أنور غني الموسوي - مبادئ المعرفة الشرعية

مبادئ المعارف الشرعية

المبدأ هو القاعدة التي لا تخرج عنها المعرفة. وهذه المبادئ دليلها الاستقراء الموجب للعلم، وهي ناظر بالأساس الى الشريعة بما هي معرفة فان هناك مبادئ أخرى للشريعة ناظر اليها بما هي نظام.


مبدأ الحقائقية

معرفتنا تفاعل مع الموجودات، أي مع الحقائق الموجودة في الخارج وهذا هو مبدأ حقائقية المعرفة. والوجود معرفة حقائقية مفهومية تتقوم بطبيعة الموجود أي لا تنفصل ولا ينفك عن طبيعة الموجود فانتزاعها ملحوظ فيه الموجود نفسه، وهذا ينقسم بانقسام الحقائق ويتكثر بتكثرها الا ان المهم هو التمييز بين نوعين من الوجود الحقائقي أحدهما زماني حدثي وهو وجود المخلوقات ووجود ازلي سرمدي لازماني هو وجود الخالق الله تعالى، فالله تعالى موجود حقيقي خارجي لازماني ولا مكاني ازلي وهذا ما يتفرد به تعالى ولا يشاركه به شيء ولا يتداخل معه شيء تعالى الله علوا كبيرا.

وهناك انتزاع معرفي للوجود نفسه يراد به صفة الموجودات بالفهم الاخطاري من مفهوم الوجود أي المعنى الاشاري الالتفاتي وليس الحقائقي وانتزاعه لا يلحظ فيه طبيعة الموجود ولا يتقوم بطبيعة الموجود وهذا لا يختلف بين موجود واخر فهو واحد، وهو ي يرادف الشيئية فالله تعالى شيء وموجود كما ان غيره من الأشياء شيء وموجود، وعلى هذا المعنى يجب ان يحمل قول من قال بوحدة فهي الكثرة بالمعنى الحقائقي الخارجي.


مبدأ المعرِّفية

الانسان كائن واقعي، بمعنى انه يبني معارفه على منطقية واضحة وعلى تناسق واتساق ولا يقبل التخلخل والوجود غير المبرر. لذلك فالإنسان دوما ينطلق الى المعرفة مما لديه من معلومات ومعطيات ولا يبدأ بها من مكان منعزل، حتى الفرضيات هي دوما تكون منتزعة من الواقع أي من خبرات الانسان. فالمشاهدة والادراك دوما تتأثر بما هو معلوم سابقا، فالمعارف السابقة تؤثر في طبيعة المشاهدة او المعرفة الجديدة أي الادراك الجديد وهذا هو مبدأ (معرفية المعرفة). ولذلك فالعقل يعرّف المعرفة ليعرفها ومن دون تعريف بشاهد ومصدق فلا تعرف وهذه هي معرفة المعرفة.

ان العقل والوجدان لا يقبل الا بالعلم ولا يقبل الا بالمعروف عنده والمعرَّف بمعرِّف ووجود الشاهد والمصدق يحقق تعريفا للمعرفة فبالضبط كما في الاسماء هناك نكرة ومعرفة فان المعرفة منها نكرة ومنها معرَّف وكما ان هناك ادوات لتعريف الالفاظ فان هناك ادوات معرفية لتعريف المعرفة وتعريف المعرفة يكون بالشاهد. فنقول هذا معرفة معرَّفة بشاهد وهذا معرفة نكرة ليس لها شاهد معرف. تعريف المعرفة بشاهد يؤدي الى معرفة المعرفة ويخرجها من النكارة. فالأصل في المعرفة النكارة ولا بد من التعريف من معرِّف وهو الشاهد المعرفي.


مبدأ الاتساقية

ان العقل البشري لا يقر الا بالمعرفة المستقرة، واما المعرفة القلقة فلا يقر بها مهما كانت مصادرها، ولأجل استقرار المعرفة في العقل لا بد ان تكون لها شواهد ومصدقات وان تكون في تناسق وتوافق مع باقي حقول المعرفة. فعدم الشواهد وعدم المصدقات هو علامة المعرفة القليلة. وهذا هو مبدأ (اتساق المعرفة).

اتساقية الشريعة

الشريعة كمعرفة هي منظومة معارف مستقلة لها مظهرها واستقلالها ولونها المعرفي المتميز بخصائص واضحة وهي تستفاد من مواد الشريعة أي ادلتها والتي هي القران والسنة، وتعتمد كما هو حال غيرها من معارف على التوافق والتناسق والتشابه والاتصال والاعتصام. وتعرف المعرفة من كونها شرعية بعلامات التوافق والتناسق والاتصال فتصبح علما وحقا شرعيا وصدقا واعتصاما. قد يعتقد ان الشريعة هي النص او دلالته وهذا لا مجال له بل الشريعة معرفة مستقلة في مستوى خارج النص ودلالاته وان كان النص ودلالاته مقدمة وطريق اليها، بل حينما يكون النص غير موافق للشريعة فانه يعالج بطريقة او بأخرى حتى يتوافق وهذا بسبب استقلال الشريعة عن النص.

ان الاتساقية الشرعية لا تطرح الموافقة كحل لمشكلة العلم وانما تطرحها كعلامة للعلم ولذلك فالمتسق والموافق هو العلم والصدق أي هو صورة الحقيقة وصورة الواقع. ومن هنا فلا مجال لتقسيم المعرفة الى ظاهرية وواقعية من جهة الثبوت وانما كل المعرفة الثابتة واقعية الا انها حين يتبدل العلم أي يتبين الخلاف فانه يتبدل العلم وتتبدل المعرفة بالواقع. ان الحقيقة والواقع الشرعي محفوظ ومعصوم ونحن البشر ليس لنا الا معرفته والعلم به وهذا العلم يمكن يتغير. ومن هنا يتبين ان الواقع واقعان واقع حقائقي وواقع معرفي ونحن نتعامل مع الواقع المعرفي.


مبدأ التوحدية

ان الواقع واحد والحقيقة لا تختلف، وسيلة العلم بها لا تختلف، كما ان الدليل عليها لا يختلف. ولأجل التوحد في كل تلك الأطراف الخاصة بالمعرفة فان المعرفة البشرية يجب ان تكون موحدة وهذا هو مبدأ (توحد المعرفة) ومنه (توحد المعرفة الدينية). اذن من ان يأتي الاختلاف في المعارف؟ الاختلاف يأتي بسبب اعتماد الظن اي العمل بالظن، لو ان الناس اقتصروا على العلم في تعاملاتهم لما حصل اختلاف. اذن الحل في رفع الاختلاف هو ترك الظن واعتماد العلم في كل صغيرة وكبيرة في المعرفة، لان العلم لا يختلف. وهذا طبعا لا يعني القهر والاكراه بحجة التوحد وانما بيان الطريقة العلمية الموحدة التي لا تحتمل تضليلا. حينما يقطع الطريق امام النقل الظني والفهم الظني حينها سوف يتوحد النقل ويتوحد الفهم لان العلم يوحد دوما، ومن الغرائب ان يقال انه يجوز في المعرفة الاختلاف وواق الحياة لا يقبل الاختلاف، وان لكل انسان وعيه وادراكه ليس سببا للاختلاف في المعرفة وانما هو سبب لاختلاف التفاعل معها وفرق بين الاثنين.


مبدأ الاستقرائية

الطريق الوحيد الصحيح للمعرفة هو العلم، والعلم اخبار، وهو اما استنباط او استقراء ولا ثالث، والأول أيضا يرجع الى الاستقراء، ففي الحقيقة علمنا بالأشياء ومعرفتنا بها مرده الاستقراء، ولا بد لمن ليس استقراء علمي ان يعتمد بمن لديه استقراء علمي.

الانسان يعلم بوجدانه انه حادث وليس قديما وانه مركب بطريقة فائقة الدقة وكذا باقي الأشياء حوله فإنها حادثة وفائقة الدقة في صنعها، ومن خلال الاستقراء العلمي فان هذا يعني وجود صانع حكيم وازلي غير حادث غير محتاج الى خلق وصنع، وقد سمته الشرائع السماوية وعرفته للبشر بانه الله تعالى خلق كل شيء. والانسان يلاحظ بوجدانه ان الله تعالى الذي خلقه خلق معه الراحة والتعب والخير والشر والالم واللذة وهكذا من متناقضات وكذا الاختيار والقهر، وبحسب الاستقراء العلمي فان هذا يكشف عن وجود حالة اختبار للإنسان من قبل صانعه تعالى. ووجدان الانسان الاستقرائي يثبت ان كل اختبار له جزاء وكل طاعة وامتثال له ثواب وعطاء كل إساءة وعصيان له عقاب وحرمان الا انه لا يرى ذلك حاصل في الدنيا فلا بد وبحسب الاستقراء العلمي ان يكون الحساب في عالم اخر غير الدنيا وهو ما أسمته الشريعة بالأخرة. ان الانسان يرى حالات الانحراف الحاصلة في سلوكه من حيث الظلم ويرى ان معارف توضيحية تخص الحكمة يتحاج فيها الى اخبار من الله تعالى وبحسب الاستقراء العلمي هذا يحتم ارسال الرسل وإنزال الكتب. ان هذا الاثبات الاستقرائي للإيمان وللشريعة وللمعرفة بها هو جزء من صفة عامة في المعرفة البشرية الا وهي الاستقرائية فان الحس والمادة والاستنتاج والفرضيات في الواقع كلها نتاج الاستقراء وانما التوجيه الخبروي هو لبيان المفاهيم بشكل تواضعي وليس لمعرفة الحقيقة وهذا هو المبدأ الاستقرائية للمعرفة. ان ما قدمته يبين وبوضوح إمكانية اثبات المعارف الايمانية الرئيسية استقرائيا وبحسب مناهج العلم الاستقرائي بل والتجريبي وهذا يفتح افاقا واسعة اما معارف الشريعة طبيعة تناولها وطرحها للناس.


استقرائية الشريعة

الاستقراء هو أحد الطرق المستخدمة في مناهج البحث العلمي. وهو دليل علمي للمعارف الخارجية ومعتمد في العلوم البحتة وتبني عليه البشرية الكثير من قرارتها المصيرية. وهذا يمكن من القول ان الاستقراء يصح ان يكون دليلا في الشريعة لكن بعد إخراجه من الظن الى العلم. ان المعرفة الاستقرائية في الشريعة في الأساس ظن وهي بنفسها ليست حجة الا انه ليس من الممتنع ان تكون دليلا كما انه ليس من المقبول اركان هذا الدليل المهم جانبا لذلك لا بد من السعي نحو تكامل علمية الاستقراء الفقهي واخراجه من الظن الى العلم.

من الواضح جدا ان جميع المحاولات التي حاولت ان تعطي للاستقراء علمية فشلت فشلا ذريعا اما المعارف الثابتة بخصوصه ظنيته، وان جميع المحاولات التي حاولت ان تعطي الاستقراء حجية في الشريعة تميزت بالضعف والظنية. لكن نحن نعلم بوجداننا ان الاستقراء علم على وجه من الوجوه، كما ان العلوم التجريبية تعتمده أساسا لحقائقها التي بنت هذا البناء الذي من غير المعقول التقليل من علميته. اذن كيف يصبح الاستقراء الظني علما؟ كما انه من الواضح أيضا عجز الفقه الاصولي عن الارتقاء بالاستقراء الى العلم لقصور ادواته عن ذلك، فبقي الاستقراء الفقهي ظنا وليس حجة والادعاء لا ينفع.

لكن الفقه العرضي الذي نعتمده كفوء جدا في تحقيق العلمية في الاستقراء الناقص، اذ ان أحد اهم إنجازات ومهمات الفقه العرضي هو اخراج المعرفة من الظن الى العلم. والمنهج المتبع في الفقه العرضي بإخراج المعارف الشرعية من الظن الى العلم يجري في الاستقراء حينما يتناول موضوعا شرعيا، وهو ما نسميه الاستقراء الشرعي. فحينما يتحقق عندنا استقراء شرعي يتحقق عندنا ظن شرعي، وبعرضه على القرآن، وتبين شواهد له ومصدقات منه يخرج من الظن الى العلم. اذن وجود شواهد ومصدقات من المعارف القرآنية للنتيجة الاستقرائية كفيل بتحقيق العلمية له واخراجه من الظن الى العلم. ولا يقال ان الحكم علم في البعض فيجوز ان يكون البعض الاخر على خلافه فان هذا الظن زال بتصديق القرآن للحكم، فبعد ان لم يثبت حكم معارض في البعض الاخر وثبت كون الحكم المتبنى موافق للقران وله شواهد منه كشف ذلك ان هذا الحكم هو الجاري في جميع الجزئيات. فالتتبع حقق جزء من العلم والتصديق القرآني كمل ذلك وهذا هو الحال في جميع المعارف القرآنية فان الدليل يثبت جزء من العلم وتصديق القرآن له يكمل العلم. وفي الواقع هذا ليس مختصا بالشريعة بل هو جار في جميع العلوم التي اعتمدت الاستقراء كدليل علمي فان اشتراط موافقة الفرضية وتناسقها واتساقها مع ما هو معلوم وثابت من معرفة هو المصحح للاستدلال بالاستقراء ومحقق ومكمل علميته في جميع العلوم.

واذن الحلقة المهمة هي متى يكون الاستقراء شرعيا؟ أي متى يكون معرفة شرعية ولو ظنية؟ ومن الواضح ان المعارف لكي تكون شرعية لا بد ان تكون مستندة ومستفادة من الأدلة الشرعية. وقد بينت في مناسبات كثيرة ان الدليل الشرعي نوعان دليل حكمي نهائي ودليل دليلي طريقي، وبعبارة مختصرة الأدلة الشرعية اما طريقية او نهائية.


مبدأ التصديقية

الفطرة البشرية واليقين المعرفي الوجدان الانساني والواقع العقلائي تقر بوجود المعارف الغيبية الايمانية، وتأكيد الشرائع والاديان السماوية عليها ليس لخلق واستحداث فهم جديد للواقع والمعرفة بل لتأكيد وتقرير تلك الحقيقة التي لا بد منها. ان الغيبي يصدق الواقعي الشهودي، والدلائل والآيات قائمة وما كانت الشريعة ولا غيرها من مصادر المعرفة ان تقول بالغيبيات لولا وجود الدلائل العقلائية المصدقة الكافية جدا عليها ولوا ان تلك الغيبيات حقائق. والعقول التي انكرت تلك الحقائق الايمانية الغيبة تعاني من اعتماد الظن وقصور معرفي وخلل وجداني وتحيز معرفي وادلجة تفكيرية وليس لان الايمان امر مخالف للحسي والمادي، فالمقابلة بين المادي الحسي والغيبي الايماني مقابلة لا تتصف بالعقلانية وفيها تحيز وادلجة غير مبررة عقلائيا وان مال اليها كثير من منكر الغيب والايمان. ما موجود في المعارف الشرعية هو بالضبط كهذا النظام فهناك معارف دينية لها رسوخ عند المؤمن يلحقها بالشهود والعيان وهي محكم القران وقطعي السنة وهناك معارف دينية لها شواهد وآيات يكون وصفها وحالها حال المعارف الغيبية الايمانية الآياتية.

الشواهد المعرفية المصدقة للخبر كفيلة بإخراجه من الظن الى العلم وان هذا العلم تصديقي والمعرفة الحاصلة به صدق، وهذا ليس من التعبد او توسعة العلم والصدق بل هو كشف واضاءة من المعرفة العرفية والعقلائية عميقة وراسخة في وجدان العقلاء بالتصديق لما هو مستقبلي عن المشاهدة والعيان. وهذا هو مبدأ (تصديقية المعرفة).

ان العلم والواقع الشرعي المتحقق بمنهج العرض هو تصديق وبيان الشواهد والحجج والآيات التي في المعارف الراسخة كالشهود والعيان اي قطعي القران والسنة على المعارف الاخرى التي هي بحال المعارف الغيبية والايمانية. وبهذا يتبين ان العلمية والواقعية واليقينية التي يحققها العرض والتوافق والتناسب هي علمية عقلائية عرفية وجدانية وفطرية ويقيني وواقع عرفي عقلائي ووجداني فطري وليس من استحداث في البين.


مصدقية الشريعة

المصدقية وعدم الاختلاف له جذر عقلائي وهي من اهم الاسس لمنهج العرض حيث انها تتضمنه والآيات ظاهرة في ان المضمون والمعرفة المصدقة لما قبلها ولما هو خارجها من معارف حقة امر معتبر في الايمان وصدق المضمون وانه حق وعلم.

ان محورية القيمة المتنية للخبر مما يصدقه بل وأقره سلوك العقلاء في تعاملاتهم والشرع جرى على ذلك، ولحقيقة كون الشرع نظاما له دستور وروح ومقاصد ورحى وقطب تدور حوله باقي اجزائه وانظمته كان الرد والتناسق والتوافق اوليا واساسيا فيه. فكل ما يخالف تلك الروح والمقاصد والثوابت لا يقر. ولا يتحقق اطمئنان او استقرار انتسابي واذعان تصديقي الا بان تكون المعارف متناسقة متوافقة يشهد بعضها لبعض وهذا مطلب عقلائي ارتكازي.

لا بد من التأكد والتذكير دوما ان الشرع نظام معرفي واضح المعالم والحمد لله وهي حصانة له، وفيه معارف ثابتة قطعية لا يصح مخالفتها لأنه من نقض الغرض ومن الاخلال بالنظام. فالأخبار الظنية مهما كانت صحة سندها خاضعة لعملية الرد والعرض والى وجوب تبين مدى الموافقة والتناسب ومدى الاقتراب من جوهر الشريعة او مدى ابتعادها وشذوذها. وهل يعرف غرابة وشذوذ ما ينسب للشرع بظنون نقلية من تفسيرات لآيات او تأويلات او روايات احاد الا من خلال الرد والعرض، بل ان سيرة المتشرعة حمل ظواهر الأحاديث المشكلة على ما يوافق الثابت بل ان ظواهر الايات المتشابهة يحمل على محكمها، وهذا كله من تطبيقات العرض والرد.

فالتقييم المتني متجذر وعميق في الوجدان الشرعي كما هو حال اي نظام معرفي دستوري اختصاصي يحتكم الى عمومات وقواعد ثابتة ظاهرة هي روح النظام وجوهره لا يقبل الا ما توافق معها ويرد ما خالفها، وعلى ذلك المعارف الشرعية الثابتة بل الارتكاز الشرعي المصدق بسيرة العقلاء بل وفطرتهم. فمن الجلي جدا ان ما يخالف ما هو قطعي من الشرع يكون مشكلا بل احيانا يحكم بانه منكر وأحيانا يحكم بانه كذب. ولقد رد او كذب السلف والاعلام ومن لا يشك في ورعه وتقواه معارف كانت بهذه الصفة ليس الا انهم طبقوا الرد والعرض.


مبدأ العقلائية

العلم مقدمة من مقدامات المعرفة. فالعلم هو معرفة حقائق مستقلة بالخارج لا يمكن للعقل انتاجها، وحينما تكتشف بالعلم تصبح مادة ومعرفة متاحة يجري عليها العقل عملياته، ولا معرفة متاحة الا بادراك عقلي. وهذا هو مبدأ عقلائية المعرفة.

ان الاستنتاج العقلي هو في الواقع اجراء عقلي على معارف معلومة. وبمعنى اخرى الادراك المباشر للأشياء بالحواس هذا علم وليس عملية عقلية وانما العقل يستقبل هذا العلم ويجري عليه عمليات التحليل. ومن هنا يتبين ان الحقيقة العلمية حقيقة مستقلة بالوجود في خارج النظام العقلي. اما الحقيقة العقلية فهي كل معرفة مستفادة من العلم أي كل ما يحلله العقل ويتوصل اليه من علاقات. وبينما الحقيقة العلمية بسيطة وطريقيه ومجردة عن العمل العقلي فان الحقيقة العقلية حقائق معرفية نهائية ومرتبطة بتاريخ الانسان وارثه الشخصي. فالحقائق العلمية نوعية وصفية بينما الحقائق المعرفية فردية تحليلية.

لكن لا بد من التأكيد ان الحقيقة العلمية ليست فقط حسية وانما اثرية، أي يعلم الشيء بأثره والحقيقة الاثرية حقيقة علمية وليست عقلية كما يعتقد ويشار اليه عادة، فالمؤثر يدرك علما كاملا حقيقا وان كان لا يحس، وبعد ان يدرك ان العقل سيجري عليه عملياته. ومن هنا فالإمكان العقلي والاستحالة العقلية هي امور حقيقية لها وجود في الخارج الا انها غير مستقلة.


عقلائية الشريعة

الشريعة معرفة بشرية والمعرفة البشرية من مقوماتها انها عقلية ليس لان العقل هو اداة الادراك فقط وانما لان العقل هو الميزان لاجل قبول الخارج والاذعان له. لا يمكننا باي حال من الاحوال فصل الانسان عن عقله لان العقل هو الوجدان والوجدان لا يمكن ان يتخلف نعم يمكن ان يقهر لكن لا يتخلف وبالطريقة السوية الفطرية، فلا بد ان يكون كل شيء موافق للعقل والوجدان ومنه الشريعة. من هنا فكل نقل ينسب الى الشريعة يخالف العقل لا يقبل وكل فهم لنص مخالف للعقل لا يقبل وكل تفريع من أصل نصي ينبغي ان يكون بقوانين العقل السليمة أي العقلاء، فالدين حقيقة كامل بالقران والسنة بإذعان العقل وتفريع العقل. لا يمكن باي حال من الاحوال التقليل من شان العقل في الشريعة الا انه يستنير بعلم النص لان الشريعة علم والعقل يتنور بالعلم.

بالعلم الانسان يكتشف الاشياء في الخارج والعقل يجري عليه عملياته الادراكية من رد وعرض وتحليل. لذلك فالعلم يمكن ان يدعي لكن العقل لا يدعي الا انه قد يُخدع بالعلم. ومن هنا تبرز ضرورة اعتماد الوجدان والفطرة السليمة والنقاء الأصلي للإنسان بدل المصطلح التخصصي العلماء والذي قد يصنع الزخرف العلمي المضلل أحيانا.

العقل التمييزي هو آلة الرشد والادراك وهو ليس فقط يدرك الاشياء كصور وعلاقات بين الاشياء وليس فقط يمكنه ان يخترع علاقات ويحلل ويضيف ويحذف، وانما هناك صفة واضحة ومتميزة في العقل التمييزي هي احكامه الوجدانية الانسانية او الضمير الانساني وهو احكام الحسن والقبح وهي علاقات معرفية راسخة جدا وعميقة جدا في التجربة الانسانية. وكلما كانت المعرفة عميقة كانت أكثر حاكمية على غيرها وكلما كانت راسخة كانت اصدق من غيرها.


مبدأ المحورية

الشريعة فيها جوهر معرفي هي محور الدين ومعارفه الأساسية، وحول تلك المعرفة المحورية دوائر معرفية تعطي للدين مظهره الخارجي. جميع المعارف الطرفية تكون بحالة موافقة تامة للمعرفة المحورية وتابعة لها اتجاها ومضمونا. بل في الواقع هي مشتقة منها. وهذا هو أساس العرض والرد الشرعي؛ أي عرض المعارف التي تنسب الى الشريعة الى محورها لبيان مدى موافقته وتناسقها معها وردها اليها عند الابتعاد بالتوجيه الحق. ومحور الشريعة يؤخذ من المعارف القطعية المحكمة المسلمة المتفق عليها من القران والسنة. ان محور الشريعة لا يساوي النص الشرعي وانما هو علم ومنظومة معارف متناسقة متوافقة لا تقبل التعدد والاختلاف في مستوى محفوظ معصوم خارج النص محله صدور المؤمنين لا يقبل الظن ولا الشبهة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى