عبد الغني سلامة - عن لباس المرأة

وردت في القرآن الكريم ثلاث آيات كريمة فقط تحدثت عن لباس المرأة وعورتها (الأحزاب 53، 59، النور 31)، بينما نجد أن 90% وأحياناً أكثر مما يشغل الدعاة والمشايخ الإسلاميين الحديث عن المرأة: لباسها، زينتها، عورتها.
والسؤال لماذا يركز بعض الدعاة الإسلاميين على المرأة إلى هذه الدرجة؟ حتى أن فقهاً كاملاً خُصص للمرأة، وعلى حساب قضايا أخرى، قد تكون أكثر أهمية!
في الحقيقة، قبل الإسلام بقرون عديدة كانت الأديان والنظم الاجتماعية تركز على المرأة، وتفرض عليها أنماطاً سلوكية معينة، وزياً معيناً.. في حين كان الرجل معفى من كل ذلك، وله مطلق الحرية في ملبسه ومأكله وسلوكه، بل إن المرأة نفسها كانت (وما زالت) يُنظر إليها باعتبارها من ضمن ممتلكاته ومتاعه، يحق له أن يحكمها، وأن يتصرف بها كما يشاء، وأن يفرض عليها ما يريد.
وقد تحدثتُ في مقالات سابقة عن الانقلاب الكبير في مكانة المرأة في التاريخ الإنساني، وتحديداً انتقاله من مجتمعات الأمومة إلى المجتمعات الذكورية، أي من عصر الماتريرك إلى البطريرك في بدايات عصر الثورة الزراعية. وأيضاً عن تشدد الأديان السابقة تجاه المرأة، وأن اليهود الحريديم مثلاً أكثر تزمتاً من طالبان.. وعن الأصل المجوسي الزرادشتي للحجاب، وانتقاله لليهودية.. وسأتناول هنا إستراتيجية الخطاب الديني تجاه المرأة، آلياته ومحدداته:
يبدأ خطاب المرأة بتجميلها؛ بوصفها قطعة حلوى يجب أن تظل مغلّفة حتى لا ينجذب إليها الذباب (الرجال)، أو بوصفها جوهرة ثمينة يجب أن تظل محمية من اللصوص (الرجال)، أو بوصفها كحَمَل وديع عليها ألا تمر من طريق الذئاب (الرجال)، وفي آخر التشبيهات هي مثل "الطنجرة" المغطاة والتي يدفع الفضول بالجميع لمعرفة محتواها، خلافاً للمرأة غير المحجبة والتي مثل الطنجرة المكشوفة التي لا تثير فضول أحد!
لاحظ هنا أن هذا الخطاب تعامل مع المرأة بوصفها "شيئاً" (حلوى، جوهرة، نعجة، طنجرة..) كما احتقر الرجل، واعتبره ذبابة، لصاً، ذئباً..
ثم يأتي خطاب الترغيب: المرأة الطائعة، الخاضعة، الخجولة، التي لا تخرج من بيتها.. تدخل الجنة، وتشفع لأهلها.. أي أنه حدد للمرأة أدواراً نمطية لا تخرج عن محيط الرجل وتبعيته (المطبخ، تربية الأطفال، خدمة الزوج وطاعته، وإمتاعه..).
ثم خطاب الترهيب: المرأة الناشز، المسترجلة، السافرة، المتمردة.. مصيرها جهنم، وستكون وقوداً للنار، وستُدخل معها كل أقاربها النار، لأنهم لم يحسنوا تأديبها وإخضاعها لقانون العائلة.. وهذا يتضمن تحريض الأهل، وشرعنة تسلطهم عليها، وسلبهم حياتها.. فالمرأة غير المحجبة، أو التي تعمل في الفن مثلاً، أو التي تقرر اختيار شريك حياتها، أو التي تفكر وتتصرف بطريقة لم يعهدها المجتمع.. يجب على أهلها قمعها، وإلا فإن الأخ والأب بلا شرف، والخال لا يغار على نسائه..
محددات هذا الخطاب لم تنشأ من الدين، بل من العرف الاجتماعي الذي ينظر للمرأة باحتقار ودونية، بوصفها كائناً طفيلياً نما على هامش المجتمع، وأنها ملحقة بالرجل، وتابعة له.. واعتبارها عورة (وجهها، وصوتها، وحضورها)، وعبئاً على الأهل (همّ البنات للممات)، وأنها جالبة المصائب، وسبب انحباس المطر، وانقطاع الرزق، بل إن هزائمنا سببها ملابس النساء..
وبتعبير أوضح: كل نظرة المجتمع للمرأة تنطلق من التعامل معها بوصفها مجرد جسد.. مع تجاهل امتلاكها روحاً وعقلاً وعواطف ومشاعر.. فهذه كلها ليست ملكاً لها، إنما يجب أن تكون خاضعة لقيم المجتمع وأعرافه، أي للأيديولوجيا الدينية الحاكمة.. وبالتالي ستكون تحت تصرف المجتمع، والذي أوكل المهمة للأقارب الذكور.
النظر للمرأة باعتبارها مجرد جسد، يسلبها روحها وإنسانيتها وحقها في الحياة.. ويجعل منها "شيئاً"، أو مجرد متاع، كيان بلا روح، جسد بشري ولكن بلا إرادة حرة، وبلا شخصية منفردة، لا يحق لها الاستقلالية.
ومن مظاهر وتجليات "تجسيد" المرأة: أن الرجل (وخاصة الشبان) يتعففون عن الزواج من امرأة مطلقة، أو أرملة، ويفضلون البكر العزباء.. ففي عقلهم الباطن تلك امرأة مستعملة.
وكما كتب الصديق "ساهر موسى": "إن نظرتنا للمرأة باعتبارها جسداً قابلاً للاستعمال كامنة في أعماقنا مهما تظاهرنا بغير ذلك، مهما تحدثنا عن حقوق المرأة، ومهما نلنا من التعليم فإن معظم الرجال عاجزون فعلاً عن رؤية المرأة بعيداً عن جسدها، عاجزون عن رؤية المرأة خارج إطار الأنثى.. يستوي في ذلك الذين يحاولون إغواء المرأة والذين يسعون لحمايتها من الغواية. سواء اختلسنا النظر إلى جسدها العاري أو فرضنا عليها زياً محتشماً، فإننا لا نرى فيها إلا الأنثى.. هنا يستوي زير النساء والرجل المحافظ. كلاهما عاجز عن رؤية الجانب الإنساني في المرأة".
بمعنى أن من نتهمهم بتسليع المرأة، والتعامل معها كمنتج استهلاكي، ويريدون تعريتها، وعرضها كبضاعة، أو كمادة جاذبة لأي إعلان تجاري.. والمقصود بهؤلاء الغرب الرأسمالي المتحرر من الأديان والقيم الأخلاقية.. لا يختلفون كثيراً عمن يدعون حماية المرأة وصون الشرف والقيم والأخلاق عن طريق فرض الملابس المحتشمة على المرأة.. والمقصود بهؤلاء أصحاب الخطاب الديني المتشدد (الإسلامي والحريدي).. فكلاهما لم يرَ في المرأة سوى الجسد، والأنوثة، والإغراء، والفتنة، والمتعة.. كلاهما اختزل المرأة في جسدها وملابسها، وكلاهما نزع عنها الطابع الإنساني، ولم يعترف بها كإنسانة كاملة الأهلية، ولها كافة الحقوق.
ومن الأعراض الأخرى لتشييء المرأة، اعتبارها رمزاً للشرف.. وهذا ليس تكريماً لها، كما يبدو من الوهلة الأولى؛ ولا يمنحها أي مكانة رفيعة.. بل بالعكس، ذلك لأن الشرف نفسه تم تشييئه، واختزاله بغشاء البكارة.. فالشرف هنا لم يقترن بالصدق، والأمانة، والشجاعة، والعطاء، وطيب المعشر، وحسن الجوار، والتواضع، واحترام الناس والقانون.. إنما تم اختصاره بجسد المرأة وملبسها وسلوكها، وبموجب هذا المفهوم يحق للذكر قتل الأنثى إذا شك بسلوكها، أو إذا أراد تقويمها وتأديبها حسب رؤيته الخاصة.. والمجتمع لن يلومه لأنها ملك خالص له.. بل إن المجتمع قبل ذلك وبعده لا يلوم الذكر على كل ما يفعله، ولا يقيده بشيء مقارنة بالأنثى.
سنحترم المرأة، وننصفها، ونعلي من شأنها، ونحقق لها العدل والمساواة.. فقط بعد أن ننظر إليها باعتبارها إنساناً، وليست مجرد جسد.. حين نرى عقلها، وروحها، وأمومتها، وفكرها، وتعليمها، وكفاءتها المهنية.. ونثق بها، ونحترم إرادتها، ونحررها من وصايتنا الذكورية، ومن شكوكنا المريضة، ومن مفهومنا المشوّه للشرف.


عبد الغني سلامة
2022-03-28

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى