بلقاسم اليعقوبي - الاغنية البديلة.. مخاض الابداعات الممكنة

عاديّ هذا الثراء الموضوعي للمكان الذي ننتمي الى كيميائه الاجتماعية الموغلة في تجاويف ذاتها حد الابداع . عادية هذه النصوص الموزعة بين الرموش والمقل الفاعلة باتجاه السطور الجريئة والفشل المستحيل ... فقط ، ان نتحدث عن ازمة للأغنية البديلة فهو خراب غير عادي يلتحف الموت الاعرج في عاصفة شردتها الاغاني التي لا تموت طالما ان للمبدِع الغنائي البديل بشكل خاص ، والمثقف الحقيقي بشكل عام ، دورا خطيرا وهاما في صياغة الوعي العام من خلال وعيه الجمالي المتقدم الى جانب دوره الطبقي او الاجتماعي عموما. من هذا المنطلق يمكننا ان نفهم تعاسة أولائك الذين يبحثون عن "عناصر أزمة " للأغنية البديلة وهم ثلاثة انماط من الذين يؤرقهم الفعل الحقيقي للأغنية البديلة كمساحة فعل غنائي مضاد للسائد الغنائي القديم منه والمعاصر ونعني به تلك الصياغات الجديدة لتجارب قديمة ما تحت عادية فقط هي على قدر كبير من الايقاعية التي تستجيب لحاجة الجمهور الذي افرزته الدعاية المكثفة لهذا النوع من الاغاني الهابطة.
1) نمط الذين يعادون الاغنية البديلة في مستوى الرؤية ، وهؤلاء لابد من الاهتمام بكتاباتهم لأهميتها في معرفة الاجابة على قراءاتهم بالمعنى الاستراتيجي لأنهم طرف المعادلة والصراع الثقافي في مستوى المجتمع ككل.
2) نمط الذين تخرجوا من معاهد الموسيقى ويعتقدون بان الاغنية البديلة موسيقى ونص شعري وأداء سليم فقط ، وهو ما يعني فقرهم النظري في مستوى المفاهيم والدلالات الموضوعية المتصلة بماهية هذه المجموعات الغنائية البديلة وظروف نشأتها ووعيها الذاتي بتنامي وتراكم العملية الابداعية نوعيا داخل مدارات الوعي المعرفي المتقدم بما ان ابرز عناصر هذه المجموعات الغنائية البديلة هم من عموم "الانتليجنسيا" والكوادر المثقفة مثال " مجموعة البحث الموسيقي" و" الحمائم البيض" وهذا النمط او المثال الثاني يجعل اولا واقع الاغنية البديل ويقول لك المتحدث منهم : " انا لا يقنعني اصحاب الاغنية الملتزمة الخ ... الى ان يقول " حتى موسيقيا هنالك فقر في المعرفة الموسيقية" . لكن من أين لهؤلاء بهذا الحكم المغلوط طالما ان الامثلة الجيدة متوفرة ؟! ثم كيف نسمح بهذا التقييم الأعرج للأغنية البديلة داخل منهج فكري ومعرفي متكامل من طرف من يقف بشهادة تخرجه الموسيقية عازفا وراء مطربي ومطربات هذا الكم الرديء من الاغاني التي كرهها حتى الجمهور وظل يلعنها باستمرار ؟! وهل من الاخلاقي ان ينتقد " العرابني " فنانا ملتزما برؤاه الابداعية وواعيا بحجمه وأهميته داخل المكان والزمان الثقافيين؟! على هؤلاء ان يراجعوا انفسهم أولا ثم عاشرا ... وبعدها فقط يمكنهم ان يفكروا في كيفية فهم هذا العالم الذي يتطلب وعيا طبقيا وجماليا وليس فقط تقنيا.
3) النمط الثالث نمط أولائك الذين اختلطت في اذهانهم المفاهيم والمصطلحات الحداثية داخل الساحة الثقافية الوطنية والعربية والأممية وهم نوع من المثقف الهجين او " مثقف الباكورات" غير طبيعي افرزته الفراغات التي خلقها المثقف الوطني بتعريفاته الحقيقية على انه الذي يمتلك معرفة ورؤية ويطرح بديلا . هذه الفراغات المؤقتة لم يكن سهلا سدها في ظل الظروف التي تمر بها المجموعات الغنائية البديلة ارتباطا بواقعها الذاتي والموضوعي ، ذلك انها ذاتيا مطالبة بالبحث الحقيقي عن اشكال تعبيرية جديدة ارتباطا برؤيتها الجمالية وتراكم التجربة الابداعية لديها من خلال الكم الذي انتجته من أغاني تفاعل الشعب معها وأحبها حتى النخاع (لسعيد /محمد بحر) (الذي يكفر بالشعب يموت /الهادي قله) (لا نطيق الذل /ايمازيغن) (البسيسة /البحث الموسيقي بقابس) (الخبزة /لزهر الضاوي) (مرتع غضبنا /الجسر) (الداموس /اولاد المناجم) (يا ايها السجان/الكرامة) (الكلمات /حمادي العجيمي) و(الحمائم /للحمائم البيض) والقائمة طويلة جدا . الآن تعيش هذه الاغنية البديلة مخاضا جديدا وحقيقيا ، والمخاض ليس أزمة ، الاضافة ليست عائقا ، انها الالتزام بالمنهج وبالانتماء الفعلي لأغنية مبدعة ومناضلة، والذين كانوا لعنوا ويلعنون الاغنية البديلة تساقطوا على مشارفها كالذباب الموسمي فترة حرب الخليج فما الذي تغير إذا ؟ انه الاقرار بأهمية الاغنية الملتزمة بقضايا الجماهير بشرط ان تكون جميلة . لكن اي جمالية هنا ؟ المسالة لا تدعو للمقارنة لأنها مقارنات مضحكة والأساسي هو وعي المبدع الجمالي البديل بهذه المهمة . من هنا كان لا بد من فهم ما يجري داخل مجموعة البحث الموسيقي اثناء وبعد العمل الابداعي "قهرزاد" على انه وفاء متحرك لا يعرف بوابة الرضا والركون للعادي . وكان على هؤلاء الباحثين عن " عناصر الازمة " للأغنية البديل, ان يعودوا الى ذواتهم من موقع الفرجة ليغادروا باتجاه الفعل الحقيقي أولا ، وامتلاك المعرفة الثقافية ثانيا ، وثالثا اتركوا مرسال خليفة كمثال لأن مرسال الحقيقي هو لبنان بزخمه الثقافي والاجتماعي بمثقفيه ومناضليه ثم افعلوا ما فعل " حسين مروة " في مقارباته النقدية لتجربة مرسال خليفة والشاعر ميشال طراد وآخرون، لقد كان حسين مروة نجمة للمعرفة ومبدع حتى النخاع .
وفي الختام .. يموت المأزومون في ظلال ازمتهم المعرفية . لا حزن على نصوصهم المرتبكة امام النشيد

بلقاسم اليعقوبي
أعلى