أسامة العيسة - مؤمن جدًا... بذيء جدًا..!

يصبح الإنسان، على هذا الدين أو ذاك، لسببٍ معروف، وراثة الدين في عائلته، وتترسخ قناعته، مع تلقيه نسخة محسنة، أو مبتسرة، أو غير حقيقية، أو تمثل وجهة نظر واضعها، في المدرسة وفي المنزل، وتصبح عقيدة، رغم أنها كان يمكن أن لا تكون كذلك، أو يجب أن لا تكون إلَّا وجهة نظر. مثلاً الإسلام السني المعاصر كما نعرفه الآن، هو نتيجة هزيمة المعتزلة، وإقصائهم، بقوة قهر السلطة، وانتصار الاعتقاد القادري (نسبة للخليفة القادر العباسي). لو انتصر المعتزلة، الذين قهروا خصومهم واضطهدوهم عندما كان المأمون في صفهم، لكانت العقيدة السنية الشائعة، مختلفة بالطبع. كان لدينا نسخة عقلانية.
الأمر حسب الرفيق نيتشه، ليس إلَّا "بشري، بشري أكثر من اللزوم". ولكن المعضلة، أن الأنظمة اللاهوتية للأديان الإبراهيمية الثلاثة، تتشارك الإقصاء، ثم تتشارك طوائفها أيضًا، إقصاء بعضها، في دوامةٍ لا تنتهي.
يمكن لهذا المؤمن، أن يموت من أجل أفكاره، التي عادة لم يكن له فضل في تبنيها، وهذا أمر غريب، لأن الأفكار، بما هي أفكار، عرضة للتطور، أو التبدل، أو التغيير.
معظم معتنقي الأديان ينجون، من فخاخ العقائد والشرائع، مستندين، إلى تراث طويل غير مرئي، يشكِّل ما يصبح ذاكرة جماعية، تكوّنت من ميراث أخلاقي راكمته الحضارات السابقة، تطوّر، أسرع من تطوّر العقائد، الذي عادة ما يكون سلحفائيًا، وفي العالم العربي سلحفائيا أكثر بكثير من المعتاد.
هناك قلة من البراغماتيين، تتفاوت نسب ذكائهم، يدركون بحسهم، أو بعقولهم، طرقًا أسهل، للتبوء، فينقلون أنفسهم إلى طبقة أعلى، يصبحون رجال دين، ويغيّرون، أوّل ما يغيّرون، زِيهم، لتمييزهم ليس فقط عن أتباعهم الغلابة، ولكن ليميّزوا بين أنفسهم، وفرقهم التي لا يمكن عدّها. وتروّج كل فئة منها، باعتبارها على رأس "الدين الحقيقي"، أو الفرقة الناجية.
هذا ينطبق طبعًا على معظم رجال الدين من مختلف الأديان. وهؤلاء، بالتحالف، مع نظرائهم من متبوئي السياسة والمجتمع والمال، من يوقدون النيران، ويضحون، من الأغلبية السادرة.
لن يدرك أحد من تلاميذ المدارس، أن المسلمين، الذين قتلوا، عبر التاريخ، بيد المسلمين، أكثر بما لا يقاس، من الذين قتلوا على يد الكفّار، حتى أن الرموز التي قُدست، خلال مرحلة تلقي النسخ الدينية المنحازة بالضرورة، قتلوا على يد مسلمين، لماذا لا يعرف الطلبة في المدارس، أن عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، والزبير، وطلحة، والعشرات لم يقتلوا بيد الكفّار؟
ولا يريد أن تفهم الأغلبية، أن من قُتل من مسيحيين، أضعاف من قُتلوا على أيدي المسلمين، بل أن أي حرب مقدسة بين مؤمنين وكفّار، يمهد لها بحرب بين أبناء الدين الواحد. حروب صلاح الدين الدموية قبيل استرداد القدس، ومذابح الصليبيين ضد مسيحيين يتبنون نسخة أرثوذكسية من المسيحية، على سبيل المثال، شملت الحرق وأكل لحوم البشر، كما وثقه الفاعلون أنفسهم.
الأمر ينطبق، أيضًا، على المحددات الوطنية، التي تحدد، مع الحدود، والرموز، والأمن، والإعلام، تبعًا لمحددات ميراث الكولنيالية الطويل، ويصبح الدفاع عن المحددات، دونه الاستشهاد، ويلعب السياسيون، دور رجال الدين، وهم "يزفون" الشهداء.
والأمر، ينطبق أيضًا، على المحددات الاجتماعية، ودور زعماء العشائر، والمخاتير، وبطاركة المجتمع الأبوي.
أكتب هذا الكلام ردًا على رسالة قاسية، من مؤمن متحمس ضد رواية الإنجيل المنحول لزانية المعبد، طلب مني فيها أن لا أتدخل في أديان الآخرين.
كيف يمكن بكل بذاءة هذه الرسالة الدفاع عن دين، أي دين؟
هل تدخل رجال دين، لمنع رواية، لأنهم اعتقدوا أن اسمها مسيء، مرده الجهل فقط؟
على محركي عقولهم، التمعن..!
"من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت" حسب الرفيق قس بن ساعدة، ولكن من قفل على قلوبهم، يموتون، في الفانية، ويفوتون في الباقية..!
طوبي لمن نجا، من المحددات، وأطواق العقائد، والسياسة، والمجتمع..!
غدًا، سنلتقي في بيت ساحور..!
في بيت ساحور، مسقط روح ليلى الأطرش، سنهدي الأمسية لروحها..!




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى