جواد كاظم غلوم - احمِ دينك واحرص على دين سواك

جعل الله الخليقة شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتحابوا ويكرموا بعضهم بعضا ويتبادلوا الخير فيما بينهم ويمارسوا التجارة ويتلاقحوا فكريا وحضاريا ليفهم احدهم الآخر وليضيفوا ما في ثقافتهم بعض الملامح المناسبة في ثقافات الأقوام الأخرى بما في ذلك معتقداتها الدينية ، كل ذلك من اجل تحسين نمط الحياة وترقية العيش وتهذيب النفس لما هو أكثر ترتيبا ونهوضاً راقياً .
فهذه الأرض المعمورة التي نعيش على أديمها توسع الأديان كلها ؛ سماوية كانت ام أرضية ولم تضق يوما ما بعقيدة معينة وإنما ضاق عقل وصدر الإنسان بسبب المطامع المادية والنفسية وإشباع الذات النهمة .
قد يكون الدين حقاً عندك لكنه في عيون وعقول الغير يقصر عن الوصول الى الحقائق والقناعات وفق وجهات نظر المغايرين .
كما ان العقائد والأطر الفقهية وما جاء بها أهل الفتوى لا تقوى ولا تُحمى ولا ترسخ بالسيف ويمكن ان تضعفها فكرة عقلية راحجة ومقنعة مدعمة بالبراهين العقلية .
وليعلم الملأ الواسع ان الأديان ليست خيولا للتسابق في مضمار السباقات وتعطى شارة النجاح والفوز لمن يصل الى أكثر العقول والنفوس عددا وكثرةً ، فالسباقات الناجحة تثمر وتنتج في مضمار العلم والأدب والفن والصناعة والزراعة والبحوث المؤدية الى تطوير ورقيّ النشاطات الاقتصادية ( صناعة وزراعة وتجارة وتطوير المهارات الحرفية وتنشيط وتقوية اليد العاملة والعقلية الراجحة المفكّرة المنتجة لبراءات الاختراع ) ، يضاف الى ذلك تهذيب الانسان وتوسيع مدارك عقله وفتح صدره انشراحا ليحترم عقائد الآخرين وقناعاتهم الدينية وعدم التحرش بما يؤمن الناس والقضاء على النرجسية الدينية وإبدالها بالتجاور المبني على التآلف والإخاء ؛ ولنبعدْ عن معجمنا كلمة " التسامح " السلطوية الفوقية .. فلسنا مع شريكنا في الوطن متسلطون كبارا نحكم على الآخرين ونصنّفهم في تراتيبيات صنعتها الطبقيات والأنا العليا .
تلك إذاً فكرة التجاور التي تفوق في دلالاتها قصدية التسامح وكأنك تتفضّل عليه بالعفو والاستغفار وممارسة طقوسه باعتبارك أعلى منزلة من صنوك .
فالمعتقد الديني مهما كان شكله سماويا ام ارضيا ، قريبا منك او بعيدا عن فكرك هو طريق للوصول الى الله والاستكانة للخالق وان تعددت مسالكه ، فليس من الجائز واللائق المساس بالقناعات الإيمانية طالما لا توجد حقائق مطلقة ؛ لذا عليك ان تحب الإنسان وان كنت لا تستسيغ آراءه وقناعاته الإيمانية او تعثرتَ بكتل أصنامه وأوثانه لأنها تمثّل الحقب التاريخية وفترات العهود والعصور التي مرّ ويمرّ بها الإنسان لقياس ترمومتر الحضارة في زمن ما .
كوني عراقيا من منبت أوروك ومحتد وادي الرافدين ؛ أحببت الإنسان الذي نبتَ من جذر العراق وان لم أستسغْ دينه السالف ومعتقده الأول ؛ فالتجمعات البشرية تصنع تاريخها الخاص بها وثقافتها وهويتها ولغتها القومية المشتركة وان تفرقت فيما بينها في الشأن العقائدي فالجغرافيا تجمعنا قلبا واحدا وان تعرّج التاريخ ومالَ يمنة ويسرةً واستهدى بعقائد وأديان وفدت اليه في مرحلة زمنية ما .
فلتكن أرضنا أمّا رؤوما تحضن أبناءها مختلفي الأشكال في وجوههم وفي سلوكهم ومختلف طباعهم ومشاربهم وقناعاتهم العقائدية .
أقول هذا الكلام ونحن نسمع على الدوام الكثير من بذاءة الشتم والغمز واللمز والتنابز بالعقائد ونتلقى آراء وانطباعات مقيتة لا تسرّ الآخرين ممن يرعى الحريات ويحترم قناعات الغير ووصلت الحماقة بالبعض الى حدّ التسفيه واستغلال الحرية التي أتاحتها السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعية ودعونا مرارا الى التعفف عن الغمز واللمز والثلم والشتم دون ان يلقى رجاؤنا حظوة ومراعاةً لمشاعر من يختلف معنا كي نكون الأرقى والأنضج حوارا ونقاشا سليمين بلا مناكفات ومهاترات نحن في غنى عنها ، واذا كان بعض أسلافنا وأجدادنا الأوَل قد شطّوا عن الصواب وضاقت صدورهم كراهية ومقتا وأجرموا بحق مخالفيهم ولوّثوا سيوفهم دما ؛ فلماذا نلوّث ألسنتنا سخف الكلمات ونلطخ قلوبنا بلوثات الكره والنبذ والمقت ونملأ أنفسنا غِلاّ وحقدا على من يختلف معنا ؟
طوبى لمن سلم لسانه وقلمه وحروفه عن قذع الكلام ودعا الى التعايش مع المختلف على المحبة والتوادّ والسلام ، فالله خلقنا شعوبا وأمما متعددة العقائد والأعراق لنتعارف ونتآخى ونتسامح ونتجاور وليس هدفنا التخاصم وبثّ العداوة والبغضاء .
هذه هي رسالة الرءوف الرحيم في الأرض لعلكم تعقلون وتتفكرون

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى