سمير اليوسف - أي أملٍ هناك لشاعر مسيحي في الثقافة العربية؟ توفيق صايغ واستحالة الحضور .

أي أملٍ هناك لشاعر ٠كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير. أن يكون تجاهله شاملاً وتاماً، وكأنه لم يكن، لكن لحسن حظ توفيق صايغ كان عنده أصدقاء، ثلاثة أصدقاء بشكل خاص، حالوا دونه ووهدة النسيان: جبرا إبراهيم جبرا وسلمى الجيوسي ورياض الريس. الأخير قام بالدور لأبرز من حيث أنه نشر اعماله الشعرية كاملة وترجمته لمجموعة "الرباعيات الأربع"، فضلاً على نشره السيرة التي كتبها محمود شريح ودراسة مهمة للشاعر العراقي سامي مهدي.

ومؤخراً أصدرت دار الجمل ترجمته لقصيدة إليوت "الأرض الخراب" في تحقيق ودراسة رائعة للباحث العراقي محمد مظلوم. وقبل شهور قليلة صدرت رواية زياد خدّاش "ضباب فوق جبل النجمة" وفيها يظهر صايغ كشخصية رئيسية. ومع ذلك يبقى حضور توفيق صايغ أقل بكثير من أي شاعر أقل اهمية منه بكثير. لماذا؟

هناك أسباب عديدة منها أن توفيق صايغ، وخلافاً للعُرف الجاري، خاصة بين أبناء جيله، لم يعمل على الدعاية لنفسه، ولم يكن له أتباع ومريدين. وهناك أيضاً وفاته المبكرة بعد فضيحة مجلة "حوار" وانقطاعه عن الوسط الثقافي العربي. لكن السبب الأهم أنه كان شاعراً مسيحياً. لا اقصد مسيحياً من حيث انه ينتمي إلى الطائفة المسيحية، البروتستانتية، ولكن من حيث أنه كتب شعراً مسيحياً على نحو أعمق وأسطع عما هو عليه عند أي شاعر عربي مسيحي آخر. كتابة القصيدة والشعر عنده كان تعبيراً عن وعيه المتواصل بالإنتماء إلى الزمان الأبدي لحضور يسوع المسيح. فمن سيهتم بشاعر كهذا في الثقافة العربية؟

هناك من حيث الأساس هيمنة الثقافة الإسلامية على الثقافة العربية عموماً. وبعد رواج الخطاب الإسلامي الأصولي، الكلام عن "قصيدة مسيحية" لا بد وأن يُعتبر بمثابة كفرٍ صريح. وهناك الثقافة العلمانية العربية المعادية لكل ما هو ديني، وهو عداء ساهم في اشاعته الكتّاب والمثقفون المسيحيون، من العلمانيين العرب، بقدر ما أشاعه المسلمون. النقاش الساخن الذي يرد في رواية خدّاش ما بين توفيق صايغ والمربي الفلسطيني خليل السكاكيني يدل على استحالة الموقع الذي اختاره صايغ حتى بالنسبة للمسيحيين العرب. انتمى السكاكيني إلى الطائفة المسيحية الأرثوذكسية ولكنه كان علمانيّ التوجه ورأى بأن لا علاقة ما بين الدين والأدب الحديث، العلماني بطبيعة الحال. ولا أظن بأن الجماعات السياسية المسيحية، التي زعمت وتزعم الدفاع عن حقوق المسيحيين في الشرق، كانت لتكترث بشاعر سوري-فلسطيني، من الطائفة البروتستانتية، تبنى وإن بشكل سطحي الإنتماء إلى ما يُسمى بـ"القومية السورية" و"سورية الطبيعية"، حتى لو عرفت بأمره أصلاً.

يتجنب الشاعر العراقي سامي مهدي- في كتابه "تجربة توفيق صايغ الشعرية"- الكلام على هذه القضية، كما تجنبها كل من تناول أعمال وحياة توفيق صايغ، بمن في ذلك جبرا والجيوسي. إنها إحدى المحرّمات التي يفضّل القوم السكوت عنها. بيد أن سامي مهدي يبيّن لنا كيف أن مسيحية صايغ كانت توراتية النزعة وأيوبية أيضاً، نسبة إلى سيدنا أيوب. ولعل هذا هو القدر الذي اختاره توفيق صايغ كشاعر مخلص الوعيّ لحضور المسيح الأبدي وفيه وجد خلاصه أيضاً.

#وصايا_شاعر_متجوّل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى