أبووردة السعدني - السلطان عبدالحميد الثاني بين انقلابين (2)

مدحت باشا المفترى عليه


... يعد " مدحت باشا " من أبرز دعاة الإصلاح في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي ، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق ، إذ كانت دعوته الإصلاحية قائمة على أسس علمية راسخة ، وخبرة عملية - على أرض الواقع - من خلال المناصب التي شغلها ، والمهام " الصعاب " التي أوكلت إليه ....
... ينحدر " أحمد شفيق " - وهذا اسمه عند ولادته سنة 1822م - من أسرة علمية ، شغل والده - الحاج حافظ محمد أشرف - مناصب قضائية في ولايات عثمانية عدة ، فحفظ " أحمد شفيق " القرآ الكريم وهو في العاشرة من عمره فسمي ب " حافظ شفيق " ، ثم التحق بالمدارس العثمانية ، فنبغ في تحصيل العلوم الدينية والعربية ، وأجاد اللغات العثمانية والفارسية والعربية والفرنسية ، وأهله نبوغه للالتحاق بالمدرسة " العرفانية " - التي أنشئت لتخريج موظفين للعمل في " الباب العالي " ، فبذ أقرانه ، وتعلم " الخط الديواني " - في مدة وجيزة - فلقب ب " مدحت " لذكائه ونجابته ، وأظهر كفاءة عالية في عمله - في الباب العالي - حتى صار محط أنظار الصدر الأعظم والوزراء وموضع ثقتهم ، فأناطوا به الكثير من المهام التي استعصى عليهم قضاؤها ، فأظهر كفاءة نادرة ، حتى يمكن أن نطلق عليه " رجل المهام الصعاب " ، من تلك المهام - على سبيل الذكر - :
... تكليفه بالتوجه إلى بلاد الشام للقضاء على سرقات " ضرائب جمارك حلب وغيرها من موانيء الشام سنة 1850 م ، فأمضى ستة أشهر ، تمكن خلالها من اكتشاف " سرقات " وصلت إلى 1400 كيس من حصيلة تلك الجمارك ، وكتب تقريرا يدين - فيه - المشير " محمد باشا القبرصلي " المسئول عن الحامية العثمانية في بلاد الشام ، فعزل من منصبه ...
... إرساله سنة 1855 إلى شمال منطقة البلقان للقضاء على المتمردين عملاء روسيا ، فأظهر شجاعة نادرة وحكمة بالغة ، في القضاء على التمرد وإعادة الأمن إلى ربوع تلك المناطق ، الأمر الذي أثار حفيظة الروس فأعلنوا الحرب على مدحت باشا ...!!..
... عين واليا على بغداد سنة 1869م ، فاستطاع بسط نفوذ الدولة العثمانية في الكويت وقطر والبحرين والأحساء ونجد ، الأمر الذي أزعج بريطانيا ، فاستغلت غضب البغداديين ورفضهم التجنيد الإجباري ، وضغظت على الدولة العثمانية ، فعزلته سنة 1872م ...!!...
.... ولعل كفاءة مدحت باشا ، واشتهاره بالأمانة والصدق ، والتوفيق الذي حالفه في المهام الجليلة التي أوكلت اليه ، كان من العوامل التي دفعت بعض المنتفعين من استشراء الفساد والإفساد في أوصال الدولة العثمانية ، إلى تلفيق التهم لمدحت باشا ، لكن خاب سعيهم ، وبطل كيدهم ، وبرأت منصات القضاء ساحته من الاتهامات التي ألصقت به زوراً وبهتاناً ، فتقلد مناصب الوزارة ، وعين " صدرا أعظم " - في عهد السلطان عبدالعزيز الأول - سنة 1872م ...
... كان للمناصب المهمة التي شغلها مدحت باشا ، وللمهام الصعاب التي أوكلت اليه ، أثر كبير في أن يقف - عن كثب - على العوامل التي تنخر في عطام الدولة العثمانية ، والتي أودت بها إلى التخلف عن مواكبة ركب الحضارة والتطور ، ففقدت هيبتها وريادتها وتسنمها طليعة دول العالم التي تبوأتها قرونا طوالا ، فأيقن أن " حكم الفرد " رأس كل رزيلة ، خاصة بعد أن أفلت شمس العلماء الراسخين في العلم ، المخلصين في الأمر بالمعروف ، الناهين عن المنكر ، الذين يتحلون بالشجاعة في مواجهة السلاطين مهما طغى سلطانهم وتسلط جبروتهم ، وأن الفساد الذي استشرى في جسد الدولة العثمانية لن يستأصل إلا بالتخلص من حكم الفرد " السلطان " ، وتطبيق حكم " الشورى " ، وذلك بوضع دستور - مشروطية - على النمط المطبق في الدول الأوربية - موافقا للشريعة الإسلامية - لتنظيم حياة المجتمع العثماني ، و تحديد واجبات الحاكم " السلطان " وحقوق المحكومين ، فوافقه الرأي عدد من قادة الفكر العثمانيين ، من بينهم : الشاعر العثماني الكبير " نامق كمال " ، والأديب السياسي الشهير " ضياء باشا " ، وغيرهما من العلماء ورجال السياسة المطالبين بدستور للدولة العثمانية ، أطلقوا على زمرتهم " العثمانيون الجدد "....
*****
" يتبع "
*********

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى