أ. د. عادل الأسطة - الروائيون العرب والقدس: واسيني الأعرج مثالاً

في إحدى قصائده يكتب الشاعر المصري أمل دنقل: "نحن جيل الألم لم نر القدس إلا في القصائد" وأغلب الظن أن أكثر الأدباء العرب الذين كتبوا عن القدس بعد العام 1967 لم يروا القدس.
ربما اختلف الأمر قبل هزيمة حزيران فقد كانت زيارة المدينة متاحة لهم، وكان خليل مطران زارها قبل 1948 وكتب فيها قصيدة قصيرة.
في الرواية صدرت في فترة مبكرة جداً رواية تاريخية عن "مملكة أورشليم" ولست متأكداً إن كان فرح أنطون زار القدس.
وربما يعد جبرا إبراهيم جبرا الروائي الأبرز الذي أتى على القدس في "صيادون في شارع ضيق" 1960 ويبقى جبرا كاتبا فلسطينيا عرف المدينة وأقام فيها وعد أحد أبنائها وإن لم يولد فيها.
سيبرز اسم المدينة في عنوان رواية كاتب مشهور هو نجيب الكيلاني "عمر يظهر في القدس" بعد 1967، وعلى الرغم من ذلك لا تعد الرواية رواية مكان ومؤلفها على الرغم من توجهه الإسلامي لم يزر- أغلب الظن - المدينة التي اختارها ليكتب عنها.
إن صلته بها هي صلة المسلم بمدينة مهمة للمسلمين تشد الرحال إليها ومنها عرج الرسول (ص) إلى السماء وهذا الحدث الإسراء/ المعراج ورد ذكره في القرآن الكريم، ومنه اكتسبت القدس قدسيتها التي ستبرز في قصائد أكثر الشعراء - إن لم يكن كلهم، فمن كانوا شيوعيين ولم يروا في فترة مبكرة المدينة مدينة مقدسة؛ مثل محمود درويش في "تحت الشبابيك العتيقة" 1967 عاد ورأى فيها مدينة مقدسة، كما في "في القدس" 2003.
لم تحضر المدينة في روايات عربية كثيرة حتى العام 2000، وإذا ما استثنينا روايتي جبرا "السفينة" 1970 و"البحث عن وليد مسعود" 1978 فإن روائيي الخارج بالكاد لامسوا القدس مكاناً في أعمالهم، وليس هذا بمستغرب، إلا لمن كان توجهه توجها إسلاميا خالصا وتوجها روحيا بالدرجة الأولى أو إن كان كاتبا مسيحيا وكتب عن المسيح رواية تاريخية.
هنا استثني أيضا نبيل خوري الفلسطيني ابن المدينة المقيم في المنفى فقد كتب ثلاثيته ومنها "حارة النصارى" 1974، ومثله في فترة متأخرة عيسى بلاطة صاحب "عائد إلى القدس" 1998 تقريباً.
إن ما أقاربه في هذه الكتابة بالدرجة الأولى هو روايات الروائيين العرب ممن لم يعرفوا المدينة.
بعد العام 2000 اختلف الأمر فقد كتب روائيون عرب روايات عن القدس قبل أن يزوروها - زاروها لاحقا بعد كتابة رواياتهم وهنا قد توجه لهم الأسئلة الآتية: كيف رأيتم المدينة بعد زيارتها؟ وهل أنتم راضون عما كتبتم؟ وإن عدتم وكتبتم عن القدس فكيف ستكتبون؟
ربما تعد أبرز روايتين كتبهما روائيان عربيان عن القدس هما: "مصابيح أورشليم: رواية عن إدوارد سعيد" للعراقي علي بدر و"سوناتا لأشباح القدس" 2009 لواسيني الأعرج، وهما روايتان قاربتهما من قبل عموما - هنا استثني حسن حميد وليلى الأطرش باعتبارهما فلسطينيين.
وقارئ رواية واسيني يلحظ أن اسم المدينة يظهر في العنوان ولكنه يقترن بكلمة أشباح. هذا يعني ابتداء أن المؤلف الذي كتب عن مكان لم يره - كما لو أنه أيضا المقصود بسطر أمل دنقل - أي من جيل الألم - يكتب أساسا عن أشباح المدينة، لا عن المدينة نفسها.
هنا يثير المرء السؤال الآتي: ما مقدار ما كتب عن القدس في الرواية قياسا إلى ما كتب عن نيويورك فيها؟
ولن يتفاجأ المرء حين يعرف أن الحضور الأكبر في الرواية هو لمدينة المنفى - أي نيويورك.
الأمر عموما يحتاج إلى دراسة إحصائية لتقول لنا الإجابة الصحيحة، وإذا ما توصل صاحبها إلى أن الحضور الأكبر هو لنيويورك التي لم تحضر في العنوان فعليه ألا يتفاجأ.
ببساطة لأن الجواب يفصح عنه المتن الروائي.
بطلة الرواية هي مي الحسيني التي تغادر القدس طفلة في الثامنة من عمرها في العام 1948 هربا من عصابة (الهاغاناة ) خوفا على حياتها، فالعصابة تريد قتل والدها.
وتقيم مي جل حياتها في نيويورك. إن السنوات التي أنفقتها في المنفى هي الأكثر ولا عجب أن يحضر المنفى بأمكنته أكثر مما تحضر المدينة - يلاحظ هذا أيضا في رواية عيسى بلاطة المذكورة، بخلاف رواية نبيل خوري "حارة النصارى".
إن السؤال الذي يمكن أن يوجه إلى واسيني الأعرج هو: ما رأيك في الكتابة عن مكان صلة الكاتب المباشرة به عيانيا /مشاهدة معدومة؟ طبعا يلي هذا السؤال أسئلة أخرى تمس بنية العمل الروائي؟
وأنا أقرأ الروايات التي تكتب عن القدس ممن أقام فيها وممن لم يرها مباشرة أثير العديد من الأسئلة التي تخص العناصر الآتية:
- أولا: الشخصيات.
- ثانيا: اللغة.
- ثالثا: عنصر الوصف.
- رابعا: عنصر الدقة في ذكر الأماكن.
وجل من كتب عن المدينة من الخارج - وأقول جل - عانت روايته من خلل ما في عنصر أو أكثر من العناصر الأربعة المذكورة.
مرة قاربت روايتين لروائيين فلسطينيين وفحصت الاختلاف بينهما في الجوانب المذكورة ولقد وجدته حقا. الروايتان كانتا لعارف الحسيني "حرام نسبي "وعارف من القدس، ولحسن حميد "مدينة الله "وحسن يقيم في دمشق.
ماذا لو التفتنا إلى العناصر الروائية الأربعة في رواية واسيني الأعرج؟
هنا يمكن مساءلة الروائي ابتداء إن كانت الأسئلة التي تتعلق بالعناصر راودته وكيف تمكن من التغلب عليها؟
ماذا لو قارنا بين حضور اليهود في الرواية وحضورهم في رواية عارف الحسيني "كافر سبت "التي كتبت تقريبا في الفترة التي كتبت فيها رواية "سوناتا لأشباح القدس"؟
وماذا لو قارنا أيضا بين التعدد اللساني في الروايتين؟
وماذا لو التفتنا إلى عنصر الوصف في الروايتين؟
وماذا لو قمنا بإحصاء أسماء الأماكن والشوارع والمحلات المتعلقة بالقدس في الروايتين؟
ربما تبدو الأسئلة بسيطة وساذجة ولكنها على أية حال أسئلة مشروعة حين يقارب المرء رواية مكان بالدرجة الأولى.
أقر ابتداء بأن واسيني الأعرج كاتب كبير متمكن من صنعته وأنه أسرني في روايته فقرأتها دون ملل، بل وبشغف ولكن ما سبق لم يحل دون طرح الأسئلة السابقة.
هل لامست موضوع القدس في روايته أم أنني دعي فلسفة على رأي أبي نواس "حفظت شيئا وغابت عني أشياء".


أ. د. عادل الأسطة
2018-04-29


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى