محمد فايز حجازي - تجديد الخطاب القصصي

لا أعتقد أن أحدًا من كتاب القصة المعاصرين معروف أو مؤثر أدبيًا، في غير نطاق أسرته، وبعض من أصدقائه المقربين الكتاب أيضًا، الذين يجلسون في صحبتهحول المائدة المستديرة، التي يجتمعون عندها جميعًا في هذه الندوة أول تلك!
وهذا يحيلنا مباشرةً إلي السؤال الذي طالما رددناه منذ عقود –كتابًا ونقادًا- ونردده إلي الآن، ذلك السؤال الذي طالما أرق مضاجعنا، ولم يجد إجابة مقنعة وشافية، أو بالأحرى إجابة جريئة، نواجه بها أنفسنا بلا خجل أو مواربة، ألا وهو: هل إنتهي زمن القصة التي تقزمت واضمحلت أمام مارد الرواية؟ وإن كانت الشواهد تشير إلي هذا التراجع الشديد للقصة، فما هي الأسباب؟
أحاول في السطور التالية الإجابة على هذا السؤال-من منظوري الذي قد يحتمل الصواب أو الخطأ بطبيعة الحال- ربما تغضب إجابتي البعض من أنصاف الكتاب ومدعي الأدب، ولكني لا أظنها ستفعل مع أولئك الموهوبين -وهم كثر- الذين يكتبون بصدق وإحساس، بغية الوصول إلى القاريء المتلقي، الذي أراه مغلوبًا على أمره، ولا أحد غيره، ولست أهدف من سطوري هذه سوى محاولة أراها صادقة، لإعادة القصة لمكانتها التي تستحقها ومسارها الذي حادت عنه لعقود، وهي القالب الأدبي الذي مازلت أراه -نظريًا إلي الآن- أسرع أنماط الأدب تأثيرًا على القاريء وجدانيًا ونفسيًا.
وحتي نتفهم معًاأهمية الإجابة الدقيقة على هذا السؤال، يتعين علينا أولًا أن نجيب على سؤال آخر أسهل منه، هو لماذا نكتب؟ وما فائدة ما نكتب لنا ولغيرنا من متلقي كلماتنا؟ وهنا أقول أن الأدب الحقيقي بلا شك بالنسبة لكاتبه متعة في ذاتها لا تدانيها متعة أخرى من متع الحياة، وهي كذلك بكل تأكيد بالنسبة لقارئه، الذي يجب أن يكون مشاركًا بدوره في العمل الأدبي بالبحث والتأمل. وبالإضافة إلي ذلك وكما ذكر شيخ النقاد الدكتور محمد مندور بأن الأدب "شق للحجب ومحو للطلاء حتى تتكشف الإنسانية على حقيقتها" وعليه فإن هدف الكاتب الحقيقي بالأساس هو تهذيب وجدان القاريء وتشكيل وعيه بلا مباشرةً، وبلا وعظ أو خطب، تمامًا كما يقول الكاتب الألماني العظيم إريك ماريا ريماك "أنا لا أريد أن أقنع القاريء بشيء ولا أن ألزمه بموقف ما، ولا أن أعظه، أنا فقط أصف ما يؤثر فيَ وما يحركني".
إذن فهم وضبط آداء فن القصة من قبل كُتّابها، حتي يحدث التلاقي المرجو مع جموع القراء والمثقفين، لهو أمر بالغ الأهمية، وهي -القصة- أسرع وسيلة أدبية، ينقل بها الكاتب أفكاره وأحاسيسه بلا مباشرة، يشكل بها الوعي ويهذب بها الوجدان، لا سيما في ظل عصر تتسابق فيه شتي وسائل التواصل الإجتماعي لنفس الهدف ولأهداف أخري، وإن كان من قبل فيالق من الحمقي والجاهلين، كما ذكر السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو.
وعليه فإن إجابة سؤالنا الأول حول حاضر القصة ومستقبلها، هو أمر حتمي إن أردنا تأثيرًا حقيقيًا صادقًا وسريعًا علي وعي مجتمعاتنا.لا سيما في ظروف بلادنا العربية التي نعلمها جميعًا، و حتي تتضح الأمور ، فإن كلامي ليس موجهًا لأولئك الذين يتخذون أبراجًا عاجيًا يكتبون فيها، لا يعرفهم أحد ولا يتأثر بهرائهم أحد ولن يذكرهم أحد.آسف أن أقول أن ما يحدث في الوسط الأدبي (أقول الأدبي وليس الثقافي فليس منهم -إلا من رحم ربي- من يعرف الرمز الكيميائي للماء الذي يشربه، ولا معني إجهاد المادة وانفعالها، فالأدب قصة والثقافة العامة قصة مُختلفة تمام الاختلاف، ولكننا نري بعضهم يتمسح في الثقافة بقوله الوسط الأدبي والثقافي!)، علي أي حال فإن ما يحدث في الوسط الأدبي، وفي مجال القصة تحديدًا، لهو عين الهراء، محاولات ساذجة ومراهقة أحيانًا، وطلاسمية عقيمة لا هدف لها أحيانًا أخري، صرفت القاريء الذي لا حيلة له، إلى فنون أدبية أخري، أراها -في منظوري- أقل بهاءًا وأهمية في زمننا هذا. ولهذا أسباب أسوقها كالأتي أولًا: إعتقاد البعض -خطًأ- بأن القصة هي أسهل أنماط الأدب، ذلك لأنها أقصرها سردًا، وأكثرها تركيزًا وكثافًة، مما جعل بعضهم يستمريء الصياغة والحكي الذي لا تأثير له بسرد مواقف حياتية، لا أثر نفسي لها، ولا تهم القاريء في شيء، ربما أيضًا بلغة رديئة لا حس فيها، متجاهلين مقومات وأسس كتابة القصة، فلا يجد المتلقي فيه إلا الأدب -إن صح القول- في أبشع صوره.
ومع شديد الأسف، فقد يجد أولئك الكتاب مجالًا لاستعراض ترهاتهم الفنية، نتيجة علاقاتهم أو مناصبهم إن كانوا رجالًا، أو ملابسهم التي تكشف أكثر مما تستر إن كانوا نساءًا، فتفسح لهم الندوات وتجهز لهم المناقشات المعدة مسبقًا، ويلاقوا من المجاملات ما يجعلهم يستمرون في كتاباتهم القميئة، هذا بالطبع تشغيبًا فجًا علي القاريء، وتشويهًا قبيحًا للفن نفسه.
ذكر لي كثير من باعة الكتب، ومديري دور النشر، أن القراء كثيرًا ما كانوا يطلبون قراءة مجموعات قصصية، ربما لأن القصة تقرأ في وقت أقل، وهذا ما يناسب إيقاع العصر، غير أنهم سرعان ما عدلوا عن فكرتهملما لاقوا ما لاقوا من مدعي الأدب، فتابوا وأنابوا وعادوا إلي كلاسيكيات القصة لتشيكوف وإدريس وكارلو كاسولا ويحي حقي، ويشهد سور الأذبكية ومواقع التواصل على ما أقول.
قبل أن نذكر السبب الثاني وهو السبب الأهم، أتسائل لماذا تعيش كلاسيكيات القصة بيننا إلي الآن؟ برغم إختلاف الزمن ومتغيرات الحياة، وستظل خالدة خلود البناء الموسيقي للأطلال رائعة السنباطي، والنهر الخالد لعبد الوهاب، والإجابة هي البساطة والصدق، والعمق النفسي والإنساني لكتاباتهم التي مست دواخل النفس فلامست أحاسيسها.
البساطة والصدق هما أساس خلود كل فن، وأنا هنا بكل تأكيد لا أنادي بتجاهل القضايا العصرية ومستجدات الحياة وما استحدث من ظروف أثرت على العقول والنفوس، ولكني أقول أن السبب الثاني الرئيس في انصراف المتلقي عن قراءة القصة، هو اللغة شديدة الرمزية التي قد تصل إلي حد الطلاسم أحيانًا، وقد قرأت نصوصًا لكتاب كبار أتحداهم أنهم قد وعوا أو فهموا ما يكتبون، وكل هذا تحت مظلة التجديد والسياق التاريخي لفن القصة، والسريالية والتجريد في القصة، ألا تستحون من أنفسكم!
أتذكر أحد أصدقائي في أثناء دراستنا في الكلية، وقد كان يقول أنه شاعر عامية مطبوع، وكان يكتب بطريقة عجيبة، قال لي سرها في إحدي جلساتنا، هو لا يفعل شيء سوي أنه يجمع الكلمات من الجرائد والمجلات ليأتي بتراكيب تبدو فخمة ولها وقعها الفلسفي الشديد وهو في النهاية، لا يفهم أو يقصد ما قد يفهمه أحد، كتب ذات مرة قصيدة بعنوان شيزوفرينيا كان يقول في مطلعها "شيزوفرينيا في عالم عاش على حد الوهم، ورطوبة الحلم المتسرب جوة قلوبنا، برد وزيف، تخاريف" هذا طبعًا تحت مظلة التجريد والهلام الفسيح الذي يتحدثون عنه.
أولئك الكتاب مستمرون، هذا بفضل الشللية التى عليها الوسط الأدبي، فتجد الدكتور فلان يكتب نصًا فارغًا ليشيد به صديقه الأستاذ علان، هذا حتي يأتي دور الأستاذ علان فيشيد بعبقريته الدكتور فلان، وهم في غيهم يلعبون، لا يعرفك أحد ولن يعرفك أحد ولن تؤثر بكلمة في مخلوق، مهما ظهرت في برامج ومهما أفردت لك الصحف والمجلات، ولكنك وغيركشغبتعلى القاريء، وشتت انتباهه وصرفته وكرهته في فن القصة.

أكتب باللغة التي تحلو لك بالبلاغة التي تراها بأسلوبك المناسب، ولكن أكتب شيئًا له هدف، صادق، مؤثر، مفهوم، يعيش في العقول والقلوب، كما عاشت كلمات غيرك من السابقين وحتي من المعاصرين، الذين يكتبون في مجالات أخري (سنتحدث تفصيلًا عنهم).
حزنت كثيرًا عندما توفي الأستاذ محمد حافظ رجب، لم أجد أحدًا على الإطلاق من المثقفين -لا أقول الأدباء- يعرفه أو قد سمع به من الأساس، وقد سألت عشرات ممن قرأوا لمئات الكُتّاب المصريين والعالميين، والتهموا أطنان الكتب.ومحمد حافظ رجب (2021 - 1935) لمن مازال لا يعرفه، كان يطلق عليه رائد التجديد في القصة القصيرة، سيرياليته وتجريده وما إلي هذا من المسميات العقيمة، لم تفد المجتمع ولم تؤثر على مخلوق من المثقفين، في حين عاشت كلمات إدريس ومحفوظ وخالد توفيق (كل بطريقته) وغيرهم الكثير والكثير.
أخيرًا أنا لست ضد محاولات التجديد المحسوبة، فالقاص السوري (زكريا تامر) فعلها ببراعة وبنجاح تام، أخيرًا أرجأ باقيالحديث إلي مقال آخر، أتحدث فيه عن الخطوات، التي أرى أنها لو اُتخذت من قبل كبار الكتاب والنقاد، لصار للقصة شأن آخر فكتابها الحقيقيين البارعين ما أكثرهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى