أ. د. عبدالجبار الرفاعي - الدكتور حسن حنفي: الأضدادُ في كأسٍ واحد – 6

– 6

يمتدح #حسن_حنفي سيدَ قطب ويدافع عنه، ويبرّر سلوكَه وأفكارَه، ويخلي مسؤوليتَه عن أفكاره ومواقفه بذريعة السجن والشعور بالمظلومية. يكتب حنفي في سياق تبريره لأفكار سيد قطب قائلًا: (‏نشأ تيار إسلامي آخر تحت تعذيب السجون. وهنا نشأ لون جديد من الإسلام الغاضب، الثائر، المنتقم من: الاشتراكية، والقومية، ومن العلمانية. ومن هنا وفي هذا الجو النفسي المظلم كتب سيد قطب "معالم في الطريق" عام 1963، وقبض عليه من جديد على أساس أنه منظر التنظيم، ثم أُعدم في عام 1966) . يحاول حنفي الدفاعَ عن سيد قطب بتكرار الحديث عن ظروف السجن القاسية لكتابته، ولا يشير إلى أن الحاكميةَ والجاهلية وغيرَهما من أفكار المركزية كانت منبثّةً في بعض مؤلفاته وأجزاء تفسيره الصادرةِ قبل سجنه. لا يكترث حنفي بضحايا فكر سيد قطب، يلتمس له الأعذارَ حيثما ذكره، ويُعلِّل آراءَه ومواقفَه بعوامل خارجية يرى أنه كان على الدوام هو الضحية، وإن كان حنفي ينقد الحاكميةَ وغيرَها أحيانًا، لكنه يتراجع في موضع آخر فيشيد بما انتقده.كأن الاضطهادَ الذي يتعرض له الكاتبُ يخلي مسؤوليته عن أفكاره، حتى لو كانت تحرّض على العنف والقتال، وتكفِّر الدول والمجتمعات، وتستبدل الانتماء للوطن والهوية والثقافة بإنتماء لأوطان أخرى باسم المعتقد. ربما يستعير حسن حنفي هذا النوع من الدفاع عن #سيد_قطب من أولئك الذين يدافعون عن شدّة كتابات ابن تيمية وفتاواه بتكفير المختلف في المعتقد، بذريعة سجنه واضهاده. المفكرُ وأيُّ كاتب مسؤولٌ عن كتاباته المحرِّضة على العنف، الفقيهُ مسؤولٌ عن فتاواه المكفِّرة للغير. ليس من حقِّ حنفي تبرئةُ سيد قطب من آثار آرائه المتشدّدة، وهو يعرف تغلغلَها في أدبيات جماعات الإسلام السياسي، وتوالدَ جماعات عنيفة منها، وتمزيقَها لنسيج المجتمع الواحد وعبثَها بأمنه وعيشه. السجنُ والاضطهاد والتعذيب يسلبُ حريةَ الإنسان على كثير من أفعاله الخارجية، إلا أنه لا يميت ضميرَه الأخلاقي، ولا يصادرُ إرادتَه الخيرة، ولا يسقط عنه المسؤوليةَ الجزائية عن أية جريمة يرتكبها، فلو قام سجينٌ بقتل إنسان آخر، أو مارسَ التأليب ضد شخص والتهييج على قتله داخلَ السجن أو خارجه، لا يحكم العقلُ الأخلاقي والقانونُ العادل بتبرئته، وإن كان القضاء يراعي ألمه ومعاناته في السجن، وأثرها في انفعاله وقراراته ومواقفه الغاضبة.
السجينُ الذي يتعرض للتعذيب والتنكيل، وتحدث لديه عاهاتٌ وجروحٌ وأمراض نفسية عميقة بسبب ذلك، ينبغي أن نحمي المجتمعَ من أفكاره الملوثة بعقدٍ نفسية حادة، لا أن نعلي من مكانته، ونبالغ في تبجيل شخصيته، ونشيد بهذه الأفكار ونبشِّر بها. ‏مثل هذه الحالات المرضية تحتاج إلى مصحة نفسانية تعالج المصابَ وتحدُّ من سلوكه العدواني. ‏ليس من حق أحد أن يتوّجَ صاحبَها إمامًا على الناس في حياته، ويحتفي بأفكاره بعد موته. ‏أفكارُ سيد قطب اختطفت خيرة شباب الإسلام الغيارى، ‏وأغرقتهم بأوهام متخيلة، وغيبتهم عن الواقع، وورطتهم بمواقف طائشة، وغذّت أذهانهم بتعاليم تتنكر لها طبيعتهم البشرية، ولا تطيقها عواطفهم ومشاعرهم إلا بتدجين وترويض متواصل، وغرست كراهيةً عميقة بداخلهم لأهلهم وجيلهم ومجتمعهم ولكلِّ مختلف المعتقد عنهم، وحبستهم طوعيًا في أقفاص نفسية موحشة يعتزلون فيها أهلَهم وجيلَهم ومجتمعَهم.

لا يكفُّ حسن حنفي من الإعلاءِ من كتابات سيد قطب والثناءِ عليه، بلغةٍ لا تليق بمفكرٍ ذكي واسعِ الاطلاع من أمثاله. يضع حسن حنفي تبرئةَ سيد قطب غاية، يحاول أن يتهرّب من ذكر المواقف الصادمة في كتاباته، وعندما يمرّ على "معالم في الطريق" يصف هذا الكتابَ بأنه وليدُ الظروف النفسية العنيفة للسجن، ويجعل الاضطهادَ الذي تعرّض له في السجن ذريعةً لهذا النوع من الكتابة الموتورة اللاذعة. لا يقف حنفي طويلًا عند اشتقاقِ الجماعات الدينية المسلحة لرؤيتها الاعتقادية وتقسيمِها العالَم لفسطاطين وانغلاقِها ورفضِها للمختلِف في المعتقد وإعلانِها الحربَ عليه بفعل آراء سيد قطب وغيره.
مغالطات حنفي يفضحها فكرُ سيد قطب المغلق العنيف ومواقفُه بعد الانتماء للإخوان، خاصة "معالم في الطريق" الذي وصفه أحدُ الباحثين بـ "كراسة الموت، التي بثّ فيها سيد قطب فوحًا وفحيحًا يخلط الجمال بالخطر" . يحاول حنفي أن يخلع على سيد قطب مقامًا فكريًا وسياسيًا وثوريًا يرفعه إلى مقام شخصيات كبيرة أمس واليوم. يكرّر حنفي فرضيةً غير واقعية في موارد متعدّدة من كتاباته، تجعل من سيد قطب ثائرًا نهضويًا، لولا أنه كان ضحيةَ صراعِ الإخوان وثورة يوليو 1952، إذ يكتب: "‏ولأصبح سيد قطب ليس فقط من أمثال الصحابه الأوائل: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، بل أيضا من دعائم الثورة التحريرية العالمية من أمثال: ماركس، وماوتسي تونغ، وهوشي منه، وغرامشي، وجيفارا. ‏ولكان حلقةَ الاتصال بين صور من القدماء والثوار المحدثين… و لكن الإمام الشهيد راح ضحية هذا الصراع بين الإخوان والثورة" .

لا يتحدث حسن حنفي عن الآثارِ الفتاكة لفكرة "الجاهلية" وموقفِ سيد قطب الصريح بالشطب على كل "ما حولنا" وتصنيفِه بأنه جاهلية، والتشديدِ على رفضه "أنصاف الحلول" في الموقف منها. يكتب سيد قطب: "نحن اليوم نعيش في الجاهلية، كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصّورات النّاس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًّا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية... ليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان، فالإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية، لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور، فإما إسلام وإما جاهلية" . يرسم سيد قطب طريقًا "للعصبة المسلمة" يبدأ بالانفصال "عقيديًا وشعوريًا" عن "أهل الجاهلية من قومها". الانفصالُ العقيدي يتضمن الابتعادَ عن المسلم المختلِف في رؤيته الاعتقادية، والانفصالُ الشعوري يعني ضرورةَ الابتعاد عن الأهل والمجتمع على الأقل بالشعور. وذلك يؤسّس للعبثِ بالعواطف داخل العائلة الواحدة، وفرضِ القطيعة العاطفية المريرة بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات والأقارب والأرحام، ومع كلِّ إنسان مختلِف في رؤيته الاعتقادية. يكتب سيد قطب: "لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذاب إلا بأن تنفصل عقيديًا وشعوريًا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية، وأهل جاهلية" . لا تقتصر دعوةُ سيد قطب على الانفصالِ في العقيدة والشعور، بل تتخطى ذلك إلى الدعوة لاعتزال المجتمع بمكان يبتعد فيه أفرادُ "العصبة المسلمة" حتى عن مساجد المسلمين بوصفها "معابد الجاهلية" ويتخذون بيوتَهم مساجدَ بديلة. يدعو سيد قطب إلى: "اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور" .
فكرُ سيد قطب ذو تأثيرٍ موجِع مزدوج، فهو من جهة يغذّي المسلمَ بالنقمةِ والنفورِ الشديد والضجرِ من أهله ومجتمعه ووطنه بوصفه جاهليًا، ومن جهة أخرى يشعر المسلمَ بالخطيئةِ وعقدةِ الذنب المزمنة والسخطِ الإلهي إن لم يغيِّر الأهلَ والمجتمعَ على وفق معتقده ولو بالقوة، وإلا فمن الضروري أن يعتزلهم إن تعذّر عليه تغييرَهم.

الحاكميةُ أحدُ المقولات المركزية في فكر سيد قطب، وهو وإن كان استعارها من المودودي الذي تلقاها من ابن تيمية، إلا أنه أعاد صياغتَها بلغةٍ مدرسية ميسرة في موارد متنوعة من تفسيرِه ومؤلفاتِه، ولخّصها بقوله: "إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة" . في ضوء الحاكمية يحدّد سيد قطب الموقفَ من المختلِف بقوله: "والذين لا يفردون الله بالحاكمية، في أي زمان وفي أي مكان، هم مشركون، لا يُخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله مجرد اعتقاد، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده" . يشرح ما يعنيه بهذا الشرك: "إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداءً في تلقّي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، [لا عبادة الأصنام تقربًا واستشفاعًا إلى الله]، الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوامٌ يظنون أنهم مسلمون على دين محمد، كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين إبراهيم" . شريعةُ الله على وفق ما تتحدّث عنه كتاباتُه تعني مقولاتِ علم الكلام المتشدّدة وبعضَ أحكام الفقه، ونادرًا ما يحضر في أعمال سيد قطب الإسلامُ بمضمونه الروحي والأخلاقي. يعترف حسن حنفي وهو يتحدّث عن "معالم في الطريق" بأن "‏الحاكمية هي الفكرة الرئيسية المسيطرة على الكتاب كله، وقد تم التركيز عليها بناءًا على التجربة النفسية للسجن، ثم الرجوع إلى الوراء وأعاده قراءة كتاباته السابقة وإنتقاء نصوص الحاكمية منها، مع أنها كانت موجودة متناثرة من قبل داخل أفكاره الاجتماعية والفلسفية، دون أن تكون بؤرة في تفكيره أو محورًا لتأملاته. كما حدث بعد ذلك وهو في السجن الثاني. لا تمثل هذه المرحلة إذا فكرًا واعيًا شعوريًا، بل تمثل موقفًا لا شعوريًا، بناءًا على الظروف النفسية والاجتماعية التي عاشتها جماعة الإخوان المسلمين، والتي عاشها الإمام الشهيد من خلالهم" . بعد كلامه هذا عن مركزيةِ الحاكمية في فكر سيد قطب وانبثاقِها من اللاشعور على وفق رأيه، يعود حسن حنفي بعد عدة صفحات في كتابه هذا لينقض كلامَه السابق فيمجد فكرة الحاكمية، قائلًا: "‏ظهرت الحاكمية عند سيد قطب كإعلان تحرري للإنسان، فالحاكمية حركة انطلاق وتحرير وثورة وتغير. حركة إبداعية شاملة من أجل حرية الاعتقاد وحرية الاختيار… ‏لا يفرق هذا التحرير العام بين مسلم وذمي، بل الحاكمية تحرير للإنسان من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن عقيدته وجنسه" . التهافتُ ليس حالةً شاذةً تختصّ بهذا الموضوع في كتابات حنفي، بل هي سمةٌ تطبع كتاباتِه، وذلك ليس غريبًا على فكرٍ زئبقي تلتقي فيه الأضداد، ‏فكر يقول الشيءَ ونقيضَه ‏في مناسبةٍ واحدة وموضوعٍ واحد. لم يمنع ذكاءُ حسن حنفي أن يجتمع الشيءُ ونقيضَه في كتاباته، وكأنه مسكونٌ بجمع الأضداد، وهذا ما نبّه عليه: فؤاد زكريا، وجورج طرابشي، ونصر حامد أبو زيد. يشكّك فؤاد زكريا بإمكانية قارئ كتابات حسن حنفي: "أن يظل محتفظًا بقواه العقلية سليمة، بعد أن يتراقص مع كاتبنا في حلقة المتناقضات الجنونية التي تدور فيها معالجته للموضوع" .


عبدالجبار الرفاعي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى