32 - رسالة امين الريحاني الى جبران خليل جبران
عزيزي جبران،
طيّه اللائحة الوطنية التي - بعد بعض التنقيح والتحوير- اتفق عليها أعضاء اللجنة (*) التي عيّنها الرئيس، أي أنت ونَجيب دياب ووليم كاتسفليس وأنا. وهي في الصورة المتَّفَق عليها، ليس فيها ما يَمسّ حرمة الدين أو كرامة الإكليروس، بل لا ذكر فيها على الإطلاق للإكليروس أو للدين إلا ما يتعلّق بفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية في الحكومة. ورأيي أن ننشر هذه اللائحة باللغة العربية ليطّلع أبناء الوطن على موقفنا تِجاه الدولة الحامية، فيسعوا منذ الآن الى المطالبة بِحقوقهم الوطنية والسياسية، ويتعلّموا حقوقهم ويوحّدوا ما استطاعوا ما لَهم فيها. وإذا ما تَكَوَّن فيهم شيءٌ من الوحدة السياسية، يكون الفضل للّجنة في المطالبة بضرورة إنشاء حكومة حُـرّة وطنية.
نيويورك، صباح الاثنين 19 آب 1918
صديقك
أمـين الـريحاني
*) هي "لَجنة إغاثة المنكوبين في سوريا ولبنان"، تشكّلت من نَجيب كسباني رئيساً، أمين الريحاني وشكري رحيِّم نائبي الرئيس، جبران خليل جبران كاتم أسرار، وخمسة أعضاء إداريين.
===========
بوسطن في 28 آذار سنة 1908
يا أخي أمين
ها قد أوصدت باب غرفتي وجلست وحدي في ظلال سحابة من دخان السكاير الممزوج بمطر القهوة الحجازية، لكي أصرف ساعة بمحادثتك. فما ألذ السكاير وما ألذ القهوة الحجازية وما ألذ محادثتك، أنت الآن في الجانب الاخر من هذه الكرة الكبيرة الصغيرة، وأنا ما برحت هنا، أنت في لبنان الجميل الهاديء وأنا في بوسطن المفعمة بالحركة والضجيج، أنت في الشرق وأنا في الغرب، ولكن ما أقربك بعيدا يا أمين، إن البشر يا أمين يكرهون بعاد الاحباب والاصحاب، لأن ملذاتهم تأتيهم عن طريق الحواس الخمس، أما جبران فقد نمت روحه حتي صارت تثمر بالملذات المرتفعة عن استخدام الحواس فهي تري، وتسمع، وتحس، ولكن بغير العين والاذن والاصابع، وهي تذهب الي اقاصي الارض ثم تعود ولكن بغير الاقدام والمركبات والسفن وهي تتنعم الآن بامين بكل ما يرفرف حول نفس امين بعيداً كان أو قريبا مثلما تتنعم بأشياء كثيرة غير منظورة ولا مسموعة، وأجمل ما في حياتنا هو ذاك الذي لا يري ولا يسمع.
كيف وجدت لبنان؟ هل رأيته جميلا مثلما كان يصوره شوقك وحنينك إليه، أم ألفيته بقعة جرداء يسكنها الخمول بجوار الكسل؟ هل هو ذاك الجبل الذي تغنت بوصف محاسنه قرائح الشعراء من داود الي سليمان الي اشعيا، الي جرمانوس فرحات، الي لامرتين، الي نجيب الحداد، أم مجموع تلال وأودية خالية من الانس بعيدة عن الظرف، مكتنفة بالوحشة؟ أنت سوف تجيب علي هذه السؤالات برسائل طويلة الي المهاجر وأنا سوف أقرأ كل كلمة منها، ولكن اذا كان هناك بعض الاشياء التي لا تريد أن تتكلم عنها أمام العموم، أخبرني عنها برسائل خصوصية لكي أكون شريكا لك بأفكارك ومشاهدا بعينيك حقيقة لبنان.
انا في هذه الايام مثل صائم يترقب فجر العيد لأن سفري الي باريز يجعل أحلامي وأميالي حائمة حول الاعمال الكبيرة التي سوف أحاول اتمامها في عاصمة المعارف والفنون، قد اخبرتك يا أمين قبيل سفرك بانني سوف اصرف سنة كاملة في باريز وأنا اخبرك الآن بأنني سوف اذهب الي ايطاليا بعد انقضاء السنة، واصرف سنة متجولا بين متاحفها العظيمة، وآثارها القديمة، فأزور البندقية وفلورنسا ورومية وجنوي ثم أعود من نابولي الي أمريكا هي سفرة عظيمة هائلة تستدعي اهتمامك يا أمين لأنها ستكون مثل حلقة ذهبية تربط ماضي جبران المملوء بالكآبة بمستقبله المرفوع فوق أعمدة النجاح. انت ستمر بباريز طبعا عندما تعود من سوريا وفي باريز سنلتقي ونفرح، وفي باريز سنشبع أميال روحينا من الجمال الذي صاغته أيدي المتفننين، وفي باريز سنزور البانتيون ونقف هنيهة علي قبر فكتور هوغو، وروسو وشتوبريان، ورتنان، وفي باريز سنسير بين أروقة قصر اللوفر ونشاهد رسوم روفائيل وميكيل انجلو ودافنتشي وبارجينو وفي باريز: سنذهب ليلا الي الاوبرا ونسمع الاغاني والتسابيح التي انزلتها الآلهة علي بيتهوفن وفكنر وموزارت وفردي روسيني.. أن هذه الاسماء التي يصعب علي العربي أن يلفظها هي أسماء الرجال الذين بنوا مدينة أوروبا، هي أسماء رجال طوتهم الارض ولكنها لم تستطع أن تطوي أعمالهم العظيمة، ان العاصفة يا أمين تستطيع أن تميت الزهور ولكنها لا تقدر أن تبيد البذور، وهذه هي التعزية التي تسكبها السماء في نفوس محبي الاعمال العظيمة، هذه هي الاشعة التي تجعلنا – أبناء المعرفة – أن نسير علي طريق الحياة رافعين رؤوسنا بالفخر والغبطة.
قد تهللت نفسي عندما قرأت رسالتك من الاسكندرية وكبر قلبي عندما قرأت في المهاجر و المرآة عن التكريم الذي لقيته مع أخينا أسعد رستم في القاهرة وسوف يهلل نفسي ويكبر في داخلي عند استماع كل كلمة عنكما ومنكما، ولكن أخبرني يا أمين: هل ذكرتني إذ كنت جالسا بين صفوة لبنان ومصر؟ هل خطر علي بالك اسم الاقنوم الثالث الذي ما برح وراء البحار؟ أظن بأن سليم أفندي شركيس قد أخبرك عن الانتقاد الذي كتبه السيد مصطفي المنفلوطي بشأن وردة إلهاني ونشره في جريدة المؤيد؟ أما أنا فقد سررت جدا بالانتقاد لأن الانتقاد هو غذاء المباديء الجديدة خصوصا اذا كان صادرا عن رجل أديب مثل المنفلوطي.
اشغالي في هذه الايام أشبه شيء بسلسلة ذات حلقات آخذ بعضها برقاب البعض، وقد تغيرت طرق معيشتي وفقدت شيئا من لذة الانفراد التي كانت تعانق نفسي قبل أن أحلم بباريز وبالسفر اليها، بالامس كنت قانعا بالادوار الصغيرة التي كنت أمثلها علي مرسح محدود، أما اليوم فصرت أري تلك القناعة نوعا من الخمول، كنت أري الحياة من وراء دمعة وابتسامة، أما اليوم فصرت أراها من وراء أشعة ذهبية سحرية تبث القوة في النفس والاقدام في القلب والحركة في الجسد، كنت يا أخي مثل طائر مسجون في قفص، وكنت راضيا بالبذور التي كانت تضعها يد القدر، أما اليوم فصرت مثل طائر حريري أمامه بهجة الحقول والمروج الخضراء، فهو يريد أن يطير سابحا في الفضاء الوسيع، ساكبا في الاثير أشباح روحه وخيالات أمياله.. يوجد في حياتنا يا أمين شيء أسمي وأشرف من الشهرة، وهو العمل العظيم الذي يستدعي الشهرة، وأنا أشعر بوجود قوة كامنة في داخل نفسي تريد أن تتخذ لها من الأعمال الكبيرة ثوبا جميلا أشعر بأن جبران قد جاء هذا العالم ليكتب اسمه بأحرف كبيرة علي وجه الحياة، وهذا الشعور يلازم نفسي ليلا ونهارا، وهو الذي يجعلني أري المستقبل مكتنفا بالنور محاطا بالغبطة والمجد مذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أحلم، وأحلم، وأحلم بالمعاني والميزة الروحية، وها قد ابتدأت الأيام بتحقيق أحلامي، وسفري الي باريز هي أول درجة من السلم الذي يوصل الارض بالسماء.
سوف اهتم في الصيف الآتي بطبع كتابي الاجنحة المتكسرة وهو أفضل شيء كتبته لحد الآن، أما الكتاب الذي سيولد في العالم العربي حركة هائلة فهو كتاب فلسفة الدين والتدين الذي ابتدأت بتأليفه منذ أكثر من سنة والذي مابرح من أفكاري بمنزلة النقطة من الدائرة، وسوف أنجر هذا الكتاب في باريز وربما طبعته علي نفقتي الخاصة.
عندما تكون يا أمين في مكان جميل أو بين أدباء أفاضل، أو بجانب خرائب قديمة أو علي قمة جبل عال، عندما تكون في أحد هذه الاماكن، الفظ إسمي همسا فتسير نحوك روحي وترفرف حولك وتتمتع معك بالحياة وبكل مافي الحياة من المعاني الخفية. أذكرني يا أمين عندما تري الشمس طالعة من وراء صنين أو من وراء فم الميزاب، واذكرني عندما تري الشمس جامحة نحو الغروب وقد وشحت الطلول والاودية بنقاب أحمر كأنها تذرف لفراق لبنان الدماء بدلا من الدموع، واذكرني عندما تري رعاة المواشي جالسين في ظلال الأشجار ينفخون بشباباتهم ويملأون البرية الهادئة بالانغام مثلما فعل أبولون عندما نفته الآلة الي هذا العالم، واذكرني عندما تري الصبايا الحاملات علي أكتافهن آنية الماء واذكرني عندما تري القروي اللبناني يفلح الارض أمام عين الشمس وقد كللت قطرات العرق جبينه وألوت المتاعب ظهره، واذكرني عندما تسمع الاغاني والاناشيد التي سكبتها الطبيعة في قلوب اللبنانيين، تلك الاغاني المنسوجة من خيوط أشعة القمر، الممزوجة برائحة الوادي المنسوحة مع نسيمات الارز، واذكرني عندما يدعوك الناس الي الحفلات الادبية والاجتماعية لأن ذكري عندئذ يعيد الي نفسك رسوم محبتي لك وشوقي اليك ويجعل لكلامك معاني ممزوجة ولخطاباتك تأثيرات روحية. المحبة والشوق يا أمين هما بداية ونهاية أعمالنا.
والآن وقد كتبت هذه السطور أراني مثل ذلك الطفل الذي رام نقل مياه البحر بصدفة، الي حفرة صغيرة في رمال الشاطيء ولكن ألست تري يا أمين بين هذه السطور سطورا غير مكتوبة بالحبر؟ تلك هي السطور التي أريدك أن تستفسر خفاياها، لأنها كتبت بأصابع الروح، لأنها كتبت بعصير القلب، لأنها كتبت علي وجنة الحب الواقف بين الارض والكواكب، السابح بين المشارق والمغارب، المتموج أبدا بين نفوسنا ودائرة النور الاعلي.
أرجوك يا أمين أن تلفظ أسمي مشفوعا باعجابي واحترامي أمام والدك وأن تتفضل بتقديم تحيتي الي سيدتي والدتك – تلك الوالدة التي وهبت العالم العربي قوة كبيرة وأعطت لبنان شعلة مشعشعة، وأسعدت جبران بأخ حبيب، وأرجوك يا أمين أن تنثر سلامي أمام أخوانك وأقاربك ومحبيك مثلما ينثر النسيم زهر شجرة التفاح في نيسان. مريانا تحييك من وراء البحار وتدعو لك وترجو أن تكون معافي، نسيبي ملحم وابنته زكية قد طلبا مني أن أقدم لك سلامهما. الجميع يذكرونك دائما ويشتاقونك يا أمين حبيب أخيك.
ً
.
عزيزي جبران،
طيّه اللائحة الوطنية التي - بعد بعض التنقيح والتحوير- اتفق عليها أعضاء اللجنة (*) التي عيّنها الرئيس، أي أنت ونَجيب دياب ووليم كاتسفليس وأنا. وهي في الصورة المتَّفَق عليها، ليس فيها ما يَمسّ حرمة الدين أو كرامة الإكليروس، بل لا ذكر فيها على الإطلاق للإكليروس أو للدين إلا ما يتعلّق بفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية في الحكومة. ورأيي أن ننشر هذه اللائحة باللغة العربية ليطّلع أبناء الوطن على موقفنا تِجاه الدولة الحامية، فيسعوا منذ الآن الى المطالبة بِحقوقهم الوطنية والسياسية، ويتعلّموا حقوقهم ويوحّدوا ما استطاعوا ما لَهم فيها. وإذا ما تَكَوَّن فيهم شيءٌ من الوحدة السياسية، يكون الفضل للّجنة في المطالبة بضرورة إنشاء حكومة حُـرّة وطنية.
نيويورك، صباح الاثنين 19 آب 1918
صديقك
أمـين الـريحاني
*) هي "لَجنة إغاثة المنكوبين في سوريا ولبنان"، تشكّلت من نَجيب كسباني رئيساً، أمين الريحاني وشكري رحيِّم نائبي الرئيس، جبران خليل جبران كاتم أسرار، وخمسة أعضاء إداريين.
===========
بوسطن في 28 آذار سنة 1908
يا أخي أمين
ها قد أوصدت باب غرفتي وجلست وحدي في ظلال سحابة من دخان السكاير الممزوج بمطر القهوة الحجازية، لكي أصرف ساعة بمحادثتك. فما ألذ السكاير وما ألذ القهوة الحجازية وما ألذ محادثتك، أنت الآن في الجانب الاخر من هذه الكرة الكبيرة الصغيرة، وأنا ما برحت هنا، أنت في لبنان الجميل الهاديء وأنا في بوسطن المفعمة بالحركة والضجيج، أنت في الشرق وأنا في الغرب، ولكن ما أقربك بعيدا يا أمين، إن البشر يا أمين يكرهون بعاد الاحباب والاصحاب، لأن ملذاتهم تأتيهم عن طريق الحواس الخمس، أما جبران فقد نمت روحه حتي صارت تثمر بالملذات المرتفعة عن استخدام الحواس فهي تري، وتسمع، وتحس، ولكن بغير العين والاذن والاصابع، وهي تذهب الي اقاصي الارض ثم تعود ولكن بغير الاقدام والمركبات والسفن وهي تتنعم الآن بامين بكل ما يرفرف حول نفس امين بعيداً كان أو قريبا مثلما تتنعم بأشياء كثيرة غير منظورة ولا مسموعة، وأجمل ما في حياتنا هو ذاك الذي لا يري ولا يسمع.
كيف وجدت لبنان؟ هل رأيته جميلا مثلما كان يصوره شوقك وحنينك إليه، أم ألفيته بقعة جرداء يسكنها الخمول بجوار الكسل؟ هل هو ذاك الجبل الذي تغنت بوصف محاسنه قرائح الشعراء من داود الي سليمان الي اشعيا، الي جرمانوس فرحات، الي لامرتين، الي نجيب الحداد، أم مجموع تلال وأودية خالية من الانس بعيدة عن الظرف، مكتنفة بالوحشة؟ أنت سوف تجيب علي هذه السؤالات برسائل طويلة الي المهاجر وأنا سوف أقرأ كل كلمة منها، ولكن اذا كان هناك بعض الاشياء التي لا تريد أن تتكلم عنها أمام العموم، أخبرني عنها برسائل خصوصية لكي أكون شريكا لك بأفكارك ومشاهدا بعينيك حقيقة لبنان.
انا في هذه الايام مثل صائم يترقب فجر العيد لأن سفري الي باريز يجعل أحلامي وأميالي حائمة حول الاعمال الكبيرة التي سوف أحاول اتمامها في عاصمة المعارف والفنون، قد اخبرتك يا أمين قبيل سفرك بانني سوف اصرف سنة كاملة في باريز وأنا اخبرك الآن بأنني سوف اذهب الي ايطاليا بعد انقضاء السنة، واصرف سنة متجولا بين متاحفها العظيمة، وآثارها القديمة، فأزور البندقية وفلورنسا ورومية وجنوي ثم أعود من نابولي الي أمريكا هي سفرة عظيمة هائلة تستدعي اهتمامك يا أمين لأنها ستكون مثل حلقة ذهبية تربط ماضي جبران المملوء بالكآبة بمستقبله المرفوع فوق أعمدة النجاح. انت ستمر بباريز طبعا عندما تعود من سوريا وفي باريز سنلتقي ونفرح، وفي باريز سنشبع أميال روحينا من الجمال الذي صاغته أيدي المتفننين، وفي باريز سنزور البانتيون ونقف هنيهة علي قبر فكتور هوغو، وروسو وشتوبريان، ورتنان، وفي باريز سنسير بين أروقة قصر اللوفر ونشاهد رسوم روفائيل وميكيل انجلو ودافنتشي وبارجينو وفي باريز: سنذهب ليلا الي الاوبرا ونسمع الاغاني والتسابيح التي انزلتها الآلهة علي بيتهوفن وفكنر وموزارت وفردي روسيني.. أن هذه الاسماء التي يصعب علي العربي أن يلفظها هي أسماء الرجال الذين بنوا مدينة أوروبا، هي أسماء رجال طوتهم الارض ولكنها لم تستطع أن تطوي أعمالهم العظيمة، ان العاصفة يا أمين تستطيع أن تميت الزهور ولكنها لا تقدر أن تبيد البذور، وهذه هي التعزية التي تسكبها السماء في نفوس محبي الاعمال العظيمة، هذه هي الاشعة التي تجعلنا – أبناء المعرفة – أن نسير علي طريق الحياة رافعين رؤوسنا بالفخر والغبطة.
قد تهللت نفسي عندما قرأت رسالتك من الاسكندرية وكبر قلبي عندما قرأت في المهاجر و المرآة عن التكريم الذي لقيته مع أخينا أسعد رستم في القاهرة وسوف يهلل نفسي ويكبر في داخلي عند استماع كل كلمة عنكما ومنكما، ولكن أخبرني يا أمين: هل ذكرتني إذ كنت جالسا بين صفوة لبنان ومصر؟ هل خطر علي بالك اسم الاقنوم الثالث الذي ما برح وراء البحار؟ أظن بأن سليم أفندي شركيس قد أخبرك عن الانتقاد الذي كتبه السيد مصطفي المنفلوطي بشأن وردة إلهاني ونشره في جريدة المؤيد؟ أما أنا فقد سررت جدا بالانتقاد لأن الانتقاد هو غذاء المباديء الجديدة خصوصا اذا كان صادرا عن رجل أديب مثل المنفلوطي.
اشغالي في هذه الايام أشبه شيء بسلسلة ذات حلقات آخذ بعضها برقاب البعض، وقد تغيرت طرق معيشتي وفقدت شيئا من لذة الانفراد التي كانت تعانق نفسي قبل أن أحلم بباريز وبالسفر اليها، بالامس كنت قانعا بالادوار الصغيرة التي كنت أمثلها علي مرسح محدود، أما اليوم فصرت أري تلك القناعة نوعا من الخمول، كنت أري الحياة من وراء دمعة وابتسامة، أما اليوم فصرت أراها من وراء أشعة ذهبية سحرية تبث القوة في النفس والاقدام في القلب والحركة في الجسد، كنت يا أخي مثل طائر مسجون في قفص، وكنت راضيا بالبذور التي كانت تضعها يد القدر، أما اليوم فصرت مثل طائر حريري أمامه بهجة الحقول والمروج الخضراء، فهو يريد أن يطير سابحا في الفضاء الوسيع، ساكبا في الاثير أشباح روحه وخيالات أمياله.. يوجد في حياتنا يا أمين شيء أسمي وأشرف من الشهرة، وهو العمل العظيم الذي يستدعي الشهرة، وأنا أشعر بوجود قوة كامنة في داخل نفسي تريد أن تتخذ لها من الأعمال الكبيرة ثوبا جميلا أشعر بأن جبران قد جاء هذا العالم ليكتب اسمه بأحرف كبيرة علي وجه الحياة، وهذا الشعور يلازم نفسي ليلا ونهارا، وهو الذي يجعلني أري المستقبل مكتنفا بالنور محاطا بالغبطة والمجد مذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أحلم، وأحلم، وأحلم بالمعاني والميزة الروحية، وها قد ابتدأت الأيام بتحقيق أحلامي، وسفري الي باريز هي أول درجة من السلم الذي يوصل الارض بالسماء.
سوف اهتم في الصيف الآتي بطبع كتابي الاجنحة المتكسرة وهو أفضل شيء كتبته لحد الآن، أما الكتاب الذي سيولد في العالم العربي حركة هائلة فهو كتاب فلسفة الدين والتدين الذي ابتدأت بتأليفه منذ أكثر من سنة والذي مابرح من أفكاري بمنزلة النقطة من الدائرة، وسوف أنجر هذا الكتاب في باريز وربما طبعته علي نفقتي الخاصة.
عندما تكون يا أمين في مكان جميل أو بين أدباء أفاضل، أو بجانب خرائب قديمة أو علي قمة جبل عال، عندما تكون في أحد هذه الاماكن، الفظ إسمي همسا فتسير نحوك روحي وترفرف حولك وتتمتع معك بالحياة وبكل مافي الحياة من المعاني الخفية. أذكرني يا أمين عندما تري الشمس طالعة من وراء صنين أو من وراء فم الميزاب، واذكرني عندما تري الشمس جامحة نحو الغروب وقد وشحت الطلول والاودية بنقاب أحمر كأنها تذرف لفراق لبنان الدماء بدلا من الدموع، واذكرني عندما تري رعاة المواشي جالسين في ظلال الأشجار ينفخون بشباباتهم ويملأون البرية الهادئة بالانغام مثلما فعل أبولون عندما نفته الآلة الي هذا العالم، واذكرني عندما تري الصبايا الحاملات علي أكتافهن آنية الماء واذكرني عندما تري القروي اللبناني يفلح الارض أمام عين الشمس وقد كللت قطرات العرق جبينه وألوت المتاعب ظهره، واذكرني عندما تسمع الاغاني والاناشيد التي سكبتها الطبيعة في قلوب اللبنانيين، تلك الاغاني المنسوجة من خيوط أشعة القمر، الممزوجة برائحة الوادي المنسوحة مع نسيمات الارز، واذكرني عندما يدعوك الناس الي الحفلات الادبية والاجتماعية لأن ذكري عندئذ يعيد الي نفسك رسوم محبتي لك وشوقي اليك ويجعل لكلامك معاني ممزوجة ولخطاباتك تأثيرات روحية. المحبة والشوق يا أمين هما بداية ونهاية أعمالنا.
والآن وقد كتبت هذه السطور أراني مثل ذلك الطفل الذي رام نقل مياه البحر بصدفة، الي حفرة صغيرة في رمال الشاطيء ولكن ألست تري يا أمين بين هذه السطور سطورا غير مكتوبة بالحبر؟ تلك هي السطور التي أريدك أن تستفسر خفاياها، لأنها كتبت بأصابع الروح، لأنها كتبت بعصير القلب، لأنها كتبت علي وجنة الحب الواقف بين الارض والكواكب، السابح بين المشارق والمغارب، المتموج أبدا بين نفوسنا ودائرة النور الاعلي.
أرجوك يا أمين أن تلفظ أسمي مشفوعا باعجابي واحترامي أمام والدك وأن تتفضل بتقديم تحيتي الي سيدتي والدتك – تلك الوالدة التي وهبت العالم العربي قوة كبيرة وأعطت لبنان شعلة مشعشعة، وأسعدت جبران بأخ حبيب، وأرجوك يا أمين أن تنثر سلامي أمام أخوانك وأقاربك ومحبيك مثلما ينثر النسيم زهر شجرة التفاح في نيسان. مريانا تحييك من وراء البحار وتدعو لك وترجو أن تكون معافي، نسيبي ملحم وابنته زكية قد طلبا مني أن أقدم لك سلامهما. الجميع يذكرونك دائما ويشتاقونك يا أمين حبيب أخيك.
ً
.