.
الممر طويل.
على جانبيه فتح الرسمية، وفتحاويون خارج قائمتها، وقدورة فارس، وناصر القدوة، والتحالف من أجل التغيير، وتيار الإصلاح، وحماس، والشعبية، والمبادرة، وقوى أخرى لم تحسم بعد أين ستقف عندما يبدأ التسجيل الرسمي للقوائم.
للوهلة الأولى تبدو الصورة جميلة.
تعدد.
تنافس.
خيارات.
لكنني كلما اقتربت بالكاميرا من الأبواب سألت:
هل خلف كل باب بيت جديد فعلًا؟
فكثرة القوائم لا تعني بالضرورة كثرة البدائل.
قد ندخل الانتخابات بعشر قوائم أو عشرين، ثم نكتشف عندما تقترب الكاميرا من الوجوه أن جزءًا كبيرًا منها خرج من النظام السياسي نفسه، أو من انشقاقاته، أو من قياداته السابقة، أو من القوى التي حكمت وعارضت وتقاسمت المجال السياسي طوال العقود الماضية.
تتغير الأسماء.
يتغير ترتيب المقاعد.
ينتقل الرجل من هذه الزاوية إلى تلك.
لكن ماذا لو بقي المسرح نفسه؟
حين يجلس الدم إلى طاولة الحسابات
وبين كل التحركات الجارية، هناك مشهد لا أستطيع المرور عليه كما أمر على بقية أخبار التحالفات:
احتمال اللقاء الانتخابي بين حماس وتيار الإصلاح الديمقراطي.
لا أستطيع أن أقرأه كخبر يقول إن قوتين تبحثان عن زيادة فرصهما الانتخابية.
فالذاكرة الفلسطينية ليست ورقة إكسل.
بين حماس والتيار المرتبط بمحمد دحلان تاريخ لا يتكون من بيانات صحفية فقط.
هناك سنوات الانقسام، وصراع مرير في غزة، ومواجهات 2007 وما أحاط بها، وفلسطينيون سقطوا بأيدي فلسطينيين، واعتقالات وملاحقات واتهامات وبيوت حملت صور أبنائها، وعائلات لم تكن بالنسبة إليها الكلمات المستخدمة يومها استعارات سياسية.
لكل طرف روايته.
ولكل طرف ضحاياه وذاكرته.
وكانت الكلمات يومها حادة كالسكاكين:
انقلاب.
خيانة.
فتنة.
دم.
ثم تدور الكاميرا ثمانية عشر عامًا.
نعود إلى المكان.
لكن الطاولة تغيرت.
فوقها هذه المرة أوراق انتخابات.
مقاعد.
نسب.
تحالفات.
احتمالات.
ويبدأ الخصمان في استكشاف إمكان السير في اتجاه واحد.
لا أقول إن الخصوم يجب أن يبقوا أعداء إلى الأبد.
الشعوب التي لا تستطيع المصالحة مع تاريخها تبقى سجينة له.
لكن المصالحة شيء، وصفقة الانتخابات شيء آخر.
المصالحة تمر من أمام بيوت الضحايا.
تطرق الأبواب.
تعترف.
تسأل.
تتحمل المسؤولية.
تقول للناس ماذا حدث، ولماذا حدث، وكيف نضمن ألا يحدث مرة أخرى.
أما إذا استطاعت السياسة أن تنتقل من الدم مباشرة إلى حساب المقاعد، فإن السؤال يصبح مؤلمًا:
ماذا كان كل ذلك إذن؟
إذا كانت الضرورة الانتخابية تستطيع اليوم جمع مَن قيل للناس بالأمس إن اللقاء معه خيانة، فما قيمة الخطوط الحمراء التي طُلب من المجتمع أن يدفع ثمنها؟
وإذا كانت المصلحة تستطيع أن تمحو الكلمات القديمة، فهل تستطيع أن تمحو كرسيًا ما يزال فارغًا في بيت؟
أم أن الدم يبقى في ذاكرة الناس بينما يجف سريعًا على أوراق السياسيين؟
هذا ليس سؤالًا لحماس وحدها.
ولا لتيار الإصلاح وحده.
إنه سؤال للسياسة الفلسطينية كلها.
كم مرة قُدمت لنا المصلحة باعتبارها مبدأ؟
وكم مرة قُدم لنا المبدأ، ثم اكتشفنا عندما تغير ميزان القوى أنه كان مصلحة؟
ولكن… هل المجتمع أفضل منهم؟
هنا أصل إلى المكان الذي لا أريد أن أجامل فيه نفسي ولا القارئ.
من السهل أن نهاجم الفصائل.
ومن السهل أن نقول: أعيدوا السلطة إلى المجتمع.
وأنا أؤمن أن المجتمع هو مصدر الشرعية.
لكن ذلك لا يعني أنني أثق ثقة عمياء بوعيه السياسي.
فالشعب ليس ملاكًا لمجرد أنه شعب.
ولا يصبح المواطن مستقلًا لأننا سميناه «المجتمع».
المجتمع الفلسطيني عاش تحت احتلال طويل، ثم نشأت داخله سلطة أصبحت خلال أكثر من ثلاثة عقود جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.
الراتب ليس نظرية سياسية.
الوظيفة ليست شعارًا.
ترقية الابن ليست بندًا في برنامج انتخابي.
العلاج، والمساعدة، والمؤسسة، والعلاقة، والعائلة، والمصلحة، والخوف على المستقبل، كلها تدخل غرفة الاقتراع من دون أن تحمل بطاقات مراقبين.
والإنسان الذي يقول لك مساءً إنه يريد تغيير النظام قد يستيقظ صباحًا ويسأل:
ماذا عن راتبي؟
ماذا عن ابني؟
ماذا عن وظيفتي؟
ماذا لو فاز الآخر؟
ثم يأتي التنظيم.
وتأتي العائلة.
ويأتي الخوف.
وتأتي ذاكرة قديمة تقول له إن الوقوف بعيدًا عن صاحب القوة قد يكون مكلفًا.
وفي ثقافتنا الشعبية مثل أكثر قسوة من عشرات الدراسات:
«من يتزوج أمي أقول له عمي».
ليس لأن الفلسطيني بلا كرامة.
بل لأن الإنسان عندما يقتنع أن السياسة أكبر منه، وأنه لا يستطيع تغييرها، يتعلم كيف يتكيف معها.
وهنا أخشى أن نكتشف في الانتخابات ظاهرة شديدة القسوة:
وعيًا أكثر تحررًا في الكلام… وسلوكًا أقل تحررًا أمام الصندوق.
الأغلبية الصامتة قد تكون أضعف الجميع
لهذا لا تطمئنني عبارة «الأغلبية الصامتة».
ماذا لو بقيت صامتة؟
قد يكون لدينا مئات الآلاف الذين لا يثقون بفتح ولا بحماس ولا بالفصائل.
لكنهم لا يعرفون بعضهم بعضًا سياسيًا.
لا برنامج يجمعهم.
لا آلية لاختيار ممثليهم.
لا مؤسسة.
لا تنظيم.
ولا اتفاق حتى على معنى التغيير.
واحد يريد دولة مدنية.
آخر يريد المقاومة.
ثالث يريد تسوية سياسية.
رابع يريد مروان البرغوثي.
خامس يريد أن تنتهي السلطة.
سادس يريد إصلاحها.
وسابع لا يريد من السياسة إلا أن تتركه يعيش.
يجمعهم شيء واحد:
الغضب.
لكن الغضب لا يشكل قائمة.
والصمت لا يحصل على مقاعد.
وقد تأتي الانتخابات لنكتشف المفارقة الأكثر قسوة:
أن القوى التي لا يثق بها معظم الناس تعرف كيف تنظم الأقلية التي تثق بها، بينما الأغلبية التي ترفضها لا تعرف كيف تنظم نفسها.
فتفوز الأقلية المنظمة.
ويعود الصامت إلى بيته.
ثم تظهر القيادة المنتصرة في اليوم التالي وتقول:
الشعب اختارنا.
حين يدخل الجميع خلف الستارة
هناك أسئلة مشروعة حول قانون الانتخابات التشريعية وشروطها والتعديلات التي أدخلت عليها، وحول معنى القول إن الانتخابات تجري في إطار «الالتزامات والاتفاقيات القائمة».
هذه أسئلة لا يجوز إخفاؤها خارج الكادر.
لكن هناك شيئًا آخر أريد أن تقترب منه الكاميرا.
يد الناخب.
حين يمسك الفلسطيني ورقة الاقتراع، كم يدًا تمسك يده معه؟
الفصيل؟
العائلة؟
الراتب؟
الوظيفة؟
الخوف؟
الاحتلال؟
الخصومة؟
الذاكرة؟
المصلحة؟
أم قناعته وحدها؟
لا أعرف.
ولهذا لا أستطيع أن أقول إن المجتمع خرج من عباءة القوى السياسية.
ربما أخرج رأسه.
وربما أصبح يرى ما وراءها.
وربما أدرك أن من كان يعتقد أنهم يمثلونه لم يعودوا يمثلونه.
لكن قدميه ربما ما تزالان في الداخل.
وهذه المسافة بين الرأس والقدمين هي التي ستقرر الكثير.
ليست كل خسارة ولادة
أهم ما كشفه الاستطلاع الأخير بالنسبة إلي ليس ضعف هذا الطرف أو تقدم ذاك.
الأهم:
حماس خسرت، ولم تربح فتح خسارتها.
شيء ما خرج من الطرفين.
لكنني أرفض أن أسميه فورًا «البديل».
فالفراغ ليس بديلًا.
والغضب ليس مشروعًا.
والرفض ليس مؤسسة.
والاستقلال في استطلاع الرأي ليس بالضرورة استقلالًا أمام صندوق الاقتراع.
قد تكون هذه المساحة بداية ولادة سياسية جديدة.
وقد تكون مجرد محطة انتظار.
وقد تتفتت بين عشر قوائم.
وقد تعود أجزاء منها، في الأيام الأخيرة، إلى البيوت القديمة.
وهنا ستُختبر المسألة كلها.
ليس ذكاء الأحزاب وحده.
بل وعي المجتمع أيضًا.
صباح الانتخابات
أتخيل صباح الانتخابات.
الكاميرا لا تبدأ عند صندوق الاقتراع.
تبدأ داخل بيت فلسطيني.
رجل يشرب قهوته.
منذ أشهر وهو يشتم الجميع.
قال في الاستطلاع إنه لا يثق بفتح.
ولا بحماس.
ولا بالسلطة.
وقال لأصدقائه إن البلد تحتاج إلى وجوه جديدة.
ينهض.
يلبس.
يخرج.
في الطريق يرن هاتفه.
قريب يذكره بمرشح العائلة.
صديق يحذره من فوز الطرف الآخر.
موظف يتذكر مديره.
أب يفكر في وظيفة ابنه.
فتحاوي غاضب يتذكر الحركة.
حمساوي غاضب يتذكر خصوم حماس.
ويمشي الرجل نحو الصندوق.
الكاميرا خلفه.
كلما اقترب، ازدحمت حوله أشباح لا تظهر في استطلاعات الرأي:
العائلة.
الفصيل.
المصلحة.
الخوف.
الذاكرة.
وعندما يدخل خلف الستارة لا نرى أحدًا.
هو وحده.
ورقة.
وقلم.
هذه اللحظة هي التي ستجيب عن سؤال لا يستطيع أي استطلاع أن يجيب عنه:
هل دخل الرجل خلف الستارة وحده فعلًا؟
أم دخل الجميع معه؟
وماذا لو لم يصل الصندوق؟
لكن بقي مشهد أخير.
ربما هو الأهم.
افترضنا طوال المقال أن الرجل سيصل.
أن مراكز الاقتراع ستفتح.
وأن الورقة ستكون هناك.
وأن معركتنا الأخيرة ستكون بين قناعته وبين كل الأشباح التي دخلت معه خلف الستارة.
لكن ماذا لو لم يصل إلى هذه اللحظة أصلًا؟
ماذا لو تحركت القوائم، وبدأت التحالفات، وارتفعت حرارة الشارع، وظهرت استطلاعات جديدة، وبدأت ملامح نتيجة لا تريح مَن اعتاد امتلاك المشهد؟
ماذا لو تأجلت الانتخابات؟
أو أُلغيت؟
هذا ليس سؤالًا خياليًا.
لقد وقف الفلسطيني أمام باب الانتخابات عام 2021.
ثم أُغلق الباب قبل أن يدخل.
وكان للقرار يومها أسبابه وروايته السياسية، وفي مقدمتها قضية مشاركة القدس.
لكن الكاميرا عندما ابتعدت عن البيانات والتبريرات أبقت أمامنا حقيقة واحدة:
لم تحدث الانتخابات.
ولهذا لا يكفي في 2026 أن نسأل المجتمع:
هل ستصوت؟
ولمن؟
وهل تحررت من فتح وحماس؟
وهل تستطيع تجاوز العائلة والمصلحة والراتب والخوف؟
هناك سؤال يسبق كل ذلك:
هل ستُترك له الانتخابات حتى نهايتها؟
لا أقول إن الانتخابات ستؤجل.
ولا أقول إنها ستلغى.
لكن السياسة لا تُقرأ بالنوايا وحدها.
تُقرأ أيضًا بالسوابق وبالقواعد وبما يحدث عندما تصبح النتيجة مجهولة.
فإذا كانت الانتخابات طريقًا لاستعادة الشرعية، فإن أول امتحان للشرعية لا يأتي بعد فرز الأصوات.
يأتي قبله.
أن تقبل النتيجة قبل أن تعرفها.
أن تدخل فتح الانتخابات وهي مستعدة لأن تخسر.
وأن تدخل حماس وهي مستعدة لأن تخسر.
وأن تدخل الشعبية والإصلاح والتحالفات والمستقلون وكل القوى وهم يعرفون أن المجتمع ليس ملكًا لأحد.
وأن يلتزم النظام السياسي بإكمال العملية حتى لو بدأت الصناديق ترسم مشهدًا لم يكن مكتوبًا في السيناريو.
فالمجتمع لا يكون مصدرًا للشرعية إذا كان مسموحًا له أن يختار فقط عندما تكون نتيجة اختياره مقبولة مسبقًا.
اللقطة الأخيرة
وهنا تعود «كبسة الزر».
للمرة الأخيرة.
طوال عقود اعتادت السياسة الفلسطينية أن تمد يدها إلى الحائط وتضغط.
فتأتي الجماهير.
هذه المرة تمتد اليد.
تضغط.
ولا يتحرك المجتمع كما كان يتحرك.
تضغط ثانية.
فتظهر أرقام لم تكن متوقعة.
تضغط ثالثة.
فتتشكل قوائم خارج البيوت القديمة.
تقترب الكاميرا من اليد.
ثم تتركها.
تنزل خلف الحائط.
إلى الأسلاك.
بعضها ما يزال موصولًا:
المصلحة.
العائلة.
التنظيم.
الراتب.
الخوف.
الذاكرة.
وبعضها يبدو أنه بدأ ينقطع:
الثقة.
الهيبة.
التسليم.
الاعتقاد بأن مَن في الأعلى يعرف دائمًا ما يريده مَن في الأسفل.
ثم يحدث شيء لم تتعلم السياسة الفلسطينية بعد كيف تتعامل معه.
يمد المجتمع يده هو الآخر.
ليس إلى ورقة الاقتراع هذه المرة.
إلى الزر نفسه.
وهنا يصبح الامتحان مزدوجًا.
هل يستطيع المجتمع أن ينتزع قراره من العائلة والفصيل والمصلحة والخوف؟
وهل يستطيع النظام السياسي أن يرى المجتمع يفعل ذلك… ثم يتركه يكمل الطريق؟
لا قائد في مقدمة اللقطة.
لا راية فصيل تغطي الكادر.
الناس تمشي.
لا أحد يستدعيها.
هي التي جاءت.
وعند باب مركز الاقتراع يبقى السؤال الأخير:
هل يملك النظام السياسي الفلسطيني الشجاعة ليرى المجتمع يختار… ثم يقبل بما اختار؟
لأن الانتخابات لا تصبح ديمقراطية عندما نعرف مَن فاز.
تصبح ديمقراطية عندما لا يعرف أحد مَن سيفوز،
ومع ذلك يجرؤ الجميع على فتح الصندوق.
يحيى بركات
20/8/2026