المجتمع في حاجة ماسة للمثقفين، الحكماء والعاقلين

ما هو المُثقَّف بالمعنى الأكاديمي؟ ولماذا المجتمع في حاجة ماسة للمُثقَّفين؟

ما يُلاحَظ، في أيامنا هذه، أن التفاهةَ la futilité آخذةٌ في الانتشار، وبسرعة لم تخطر على بال سائر العقلاء Les personnes، raisonnables والمُفكِّرين les penseurs. وما زاد ويزيد هذا الانتشارُ توسُّعاً منذ أن ظهرت، إلى حيز الوجود، أول شبكة للتواصل الاجتماعي سنةَ 1997، أي مرَّ على هذا الظهور ما يُناهز ثلاثين سنة من الزمان. حيث كان هذا الظهورُ، ومن بعده ظهرت شبكات أخرى وأشهرها فايسبوك، سنةَ 2004، بمثابة هديةٍ استغلها ضِعاف العقول لينشروا أفكارَهم التافهة على نطاقٍ واسعٍ.

أما الطامة الكبرى، فحدثت لما ظهرت إلى حيز الوجود شبكات تواصل فورية كالمِسنجر Messenger والواتساب WhatsApp، التي تمكِّن المنخرطون فيها من التواصل الفوري la communication immédiate، أي من طرحِ تدويناتهم ويتمُّ الجواب عليها فورا. حينها، لم يتردَّدْ ضِعاف العقول لاستغلال هاتين الشبكتين لتصبح التفاهة أمرا واقعيا يُصادِفه الناس في حياتِهم اليومية، في كل مكان.

بالطبع، ظهورُ شبكات التواصل الاجتماعي، كان وراءَ إنشائها أهدافٌ نبيلة مثل تبادل الأفكار والأخبار ونشر الآراء في مختلف مجالات المعرفة البشرية. وفي هذا الصدد، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منبراً لنشر المعرفة les connaissances والتوعية la prise de conscience.

غير أنه، إذا صنَّفنا مجموعَ التَّدوينات الصادرة في شبكات التواصل الاجتماعي، سنجِد أن أغلبيتَها الساحقة تصب في خانة "التفاهة". وهذه أمثلة حية تُبيِّن، بوضوحٍ، أن مجتمعاتِنا أصبحت تسيطر عليها التفاهة والرداءة la médiocrité، وبالتالي، أصبح ضِعاف العقول هم مَن يُسيطر على شبكات التواصل الاجتماعي. مثلا : نشرُ صور لوَجبات غذائية قبل تناولها، إما محضَّرة في المنازل أو في المطاعم، نشر حفلات الزواج والتهاني الفارغة من العقلانية la rationalité ك"جمعة مباركة"، نشر الأدعيِة علما أن الدعاءَ بدون عملٍ لا فائدةَ منه، نشرُ تطبيقات تمكِّن المُستَعملَ من تغيير مظهرِه على الصور علماً أن هذا التَّغيير مضاد للسير العادي للحياة بمعناها البيولوجي، التباهي باللباس وإعطاء أهمية كبيرة ل"الموضة" la mode، نشر تفاصيل الحياة اليومية لبعض الناس من تنقُّلٍ وتناول قهوة الصباح في حديقة المنزل أو في البلكون، علماً أن هذه التفاصيل لاتسمِن ولا تغني من جوع… وهكذا، علماً أن الهدفَ الأساسي لهذه التدوينات التافِهة هو الحصول على أكبر عدد من "اللايكات" les likes.

وهذه حقيقةٌ لا يمكن إنكارُها، إذ نجد على شبكات التواصل الاجتماعي تافهاً أتباعُه يُعدُّون بمئات الأشخاص بينما مثقف ينشر مقالاتٍ مواضيعُها تستحق النقاشَ وتُثير الفضول، أتباعُه قلائل وقد يُحسبون على أصابيع اليدين.

إلى درجةٍ أن التفاهةَ غزت جميعَ مجالات المعرفة والحياة، ومن ضمنها السياسة. في زماننا هذا، عوض أن تكونَ همومُ المواطنين محلَّ نقاشٍ سياسي يأتي بحلولٍ لانشغالات الشعب، فإن النقاشَ، غالبا ما يتحوَّل إلى إنشاءٍ بلاغي une rhétorique، حيث الكلمات لها وقعٌ أكثرَ من النقاش، أو إلى تبادل السب والشتم والإساءة للغير، أو إلى تفادي الحديث عن القضايا التي تشغل بالَ الشعب…

بعد هذه التوضيحات عن دور شبكات التواصل الاجتماعي في نشرِ التفاهة، حان الوقتُ لأُجيبَ على السؤال الأول، أي "ما هو المُثقَّف بالمعنى الأكاديمي؟" ولماذا قلتُ "بالمعنى الأكاديمي"؟

قلتُ "بالمعنى الأكاديمي" لكي لا يكونَ خلطٌ بين "الشخص المثقَّف" une personne cultivée و"الشخص المفكِّر" une personne intellectuelle. الشخص المثقَّف هو الشخصُ الذي راكم تراثاً هائلاً من المعارف وفي عدة مجالات المعرِفة المٌنتَمية للعلوم الدنيوية، سواءً كانت علوماً إنسانيةً أو علوما طبيعية أو علوما دقيقية. وهذه المعارِف المُتراكِمة، إما أن تكون ناتِجة عن الدراسة أو عن قراءة الكتب أو إن شئنا عن الفضول الهادف.

أما "الشخص المُفكِّر"، فهو الشخص الذي يعتمِد على الفكر أو التفكير la pensée. وكلاهما يمتلِكان ما يكفي من القدرة على التحليل l'analyse والتركيب la synthèse والنقد البناء la critique constructive. وكلاهما قادِران على كتابة المقالات وتأليف الكتب. و كلاهما يتمتَّعان بتفتُّحٍ فكري، أي قبول الأفكار الأخرى، ولو كانت مُخالفة للافكار الشخصية، أي أن هناك استِعداداً لقبول أفكار الغير بدون تعصُّبٍ أو إنطِواءٍ على النفس.

ويندرِج في هاتين الفئتين الكُتَّاب، الباحثون الجامعيون وغير الجامعيين، الأدباء، السياسيون المُحنَّكون، الفلاسفة…

والآن، سأُجيب عن السؤال الثاني، أي "ولماذا المجتمع في حاجة ماسة للمُثقَّفين؟"

المجتمعُ في حاجة ماسة للمُثقَّفين لكي يواجهَ هؤلاء المُثقفون التفاهةَ المنتشرة في جميع مناحي الحياة. فكيف سيواجه المثقفون التفاهةَ؟

سيُواجهون التفاهةَ بملءِ الفراغ الذي تركه عزوفُ المثقفين عن الكتابة والنشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك العزوف عن استِعمال نفس الوسائل لإدارة نقاش عمومي un débat public حول القضايا التي تشغل بالَ المواطنين. فكيف سيتِم ملءُ هذا الفراغ؟

سيتم ملءُ الفراغِ بالتَّنوير والتثقيف والنقد البناء والتربية وإنعاش النقاش العمومي. فما هو التنوير وما هو التثقيف وما هو النقد البنَّاء وما هي التربية وما هو النقاش العمومي؟

التَّنوير هو تسليط الضوء على القضايا، بجميع أشكالِها، التي تشغل بالَ المواطنين وليس لهم دِراية بها أو معلوماتُهم حولها ضعيفة أو سطحية. والهدف من التنوير، هو تمكين الفئة المُستهدَفة من تغيير نظرتِها إلى نفسها وإلى العالم المُحيطِ بها. حينها، يُرفَع الخلط بين الأشياء وتُرفَع الأحكام المسبقة les préjugés والتَّنميطات les stéréotypes. بل يُرفع الالتباس l'ambiguïté، حينها قد يؤدي التنوير إلى تغيير سلوك الفرد والجماعة.

التثقيف عبارة عن سياق يهدف إلى إغناء معارف الأشخاص حول موضوعٍ من المواضيع المتداولة، أي الحصول على معارف جديدة ومُعمَّقة حول نفس الموضوع. وفي نهاية المطاف، الهدف الرئيسي من التثقيف، هو تحسين إدراك الأشخاص للمواضيع المطروحة، وبالتالي، تحسينُ كفاءاتِهم حيث تصبح لهم آفاق معرفية واسعة حول مواضيع كانوا يجهلون عنها الكثيرَ.

النقد البنَّاء la critique constructive عبارة عن نقدٍ للأفكار وليس للشخص الذي صدرت عنه هذه الأفكار. في هذه الحالة، النقد البنَّاء هو نقدٌ ليس الهدف منه، هو جُرحُ الشخص صاحب الأفكار. بل الهدف منه هو الابتِعاد عن أحكام القيمة les jugements de valeur والتركيز على الأفكار، علماً أن الناقدَ البنَّاء le critique constructif يحاول، ما أمكن، أن يُبيِّنَ لصاحب الأفكار أنه بإمكانه الإتيان بما هو أحسن…

أما التربية، فهي سياق un processus أشمل من التحسيس la sensibilisation والتعليم l'enseignement والتَّعلُّم l'apprentissage. إنها تستهدف مرورَ شخصية المُتعلِّم (طفل أو راشد) من حسن إلى أحسن. ومرور الشخصية من حسن إلى أحسن، لا سِنَّ له. بمعنى أن تحسين الشخصية لا يتوقَّف عند سنٍّ معينة. والأهداف الثلاثة من مرورِ الشخصية من حسنٍ إلى أحسن، هو تمكين المتعلِّم من التفتُّح الفكري l'épanouissement intellectuel والتَّحرُّر الاجتماعي l'émancipation sociale واكتساب الفكر النقدي l'acquisition de la pensée critique. وبعبارة أوضح، التربية هي أن يكونَ الشخصُ المُستَهدفُ مُستقلا في سلوكِه وآرائه، متفتِّحا فكريا ومُتحرِّرا اجتماعيا، مسؤولا إزاء نفسه وإزاء المجتمع وله القدرة على الاندماج في هذا الأخير. وفوق هذا وذاك، أن يكون مسلَّحا بالنقد الفكري. والتربية تبدأ في الأسرة وتستمِر في المدرسة والمجتمع.

النِّقاش العمومي هو أحسن وسيلة لتعزيز وتدعيم الديمقراطية في أي بلد من بلدان العالم. والنِّقاش العمومي le débat public هي الوسيلة الوحيدة التي، من الواجب، أن تحتلَّ الصدارةَ في شبكات التواصل الاجتماعي. غير أن هذه الصدارة، إلى يومِنا هذا، لم تجد لها مكاناً إلى جانب التفاهة، نظراً للحيِّز الكبير الذي تحتله هذه التفاهة من هذه الشبكات. والقضايا التي تستحق نِقاشاً عمومِياً، في هذا البلد السعيد، كثيرة، أذكر من بينها : انهيار السياسة بمعناها النبيل والتمثيلية السياسية، العزوف عن السياسة والانتخابات، ضعف الانخراط في الأحزاب السياسية، الترحال السياسي، جودة التعليم، الولوج المُنصِف للخدمات الصحية، البطالة التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق في ظل الحكومة الحالية، التشغيل، تدبير الموارد المائية، الجفاف البنيوي، التصحُّر، تأثير الجِباية la fiscalité على القدرة الشرائية، غلاء المعيشة، السياسات العمومية والحكامة، التعامل مع الثورة التكنولوجية الجديدة، وخصوصا، منها الذكاء الاصطناعي…

إلى يومنا هذا، ما يمكن قولُه عن شبكات التواصل الاجتماعي، هو أنها مُساءة الاستِعمال. وهذه الإساءة راجِعةٌ إلى كون جزءٌ كبير منها، مُحتلٌّ من طرَف التافهين les promoteurs de la futilité. والتافهون، مع كل أسفٍ، يجدون في المجتمع مَن يقبل تفاهتَهم، بل ويُصفِّق لها، جاعلين من التافهين مؤثرين des infuenceurs أو سادة العارفين.

يا أيها المثقَّفون، استيقظوا من سباتكم votre hibernation لأننا أصبحنا مُحاطين بالتفاهة من كل جانِبٍ…

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى