خالد جهاد - خلف قضبان الذاكرة

قلب الإنسان يشبه اللوحة الفسيفسائية المرصوفة بالذكريات والمحتقنة بالصور، التواقة للمسات والمحترقة بلهيب المشاعر التي لا ترتوي..
مليء بالأغنيات التي لا تنتهي، والضحكات التي لا تخفت، والأسئلة التي تبدأ منذ أن تبصر أعيننا النور حتى تغمضها إلى الأبد، محملٌ بأثر اليد التي انتظرنا أن تربت على كتفنا لكنها لم تفعل، مشتعلٌ بغياب حبيبٍ نعانق ثيابه في سفره الطويل، يتناثر في الزوايا، يلتحم بروح الأشياء، يتبادل القبلات مع الصمت ويجلس في أحضان الوحدة ليريها ما كتبه على جدران الحياة مع المتعبين الذين لا صوت لهم، يحكي حكاياته لعقارب الساعة دون أن يدري إن كانت تشعر بالضجر وهي تستمع لها..

لكن يكفيه أن يكون هو البطل المطلق فيها ويكون الكاتب والمخرج في فيلمٍ يحمل بصمته الخاصة، تتحرك فيه الكاميرا بطريقته، تحاكي الزوايا نظراته، يتشابه الديكور مع روحه، تعبر الإضاءة عن مزاجه العاطفي، يتراقص الحوار على إيقاع لوعته، تلخص موسيقاه نوتات قلبه، ويؤدي فيه دور عمره الذي يجسد عصارة أحلامه، تحكي عن تاريخه الشخصي الذي لا يعرفه أحد وقد لا يعني لأحدهم شيئا، والذي قد تختزله كلمة، ايماءة، ابتسامة أو حتى دمعة، تعانق بشريته وتحتوي غربته التي بدأت مع جسده وكبرت في كنف كذبته واستولت على ذاكرته..

تلك الذاكرة التي تصالحت مع الغياب، وتقبلت الأحزان، ولا يوجد لديها مساحةٌ للعتاب، فهي مشغولة بحياكة شالٍ لليالي البرد القادمة، وتنتظر صانع الأحلام لتعطيه أرقها ويستبدله بوسادةٍ من الطمأنينة التي تداعب شعرها حتى تغط في نومٍ عميق سمعت عنه لكنها لم تعرفه قط، بعد أن ضلت أشعة الشمس طريقها إلى أجفانها التي تحجرت وهي تنتظرها لتأتي بصديقٍ وعدها بقربه في النازلات ولم يأتي أحدهما بعد..

فنحتفي في العزلة بغياب الطرقات على أبوابنا التي أدمنت السكوت، واكتست أقفالها بثوب الصدأ، ولم يعد هناك من مفاتيحٍ لها سوى كلمة حبٍ وندم من روحٍ تكابر رغم وحدتها.. بترت يديها كي لا تدق بابنا بعد أن أغلقته علينا ونحن نحتضن صورتها الباسمة في فراشٍ مبتلٍ بالدموع..
ذلك الفراش الذي كان يكفي لينام فيه كل أطفال المدينة الذين لا مأوى لهم، متدثرين بحنيننا إلى زمنٍ لم يعيشوا فيه، يسندون رأسهم إلى غيمةٍ من أمل يسافر بهم حيث عجزت مخيلتنا أن تأخذنا بعد أن خذلتنا ساقانا والريح وقصائد العشاق، فسجنت أرواحنا في زنزانة خوفنا، نناجي الراحلين ونضحك للطفولة، نسهر في العتمة على ضوء شمعةٍ طويلةٍ جداً، لم تنطفىء منذ غادرنا خيمة أحلامنا واستمرت في البكاء حتى ابيض شعرنا، رغم توقف الأرض عن الدوران وغرق الحاضر في النسيان، فلا نذكر سوى ما مضى، نحفظه بعيونٍ مغمضة نفتحها أحياناً لنمسح أنهاراً من الشجن الذي تدفق على وجنتين لم يلاطفهما الربيع منذ زمنٍ بعيد، تبحث عن الحنان في ظل ابتسامةٍ حرة لا تخشى الأفول أو الإعتقال خلف قضبان الذاكرة..


خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى