د. حسام الدين فياض - توظيف المقولات النظرية في تفسير حدوث الظواهر الاجتماعية (نماذج تطبيقية)

يعتبر الإطار النظري إحدى أهم خطوات البحث السوسيولوجي (الميداني)، لأن البحوث السوسيولوجية الجادة ينبغي أن تكون موجهة بنظرية سوسيولوجية تشتق منها تساؤلات البحث ومفاهيمه، وتحدد مداخله ومنهجيته، إلى جانب أن النظرية تشكل مرجعية الباحث في عملية التحليل والتفسير للمشكلة المدروسة. لذا؛ ينبغي على الباحث عند تصميم إطاره النظري أن يراعي مجموعة من الشروط أهمها عدم وجود تناقض بين المقولات النظرية المختارة من حيث افتراضاتها القاعدية أو افتراضاتها الخاصة بالمجال، بالإضافة إلى انتفاء التعارض بين القضايا التي سوف يوظفها في بناء إطاره النظري، بحيث يراعي تأكيد الاتساق المنطقي لهذا الإطار النظري. وأخيراً، يجب على الباحث إدراك أن هذا الإطار النظري مؤقت ينتهي وجوده بمجرد أن ينتهي مبرر استخدامه.

في واقع الأمر، ينقسم الإطار النظري إلى قسمين أساسيين هما: الأول التراث النظري الذي كُتِبَ حول موضوع البحث، أما القسم الثاني فإنه يتضمن مجموعة المقولات النظرية التي سوف يعتمد عليها الباحث في توجيه كل خطواته بحثه وتفسير تساؤلاته في ضوء مقولات النظرية السوسيولوجية التي تتوافق مع طبيعة المشكلة المدروسة وهو ما يشكل صلب اهتمام المقال الحالي.

تستخدم النظرية العلمية لتفسير الظواهر والعلاقات والمتغيرات التي تتعلق بموضوعها ومادتها ووظائفها، حيث تساعد على نضوج واكتمال العلم، وتفسير الظواهر الواضحة الغامضة والتفاعلات الأساسية والقانونية والعوامل الموضوعية والذاتية للعلم. بذلك تعد النظرية الاجتماعية في الدراسات الاجتماعية المجسد الحقيقي للنظرية العلمية، فلا بد من وجودها بوصفها إحدى أهم خطوات البحث الاجتماعي، وهنالك العديد من النظريات الاجتماعية (البنائية والتأويلية) يجب على الباحث اختيار إحداها أو بعضها لتكون النظرية المعتمدة للمشكلة المدروسة.

ويجب على الباحث هنا توظيف المقولات النظرية المناسبة للمشكلة المدروسة باختصار مبرراً استخدامها وكيفية تطبيقها في تحليل وتفسير الظاهرة المدروسة، ولماذا هذه النظرية دون غيرها من النظريات الاجتماعية الأخرى. مع الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الشروط التي تسهل عليه عملية الاختيار النظري المناسب لمشكلة البحث، وهي كالآتي:​
  • تحديد المعالم الأولية لعنوان البحث: والتي تتضمن مجموعة من المعالم الأولية التي يجب أن تتوفر في أي عنوان أكاديمي محكم، والتي تشتمل على تحديد المتغيرات الفاعلة في مشكلة البحث (المستقلة والفاعلة)، تحديد أسلوب البحث (كمي/ كيفي)، تحديد منهج وأداة البحث، ووحدة التحليل ومجتمع البحث، ونوع الدراسة (وصفية، تحليلية، استطلاعية، تجريبية). وهذه المعالم يمكن للطالب معرفتها بشكل مباشر من صياغة عنوان البحث الأكاديمي الجيد.
  • تحديد اتجاه المشكلة: وهذا يعني بالضرورة تحديد الفاعل المسؤول (المتغيرات المسؤولة) عن حدوث المشكلة. وهنا يجب على الباحث طرح الأسئلة التالية على نفسه. من الذي يسبب المشكلة؟ (الفرد أم المجتمع)، ما اتجاه المشكلة؟ (من الخارج إلى الداخل، أم من الداخل إلى الخارج). بمعنى آخر إذا كان الخلل في أحد أنساق البناء هو الذي يؤدي إلى حدوث المشكلة معنى ذلك أن اتجاه المشكلة من الخارج إلى داخل النسق الاجتماعي مثال ذلك الأسرة. فالبطالة على سبيل المثال ممكن أن تؤدي إلى العديد من المشاكل الاجتماعية كالطلاق أو العنف الأسري بسبب عدم توفر الدخل المادي. وهنا يجب على الباحث توظيف النظريات البنائية ذات الرؤية الكلية مثل النظرية الماركسية أو البنائية الوظيفية. أما إذا وجد الباحث أن الفرد هو المسؤول عن حدوث المشكلة في هذه الحالة يجب عليه الاستعانة بالنظريات التأويلية لتفسير كيفية حدوث المشكلة الاجتماعية ومعنى ذلك أن اتجاه المشكلة من الداخل إلى الخارج أي من داخل الأسرة إلى المجتمع بسبب عدم قدرة الأفراد على التفاعل والتصرف ضمن توقعات بعضهم البعض. ففي هذا السياق يمكن للباحث الاستعانة بنظرية التفاعلية الرمزية أو الاثنوميثودولوجيا أو التبادل الاجتماعي... إلخ حسب طبيعة المشكلة والعوامل التي تسببها.​
  • تحديد المقولات النظرية: في هذا الجانب يسعى الباحث من خلال فهمه للنظريات السوسيولوجية المعاصرة تحديد المقولات الأولية للنظرية (البنائية أو التأويلية) التي من خلالها يفسر المنظّر السوسيولوجي الواقع الاجتماعي.​
  • ربط المقولات النظرية بمشكلة البحث: أي إسقاط المقولات النظرية على المشكلة المدروسة بغية معرفة كيفية حدوثها حسب رؤية النظرية (المختارة) لتفسير الواقع الاجتماعي، وهو الهدف الأساسي من تصميم الإطار النظري. ويتجسد ذلك عملياً من خلال صياغة تساؤلات البحث بناءً على مقولات النظرية لتفسير المشكلة المدروسة. وهنا يكمن دور البحث في اختبار مقولات النظرية، فإذا جاءت نتائج البحث الميدانية تؤكد وجهة نظر المقولات السوسيولوجية في رؤيتها للواقع، أي في تفسيرها لحدوث المشكلة المدروسة، فهذا يؤكد أن مقولاتها صحيحة وما زال لديها القدرة على فهم وتحليل وتفسير الواقع الاجتماعي.
بناءً على ما سبق يسعى الباحث إلى توظيف مجموعة من المقولات النظرية السوسيولوجية في تحليل وتفسير مشكلتي (الطلاق والعنف الأسري) لفهم وتحديد المتغيرات الفاعلة في حدوث تلك المشاكل الاجتماعية، من خلال استعراض النماذج التطبيقية التالية، وهي كالآتي:

- نموذج تطبيقي (1) توظيف مجموعة من المقولات النظرية في تفسير مشكلة الطلاق من خلال عنوان البحث التالي: العوامل المسؤولة عن الطلاق وآثاره على الحياة الأسرية والاجتماعية (دراسة حالة لعينة من الأسر في مدينة ما). في هذا السياق يمكن للباحث الاستناد إلى مجموعة من النظريات السوسيولوجية التي ستشكل بمجملها مرجعيته العلمية في تحليل وتفسير كيفية حدوث مشكلة الطلاق واشتقاق التساؤلات (الفروض) التي سنجيب من خلالها عن الأسباب الكامنة خلف حدوث مشكلة البحث، وهي كالآتي:

أ- النظرية الوظيفية: يرى أنصار هذه النظرية أن لكل فرد في المجتمع مجموعة من الاحتياجات الغريزية والاجتماعية والعاطفية التي يسعى إلى إشباعها ويحاول كل مجتمع إشباعها هذه الاحتياجات عن طريق النظم الاجتماعية المختلفة واستمرار أي نظام مرهون بالوظائف يؤدي لإشباع هذه الحاجات، وإذا فقد هذا الجزء وظيفته انتهى وأدى إلى الزوال. بالمقابل فإذا لم يستطع الزواج تحقيق الأهداف التي يسعى إليها الأفراد مثل: تحقيق الاستقرار العاطفي والوجداني والإنجاب والإشباع الجنسي والحصول على الاستقرار الاجتماعي. فإن أحد الزوجين أو كليهما سيقرران الانفصال وإنهاء الزواج (الطلاق).

ب- النظرية البنائية الوظيفية: يؤكد أنصار هذه النظرية أن البناء الاجتماعي في حالة توازن وتماسك واعتماد متبادل بين الأجزاء وأن لكل جزء من أجزاء البناء دوراً ووظيفة تساعد على استمرار البناء وأن الهدف الرئيسي لجميع النظم الاجتماعية هو المحافظة على استمرار هذا البناء واستقراره، كما أن كل جزء من أجزاء البناء يؤثر ويتأثر بالنظم الاجتماعية الأخرى، فالأسرة وفقاً لهذه النظرية جزء من البناء الاجتماعي لها عدة وظائف مهمة تساعد على استمرار المجتمع، لكن بالمقابل يمكن أن يؤثر على استقرارها ووجودها بروز مجموعة من المتغيرات السلبية بسبب فشل بعض الأبنية الاجتماعية الأخرى في أداء وظائفها داخل البناء الاجتماعي. مثل: البطالة وضعف الوازع الديني وعدم الاستقرار السياسي وغيرها مما يهدد بنية ووظائف الأسرة لتنتهي بالانهيار والطلاق.

ج- النظرية التفاعلية الرمزية: ينصب التركيز الأساسي لنظرية التفاعلية الرمزية على أن الفرد يعيش في عالم من الرموز والمعارف المحيطة به في كل موقف أو تفاعل اجتماعي يتأثر بها ويستخدمها يومياً وباستمرار. ويتضح استخدام الفرد للرموز من خلال معانيها للتعبير عن حاجاته الاجتماعية ورغباته الفردية، وتتجلى أهمية الرموز عند استخدامها من قبل أفراد المجتمع على صعيد الممارسة اليومية في الحياة الاجتماعية. حيث يتعلم الفرد من خلال تفاعله مع الآخرين المحيطين به بشكل شعوري أو لا شعوري استخدام الرموز مثل: استخدام اللغة، أو تحريك الرأس للدلالة على الرفض أو القبول، لبس الخاتم عند الزواج، ووفقاً لهذه النظرية فإن التفاعل الرمزي في الأسرة يشير إلى دراسة التفاعل والعلاقات الشخصية بين الزوجين وزوجته وأولادهما. بناءً على ذلك، نجد أن سلوك الأفراد في الأسرة ما هو إلا تفاعل اجتماعي، وانعكاس للرموز التي يشاهدها الفرد، ويتأثر بها سلباً أو إيجاباً في مواقف الحياة اليومية بشكل مباشر. أي إن الأسرة من خلال هذا التفسير يجب ألا تدرس كنموذج مثالي بل يجب أن تدرس كما هي في الحياة اليومية فليس هناك أسرتين متشابهتين لدرجة التطابق فكل أسرة لها علاقتها الخاصة بها والتي تميزها عن الأسر الأخرى.

وهذا يعني، أن نظرية التفاعلية الرمزية تفترض أن العالم الرمزي والثقافي يختلف باختلاف البيئة اللغوية والعرقية أو حتى الطبقية للأفراد، وفي ضوء هذه الفرضية يهتم دارسوا الأسرة بطبيعة الاختلاف بين العالم الرمزي للزوج والزوجة وتأثير هذا الاختلاف على تحديد توقعات أدوارهما وعلى مجريات التفاعل بينهما، وقد أكدت الدراسات في هذا الصدد أنه كلما كان العالم الرمزي مختلفاً ومتبايناً (كما يحدث في الزيجات بين أفراد ينتمون إلى بيئات لغوية وثقافية مختلفة) أي كلما تبلورت توقعات الأدوار بينهما بشكل ضعيف وبطئ، كلما شهد التفاعل بينهما ضروباً من التوتر والصراع مما يؤدي إلى حدوث الطلاق في أغلب الأحيان.

خلاصة القول تلعب الأسرة دوراً مهماً في تلقين الأفراد أدوارهم المستقبلية. وكل أسرة لها مجموعة من الرموز والمعايير التي تعلمها لأبنائها في مرحلة الصغر وهذه الرموز والمعاني تختلف من أسرة لأخرى، فالفرد يحاول أن يستوعب الدور المتوقع منه أولاً ثم يحاول من خلال تعامله اليومي مع الآخرين إدخال بعض التعديلات على دوره وفقاً للرموز التي اكتسبها في مرحلة الصغر ووفقاً للظروف المحيطة به لذلك نجد أن كل علاقة زوجية تختلف عن العلاقات الزوجية الأخرى بسبب اختلاف عملية التنشئة الاجتماعية. فكلما كانت المعاني والرموز التي اكتسبها الزوجان من أسرهما متقاربة ساعد ذلك على تحقيق التفاهم بينهما والتصرف ضمن توقعات الآخرين والعكس صحيح، فكلما كانت الرموز والمعاني متباعدة بل متنافرة بين الزوجين أدى ذلك إلى خلق فجوة بينهما مما يؤدي إلى بروز الخلافات والصراعات لينتهي الأمر بحدوث الطلاق.

د- نظرية التبادل الاجتماعي: ترى نظرية التبادل الاجتماعي أن البشر يمارسون سلوكاً يجلب لهم منافع ويشبع لديهم حاجات، حيث يتمحور موضوع بحثها حول السلوك الفعلي للأفراد. وهو يعني أن تبادل النشاطات الإنسانية يتم في ضوء العائد (المكافأة) والتكلفة. وأن تلك النشاطات تفسر من خلال المقارنة بين تكلفة أفعال معينة، والمكاسب التي تتحقق من وورائها بالنسبة للفاعل، بحيث يحاول كل فاعل من خلال فعله أن يختزل التكاليف ويعظم من المنفعة والأرباح. فعندما تتعذر الحياة الزوجية بين الطرفين وتصبح الحياة مليئة بالصراعات والمشاحنات، فإن كلا الطرفين أو أحدهما يحاول أن يحسب مقدار الخسائر المترتبة من هذا الطلاق ومقدار المكاسب فإذا أحس أن مكاسبه من الطلاق تفوق خسائره فإنه يتخذ قرار الطلاق والعكس صحيحاً إذا كانت الخسائر أكثر من المكاسب فإنه يستمر في حياته الزوجية، وأن هذه المكاسب أو الخسائر ليست هنا مادية فقط وإنما هي مادية أو معنوية أو اجتماعية. خلاصة القول إن العلاقات الاجتماعية بين الأفراد تبدأ بالتغير وبالانهيار عندما لا تتوافق التكلفة مع العائد أو الأخذ والعطاء أي تناقض المصالح والغايات بين أفراد الجماعة.

ه- نظرية الاثنوميثودولوجيا: تنظر هذه النظرية إلى الإنسان باعتباره كائناً إيجابياً قادراً على تشكيل الحياة الاجتماعية دون الخضوع المستمر للقوى الخارجية. كما أنها ترى أن الإنسان كائن عقلاني له أفكاره وتصوراته الخاصة التي تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات السائدة فيها. وترى هذه النظرية أيضاً أن تصورات الإنسان تتكون من خلال علاقات التفاعل والمعاني الذاتية التي يضفيها أعضاء المجتمع على أفعالهم. بذلك يهدف المنظور الاثنوميثودولوجي إلى وصف كيفية قيام أفراد المجتمع أثناء تفاعلهم في الحياة اليومية بصياغة المفاهيم حول المواقف المختلفة وكيفية قيامهم بتشكيل الحياة الاجتماعية من خلال الطرق والإجراءات التي يستخدمها أعضاء المجتمع لجعل أفعالهم وأهدافهم وخبراتهم الماضية قابلة للتفسير والفهم من قِبل الأعضاء الآخرين في المجتمع.

وعندما يفشل الزوج والزوجة في صياغة تصورات مشتركة تؤدي إلى عدم التوافق والتفاهم حول حياتهما الاجتماعية، بسبب الاختلاف الثقافي وعدم إتباع طرق مناسبة، لجعل أفعالهما وخبراتهما المتراكمة قابلة للفهم والتفسير في إيجاد أسلوب معين تقوم عليه الحياة الزوجية، سيؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى عدم قدرة الزوج والزوجة على صياغة الحقيقة الاجتماعية المتعلقة بالحياة الزوجية، وهذا يعني أن كل من الزوج والزوجة يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الاجتماعية دون الآخر مما ينذر بتفاقم الخلافات والمشاكل التي ستفضي لا محال إلى حدوث الطلاق.

و- النظرية الماركسية: تقوم الرؤية الماركسية على مفهوم التناقض باعتباره جوهر الظواهر الطبيعية والاجتماعية، فالصراع الناجم عن التناقض هو أساس الموقف السوسيولوجي عند الماركسية. كما أن الماركسية ترى العلاقات الاجتماعية من منظور مادي أي إن تاريخ المجتمعات ليس سوى تاريخ صراع طبقي، وسببه حسب ماركس الملكية الخاصة أي ملكية طبقة اجتماعية معينة لوسائل الإنتاج والثروة في المجتمع وفقدانها في طبقة أخرى مما يؤدي التفاوت الطبقي واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وفيما يتعلق بالطلاق ترى هذه النظرية أن المؤسسة الزواجية هي أول مؤسسة اضطهادية يختبرها الفرد في حياته الاجتماعية إذ لم تكن مبنية على مبدأ التكافؤ الاجتماعي وبالأخص المادي. حيث تمثل سيطرة الرجل على المرأة في النظام الأسري ويرجع ذلك إلى التفاوت الطبقي الموجود بين الزوجين، مما يؤدي إلى حدوث المشاكل بينهما ذات الطابع المادي والثقافي والاجتماعي لينتهي الأمر بهما إلى الطلاق.

- نموذج تطبيقي (2) توظيف مجموعة من المقولات النظرية في تفسير مشكلة العنف الأسري من خلال عنوان البحث التالي: العوامل المسؤولة عن العنف الأسري ومنعكساته على الاستقرار الاجتماعي (دراسة ميدانية لعينة من الأسر في مدينة ما). في هذا السياق يمكن للباحث الاستناد إلى مجموعة من النظريات السوسيولوجية التي سوف تشكل بمجملها مرجعيته العلمية في تحليل وتفسير كيفية حدوث مشكلة العنف الأسري واشتقاق التساؤلات (الفروض) التي سنجيب من خلالها عن الأسباب الكامنة خلف حدوث مشكلة البحث، وهي كالآتي:

أ- نظرية الصراع الاجتماعي: يمكننا من خلال مقولات هذه النظرية تفسير مشكلة العنف الأسري في سياق مفاهيم القوة والسلطة، فالرجال أكثر قوة من النساء، ومن هنا يفرضون سيطرتهم على النساء. يعد الصراع جانباً وجزءاً مكوناً في كل الأنساق والتفاعلات بما في ذلك الأسرة والتفاعلات الزوجية، ويمكن النظر إلى أعضاء الأسرة باعتبارهم يواجهون نوعاً من المتطلبات المتعارضة، فهناك التنافس مع بعضهم البعض من أجل الاستغلال والسلطة والامتيازات، وفي الوقت نفسه المشاركة مع بعضهم البعض من أجل البقاء، فالأسرة في ضوء هذه النظرية تعد نظاماً اجتماعياً يعمل على تقنين العلاقات الشخصية المتبادلة والوثيقة من خلال عمليات مستمرة من التعارض وحل المشكلات وإدارة الصراع.

تستند النظرية الصراعية على أفكار كارل ماركس التقليدية، التي تؤكد على دور القوة الاقتصادية والسياسية في فرض رأي شخص ما على الآخرين على اعتبار " إن تاريخ أي مجتمع، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية ". بذلك يعتبر مفهوم الصراع الطبقي نتيجة حتمية لحركة التاريخ التي تتضمن مؤشرات القوة والسلطة. ويرى ماركس أن ملكية وسائل الإنتاج من قبل طبقة معينة، تمنح أفراد الطبقة المعنوية العالية والنفوذ الاجتماعي والاحترام والتقدير، بينما عدم امتلاك الملكية من الطبقة الأخرى يجعلها مكسورة معنوياً ونفسياً ولا تملك قوة ولا نفوذاً اجتماعياً. بذلك تؤمن الماركسية أن العلاقات الطبقية القائمة على الاستغلال هي المفتاح الأساسي لفهم المجتمعات الطبقية.

وهكذا يمكننا تفسير العنف الأسري بالاستناد إلى مفاهيم السيطرة والضبط، فالرجال أكثر قوةً من النساء، ومن هنا فهم يفرضون سيطرتهم على النساء. لذا يعتقد أصحاب هذه النظرية، أن مشكلة العنف الأسري تنبثق من خلال الأسباب الآتية: التناقض في الأهداف داخل الأسرة يجعل الأفراد يعيشون بين أطراف متقاطعة، لا تقودهم إلى غايات أفضل أو أسلم. وجود طبقة مالكة للثروة والنفوذ (الرجل) وأخرى فاقدة لها (المرأة). استغلال مالكي السلطة (الرجل) أهداف الأسرة، لخدمة أغراضه السلطوية والذاتية من أجل تعزيز موقعه على حساب المرأة. الحرمان الاقتصادي وعدم توزيع الثروة بشكلٍ عادل على جميع أبناء الأسرة، سيؤدي إلى خلق مشاكل، وهو مصدر لسلوك الانحراف والإجرام داخل النسق الأسري.

بناءً على ما سبق يشكل مفهوم الصراع الطبقي من أجل الاستحواذ على مصادر الثروة والقوة والسلطة هو العامل الرئيسي لحدوث المشكلات الاجتماعية وبالأخص العنف الأسري، وهذا نتيجة منطقية لتعارض المصالح والاهتمامات الفردية والجمعية. فالرجل عموماً يستغل القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع لصالحه، وهي فرض سلطته الأبوية على المرأة حسب هذه النظرية، والتي تخدم أهدافه فتصبح المرأة بناءً على هذا التحليل تابعة للرجل ومكانتها تتحدد من خلال خدمته والانصياع لأوامره في الحياة الأسرية. وهذا يعني أن الحياة الزوجية ما هي إلا انعكاس مباشر لواقع الأزواج الطبقي يتفاعلون مع بعضهم البعض بناءً على انتماءاتهم الطبقية، مما يؤدي إلى تعزيز إرهاصات ومبررات الصراع بين الزوج والزوجة في الحياة الأسرية، وممارسة العنف الأسري بكافة أشكاله بحق الزوجة باعتبارها الحلقة الأضعف في واقع اجتماعي لا يعترف إلا بسلطة الطرف الأقوى (الزوج) بسبب التفاوت الطبقي وغياب العدالة الاجتماعية.

ب-
النظرية البنائية الوظيفية: ترتكز هذه النظرية على افتراض أساسي يدور حول فكرة التكامل بين الأجزاء، والاعتماد المتبادل بين العناصر المختلفة للمجتمع، فإن أي تغيير في أحد الأجزاء من شأنه أن يحدث تغيرات في الأجزاء الأخرى. وترى هذه النظرية أن البناء الاجتماعي هو عبارة عن نسق كلي مترابط ومتماسك، وهو بدوره مكون من مجموعة أنساق جزئية تربطها علاقات متبادلة، ولكل من هذه الأنساق دور ووظيفة يقوم بها، وأن حدوث أي خلل يصيب أداء أي عضو في النسق يؤدي ذلك إلى حدوث خلل في باقي الأنساق وفي البناء الكلي من حيث تركيبته الوظيفية. فهي تفسر الظواهر الاجتماعية من خلال المؤسسات الاجتماعية، حيث إن تماسك وانسجام هذه المؤسسات فيما بينهما يحسن من أدائها الوظيفي، وترى هذه النظرية أن كل نسق يقوم بدوره وعملياته الاجتماعية على ضوء بنائه الداخلي الذي يوجد فيه، سواء كان بنية مادية أو بنية اجتماعية. بذلك تعزو هذه النظرية مشكلة العنف الأسري إلى وجود صعوبات في العلاقات الأسرية، وأن العنف يحدث بسبب أنماط التفاعل الأسري غير المتوافق أو نتيجة لوجود خلل في البناء الأسري، والفشل في إشباع الحاجات، وسوء التفاعل بين الطرفين أو الزوجين أو الأبناء. كما تشير هذه النظرية إلى أن الخلل الوظيفي في الأسرة، والذي يتمثل في الضواغط والمشاكل بين الزوجين، تعتبر محددات مهمة في ممارسة العنف ضد الزوجة، أي إن العنف نتيجة طبيعية للاختلال الوظيفي داخل النسق الأسري، وأن كل أعضاء الأسرة يساهمون في حدوث العنف وتصاعد الصراع، وأن كل واحد منهما يسعى للسيطرة على الآخر، وعلى هذا فإن العنف الأسري يكون ناتجاً عن وجود خلل في التفاعلات الأسرية وعدم وجود التواصل السليم بين أفراد الأسرة. أما عن الأسباب والعوامل المؤدية إلى هذه الظاهرة ترى البنائية الوظيفية أن العنف الأسري هو نتيجة حتمية لجملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية (كالبطالة، الخلافات العائلية، الفقر، انخفاض دخل المادي) كل هذه العوامل تؤدي حتماً إلى زيادة التوتر داخل الأسرة خاصة بين الزوجين، هذا ما يشعل فتيل العنف الأسري وبشكل يومي. وهكذا تنعكس الاضطرابات والتوترات في نسق العلاقة الزوجية على طبيعة العلاقات بين الأبناء والوالدين، حيث ترتبط سلباً بتكرار، ونمط، وشدة، ممارسات العنف الأسري في سياق الحياة اليومية.

ج- النظرية التفاعلية الرمزية: تعتبر التفاعلية الرمزية من أهم المنظورات التي تعتمد عليها النظرية السوسيولوجية في تحليل الوحدات الاجتماعية الصغرى (ميكرو) أي إنها تبدأ بالأفراد وسلوكهم لفهم النسق الاجتماعي، فأفعال الأفراد تصبح ثابتة لتشكل بنية من الأدوار. ويمكن النظر إلى هذه الأدوار من حيث توقعات البشر بعضهم تجاه بعض من حيث المعاني والرموز، وهنا يصبح التركيز إما على بنى الأدوار والأنساق الاجتماعية أو على سلوك الدور والفعل الاجتماعي.

يشير مفهوم التفاعلية الرمزية إلى التفاعل الذي ينشأ بين مختلف العقول والمعاني، والذي يعد سمة مميزة للمجتمع الإنساني. أي إن الأفراد متفاعلون فيما بينهم بواسطة مجموعة من الرموز والمعاني، وتتوقف الحياة على مدى قدرة الناس على إنتاج الرموز واستخدامها، والكيفية التي يرمزون بها إلى بعضهم البعض، وإلى غيرهم من الناس أو الأشياء أو الأحداث أو الأفكار أو أي شيء في الوجود. وهي ترى أن سلوك الأفراد هو نتاج العلاقة الاجتماعية.

كما ترى هذه النظرية أن التشتت الاجتماعي وأن أي خلل في شخصية الفرد وسلوكه الاجتماعي يؤدي إلى خلل في عملية التفاعل الاجتماعي، " لأنها تعتقد أن الحياة الاجتماعية التي نعيشها، ما هي إلا حصيلة التفاعلات التي تقوم بين البشر والمؤسسات والنظم الاجتماعية وبقية الكائنات ". فالفرد يحاول دائماً أن يستوعب الدور المتوقع منه بالدرجة الأولى، ثم يحاول فهم الآخر من خلال تعامله اليومي معه، وإدخال بعض التعديلات أو التغيرات على دوره وفقاً للرموز التي اكتسبها في مرحلة الصغر، ووفقاً للظروف والبيئة المحيطة به.

وهكذا تدور مقولات التفاعلية الرمزية حول مفهومين أساسيين هما: الرموز والمعاني في ضوء صورة معينة للمجتمع المتفاعل. ويعد العنـف الأسري في سياق الحياة الأسرية سواء أكان العنف لفظياً أم جسدياً - واحداً من تلك التعبيرات الأساسية للنظرية التفاعلية الرمزية. بذلك فإن سلوك الفرد والجماعات ما هو إلا تجسيد للرموز التي يشاهدها الفرد ويتـأثر بهـا سـلباً أو إيجاباً بشكل مباشر، وإن العمليات الإدراكية والمعرفية عند الإفراد هي التي بإمكانها معرفـة وتحديـد نـوع العلاقات بين الإفراد وباستطاعتها أن تكبح العدوان أو تسهله. " كون الفرد في التفاعل الرمزي يعتمد على الدور الذي يحتله والسلوك الذي يتحلى به ".

بناءً على ما سبق، يعتقد هذا المنظور أن عملية التنشئة الاجتماعية تلعب دوراً مهماً في تعليم الأفراد أدوارهم الاجتماعية. حيث إن لكل أسرة مجموعة من الرموز والمعايير التي تعلمها لأبنائها منذ مرحلة الصغر، والفرد بطبيعة الحال يحاول أن يستوعب الدور المتوقع منه أولاً ثم يحاول من خلال تعامله مع الآخرين إدخال بعض التعديلات عليه وفقاً للرموز والخبرات التي اكتسبها خلال مراحل حياته العمرية، ومعنى ذلك أن العلاقات الزوجية تختلف عن بعضها البعض، وبالأخص فيما يتعلق في ممارسة العنف الأسري، فكلما كانت المعاني والرموز التي اكتسبها الزوجان من أسرهما متقاربة ساعد ذلك على تحقيق التفاهم بينهما والتصرف ضمن توقعات الآخرين والعكس صحيح، وكلما كانت الرموز والمعاني متباعدة بل متنافرة بين الزوجين أدى ذلك إلى خلق فجوة بينهما مما يؤدي إلى بروز الخلافات وانتشارها، أي حدوث العنف الأسري بينهما. وهكذا تعاملت التفاعلية الرمزية مع العنف الأسري بوصفه مشكلة اجتماعيـة تهـدد الاتفـاق الجماعي المشترك بشأن الواقع، إذ إن الصراع بين الإفراد والجماعات يؤدي إلى انهيار الاتصال بـين أفراد الأسرة المتصارعة، ويصبح من الصعوبة إمكانية الاتفاق بشأن الحياة المشتركة.

د-
نظرية التبادل الاجتماعي: يرى أنصار هذه النظرية أن الأفراد يدخلون مع بعضهم البعض في علاقات تبادلية فهم يتبادلون العواطف والمشاعر والآراء والأفكار والمصالح والأموال وغيرها في تبادلهم هذا هم يسعون إلى تحقيق أكبر قدراً من الربح بأقل خسائر ممكنة. وفيما يتعلق بمشكلة العنف الأسري تؤمن هذه النظرية بأن سلوك الفرد يتشكل من خلال الثواب والعقاب أو التكلفة والعائد في علاقته مع الآخرين، وبصفة خاصة فإن المرأة المعنفة داخل الأسرة على سبيل المثال قد تحاول تجنب تعنيفها (عقابها) من طرف الزوج من خلال الامتثال لأوامره وتنفيذ رغباته والخضوع له بصورة مطلقة، فإذا قصّرت الزوجة في استجابتها لمتطلبات الزوج وهو في المقابل يدفع تكاليف أكثر مما يجنيه من علاقته الزوجية (أي إن التكلفة أكبر من العائد بالنسبة للزوج) فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى تعرض الزوجة للإساءة وممارسة العنف من قبل الزوج.

-----------------------------------------
- المراجع المعتمدة:
1- حسام الدين فياض: تقنيات كتابة البحوث الاجتماعية " منهجية إعداد وتصميم خطة البحث من الألف إلى الياء "، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب: الخامس، الجزء: الأول، دار الأكاديمية الحديثة، أنقرة، ط1، 2023.
2- حسام الدين فياض: الإطار النظري في البحوث الاجتماعية؛ توظيف المقولات النظرية في تفسير الظواهر الاجتماعية (دراسة تحليلية – تطبيقية)، مجلة ريحان للنشر العلمي، سوريا، العدد: 46، 28-04-2024، ص(182-218).


د. حسام الدين فياض
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- حلب سابقاً

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى