ميثم الخزرجي - بريد الفيلسوف..

لم يستشعر العقل العربي أن ثمة مدونة معرفية ذات حمولة مهمة استبسلت وأحاطت بالمجمل الكلي لكثير من المفاهيم التي توزعت على اختلاف المشارب الجدلية غير المتفق عليها، مندكة عند شوطٍ من المضامين الضاجة بالخشية والتي لا تتجرأ الذهنية على أعادة مناقشتها لأسباب كثيرة لعل من أهمها عدم القدرة على تعرية الرؤى الناشئة لإعطاء مقاليدَ ناجمة من تفكيك الحاضنة المأثورة للخروج بمحصلة نستطيع أن نستكشف بها عوالمَ مغايرةً لها وجهتها غير المتذبذبة، وهنا يثار صراعٌ جادٌ لا يمكن ان نغفل محتواه، هل إن عدم القدرة أتت من الجهل المصاحب لتلك الذهنية أم التوجس والاحتراس من تهافت المحاذير المترتبة على هذه المواجهة.
فمن استجلاب متبنيات أفلاطون الساعية لإظهار الوجه الناصع لملامح المدينة الفاضلة مروّجاً بمشروعة المناهض للسلطة ليتخذ من الوعي معياراً قيمياً وإنسانياً في إدارة شؤون الدولة, ومؤسساً لدولة عادلة خارجة من أغلال الحتميات والمفاهيم القطعية ليكون الحل إزاء تواشج واحتدام الآراء هو العقل بل والأكثر من ذلك سعى بأن تقاد الدولة كهيكلية عامة من قبل الفلاسفة لإيمانه بأن ثمة حاجةً ماسة لإزالة السياقات الرجعية وبسترة مضامينها لأطلاق الاحكام.
فحال اتساع مشغل الفيلسوف وتحشيد محتواه لاستلال الصواب, نجد أن هناك دافعاً جاداً غير قلقٍ من قبله في كيفية التعاطي مع الأزمات سواء ذاتية أم عامة لإبراز الوجه المشرق والمتوائم مع مشروع الإصلاح الذي يدعو له والذي لطالما أراد أن يظهره باختلاف الزمان والمكان المعني به، لكن ثمة ما لا يتحد مع المد الشعبوي لأسباب عديدة تبعاً لسلفية الأفكار المتوارثة وحديتها ليجابه الفيلسوف بمصدات كثيرة، لذا ونحن نتعرف على السيّر الشخصية لحياة الفلاسفة نلاحظ أن كثيراً منهم قد لفظتهم الأديرة والكنائس ونعتتهم بأقبح الصفات بل والأكثر من ذلك فقد هُجروا إلى مناطق نائية وهذا دليلٌ على توافد الرهبة التي تتعلق مجرياتها بالكشف عن صورة السلطات المتتابعة سواء كانت لاهوتية أم سياسية، لكن بودي هنا أن أتوقف عند الزعم الذي التزمه افلاطون بأن يجعل من الحاكم فيلسوفاً، فهل أرد له أن يكون صفة أم وظيفية خارجة عن المنظومة الجدلية التي تنظر للعالم بموجب مقتضيات الشك واليقين أم أن يعطي تبريراً وافياً عن تمسك الفيلسوف بالثوابت ومدى عدالته حيال كم التحولات الاقتصادية والسياسية، وهل هناك مقاسات اعتبارية للذين يعتنقون هذا المشغل وفقاً لنظرته المتصلة بالدولة وماكنته المستقرئة للواقع.
في البدء علينا أن نعي جيداً, أن أول من دعا إلى تأسيس دولة مدنية خارجة من أسوار اللاهوت والطقس الغيبي هو أفلاطون, وقد نوّه إلى أن خلاصة الحياة بالمعرفة المستقلة بذاتها وهذا الدرس أخذه من شيخه سقراط الذي ادخر حتى أنفاسه ليفهرسها فيما بعد دون الرجوع إلى حيثيات خارجة عن العقل, وقد أوكل له أن معيار المدينة الفاضلة التي يجب أن تبنى على الأخلاق والعدالة وعن الطالع الذي أشار له بمعرفة الأنسان ومدى أدراكه لطبيعة الموجودات، كل هذه المفاهيم كانت عدّة التلميذ الأولية ليعيد صياغتها جرياً والطابع العام مستشرفاً بتلك المفاهيم بأنها العماد الرئيس لبناء دولة ذات منظومة واعية وقد دون هذه التعاليم في كتابه المعروف(جمهورية افلاطون) لينتظم في إعطاء قوامٍ وأسسٍ لمفهوم هذه الدولة.
من الواضح أن الاعتبارية المثلى في أن يلبس الحاكم ثوب الفيلسوف أو العكس بحسب الرأي الذي اجترحه أفلاطون ينم عن درايتين خالصتين أحدمهما تتسق مع الأخرى وإن جاءتا مختلفتين في الشكل العام إلاّ إنَّهما بمعادلة موضوعية متزنة, فقد طرح بأن هاجس الفيلسوف هاجسٌ مرمٌ بجرأة السؤال بغض النظر عن حيثيات السؤال ومدى تشعبه ومما لا شك فيه أن الدافع الذي من ورائه هو الريبة المزمعة لإعطاء نتائجَ غايتها الوصول إلى الحقيقة بالمقابل ثمة استجلاء لكثير من المسلّمات التي أدارت مستقبل المجتمعات وأوجزت ماهيتها، ليأتي المشغل المعرفي غير الخاضع لسلطة نسقية معينة مفهرساً إياها بكل ما يتخلله من أسئلة مشاكسه، الغاية الأخرى وأن كانت مأخوذة بجلباب الاستفهام، ما هي نظرة افلاطون للفلسفة؟، وما مقومات وسمات الفيلسوف بالنسبة إليه، إن الرؤية المتبعة لأفلاطون إزاء هذا التأسيس هي رؤية كونية خالصة, كذلك الحال إلى النظرة المعنية للأخر والطبيعة، ومعيارية العمل، وتقسم الأراضي ناهيك عن اتساع الأسئلة الموتورة التي أخذتها الفلسفة وفككت مدخلاتها لتخرج بمحصلة استطاعت من خلالها أن تكرّس وتشيّد دستوراً ذا قيمة إنسانية وفقاً لمقتضيات العقل، لذا فأن تحقيق العدالة إمعانا لمصاديق المنطق والسعي لبناء دولة عادلة يسودها السلم المجتمعي لا يمكن إيفاء سبيلها إلا بالنزوع نحو الحقيقة, وما الحقيقة في نظره سوى الفلسفة التي تستطيع بناء إنسانٍ يفكر، ليتخذ قراراته دون احترازات او عقبات ليسعد بالطمأنينة والرخاء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى