مشكلة المؤتمر الثامن لـ حركة فتح أنه لا يأتي متأخرًا فقط… بل يأتي في زمن لم يعد ينتظر أحدًا، وفي لحظةٍ لم يعد فيها التأخير مسألة تنظيمية، بل تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على إعادة إنتاج نفسه في سياق تاريخي يتغير بسرعة تتجاوز أدواته وبناه.
ليس السؤال متى سيُعقد المؤتمر، رغم أن تأجيله المتكرر منذ المؤتمر السابع عام 2016 وحتى اليوم يعكس بحد ذاته مأزقًا، بل السؤال ما إذا كان هذا المؤتمر قادرًا أصلًا على أن يكون لحظة سياسية، لا مجرد إجراء تنظيمي. فمنذ تشكيل اللجان التحضيرية خلال عامي 2024 و2025، وتكثيف اجتماعاتها في رام الله، مع حديث متزايد عن توسيع العضوية لتتجاوز 1200 عضو تشمل أقاليم الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وساحات الشتات، لم تكن المسألة تتعلق فقط بضمان التمثيل، بل بالصراع على تعريف هذا التمثيل: من يمثل فتح، ومن يملك حق إعادة تشكيلها، ومن يحدد اتجاهها في مرحلة تتآكل فيها الفوارق بين الحركة والسلطة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التحضير للمؤتمر عن بنية القوة داخل الحركة. فالمشهد الفتحاوي اليوم يتوزع بين مركز تقليدي يتمحور حول محمود عباس، الذي يقود الحركة والسلطة منذ ما يزيد عن عقدين، مستندًا إلى شرعية رسمية ودولية أكثر مما هي تنظيمية متجددة، وبين تيار إداري–أمني واسع النفوذ يحرص على استقرار النظام القائم بوصفه شرطًا لبقائه، وبين شخصيات صاعدة أو متموضعة لمرحلة ما بعد عباس، مثل جبريل الرجوب ومحمود العالول وحسين الشيخ، وهي شخصيات تمتلك حضورًا سياسيًا وتنظيميًا، لكنها لا تملك القدرة على الحسم منفردة، ما يجعل التوازن بينها هشًا ومؤجلًا لا محسومًا. وفي الخلفية، يبقى اسم محمد دحلان حاضرًا كتيار خارج البنية الرسمية، لكنه غير غائب عن الحسابات، خصوصًا في سياقات إقليمية معينة.
ولا يكتمل هذا المشهد دون التوقف عند موقع مروان البرغوثي، الذي يشكّل الحالة الأكثر تعقيدًا داخل الحركة. فهو، رغم وجوده في السجن منذ عام 2002 بعد اعتقاله خلال الانتفاضة الثانية، لا يزال يمتلك حضورًا رمزيًا وتنظيميًا يتجاوز كثيرًا من الفاعلين داخل البنية الرسمية. في استطلاعات متعددة خلال السنوات الأخيرة، ظهر كأحد أكثر الشخصيات قبولًا شعبيًا، بما في ذلك في سيناريوهات الترشح للرئاسة. ومع ذلك، فإن هذا الحضور لا يُترجم إلى دور مباشر في صناعة القرار، بل يبقى معلقًا بين الشرعية الشعبية والغياب القسري. هذا التناقض لا يعكس فقط حالة فرد، بل يكشف عن خلل أعمق في البنية السياسية: شخصية تحظى بقبول واسع لكنها خارج النظام، ونظام يدير القرار دون أن يعكس هذا القبول. وهنا، لا يصبح السؤال فقط من سيخلف القيادة الحالية، بل ما إذا كانت البنية القائمة قادرة أصلًا على استيعاب شخصية بحجم البرغوثي، أم أنها ستستمر في إعادة إنتاج نفسها عبر توازنات داخلية مغلقة، حتى لو كان ذلك على حساب شرعيتها المجتمعية.
هذا التوزع في مراكز القوة لا يُترجم إلى تعددية سياسية بقدر ما يعكس غياب مركز حاسم للقرار، وهو ما يفسر أن المؤتمر، بدل أن يكون أداة لحسم الخلاف، أصبح رهينة له. فالخلافات حول العضوية، وتمثيل غزة في ظل الحرب، وإدماج الخارج، ليست تفصيلات تقنية، بل تعبير عن سؤال أعمق: هل فتح إطار تنظيمي يُعاد ترتيبه، أم بنية سياسية تحتاج إلى إعادة تعريف؟
وفي خلفية هذا كله، لا يدور الصراع فقط على التمثيل السياسي، بل على إعادة توزيع القوة داخل بنية ترتبط فيها السياسة بالمصالح والامتيازات، ما يجعل المؤتمر ساحة لإعادة إنتاج النظام بقدر ما هو محاولة لإصلاحه. وفي مقابل هذا التصور، تبرز داخل الحركة نفسها مقاربة لا تنفي الأزمة بقدر ما تعيد تأطيرها من زاوية مختلفة، إذ يرى جزء من أبنائها أن اختزال المأزق في لحظة ما بعد السابع من أكتوبر ينطوي على إغفال لمسارٍ أطول من التآكل البنيوي، سبق هذا الحدث بسنوات، وارتبط بطبيعة فتح ذاتها كحركة واسعة تتسم بتداخل حدودها مع المجال المجتمعي، وبقدر عالٍ من الدينامية التي تجعلها، في آنٍ معًا، أكثر تمثيلًا وأقل انضباطًا. وضمن هذا الفهم، لا تُقرأ أزمة الحركة بوصفها خللًا داخليًا صرفًا، بل كجزء من مأزق أوسع يطال المشروع الوطني الفلسطيني في سياق إقليمي ودولي يتسم بانسداد الأفق السياسي. غير أن هذا المنظور، على أهميته، يعيد طرح سؤالٍ موازٍ: إلى أي حد يمكن تفسير أزمة بنيوية ممتدة بشروط البيئة المحيطة، دون مساءلة البنية الداخلية وآليات إنتاج القرار داخل الحركة نفسها ؟
لكن ما يجعل هذا السؤال أكثر حدة هو السياق الذي يأتي فيه المؤتمر. فالسابع من أكتوبر 2023 لم يكن مجرد حدث عسكري، بل لحظة كسرٍ تاريخي أعادت تعريف العلاقة بين الفعل المقاوم والسياسة. ما جرى في غزة بعد ذلك لم يكن حربًا فقط، بل عملية إعادة تشكيل كاملة للمكان: تدمير واسع، ضغط ديموغرافي، ومحاولة اقتلاع بنيوي. ومع ذلك، فإن هذا الحدث، على ضخامته، لم يجد حاملًا سياسيًا وطنيًا قادرًا على تحويله إلى مسار. الفعل بلغ ذروته، لكن السياسة لم ترتقِ إليه، بل بقيت أسيرة بنى قديمة غير قادرة على الاستجابة.
وهنا يظهر الخلل البنيوي الذي يتجاوز فتح نفسها: التمييز بين المقاومة كفعل مجتمعي تحرري، وبين التنظيمات التي تدّعي تمثيلها. هذا التمييز ليس نظريًا، بل هو ما يحدد من يملك القرار، ومن يتحمل الكلفة، ومن يخضع للمساءلة. ما بعد الطوفان كشف أن قرارات بحجم تاريخي يمكن أن تُتخذ دون عقد وطني جامع ينظمها، ودون حامل سياسي قادر على تحويل الشرعية الشعبية إلى مؤسسات. المشكلة لم تعد في غياب الفعل، بل في احتكار القرار داخل أطر تنظيمية مغلقة.
في المقابل، لا ينتظر الواقع في الضفة الغربية هذا الجدل. الاستيطان يتوسع، والجغرافيا تُعاد هندستها بوتيرة متسارعة، بحيث تتحول فكرة الدولة إلى احتمال نظري أكثر منه مشروعًا سياسيًا قابلاً للتحقق. وفي القدس، يجري الانتقال من إدارة الصراع إلى تثبيت وقائع نهائية بهدوء محسوب، دون كلفة دولية تُذكر.
وفي موازاة ذلك، يغيب سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أين المجتمع الفلسطيني من هذه المعادلة؟ فبينما تنشغل البنية السياسية بإعادة ترتيب ذاتها، تتسع الفجوة بينها وبين مجتمع يعيش تحولات عميقة، خصوصًا في غزة بعد الحرب، وفي الضفة تحت ضغط الاستيطان ، وفي الشتات . هذا الغياب لا يظهر في الخطاب، لكنه يتجلى في غياب آليات التمثيل الفعلي، وفي تراجع قدرة النظام السياسي على التعبير عن المزاج العام أو استيعابه. وهنا، لا يصبح المؤتمر فقط محاولة لإعادة ترتيب الداخل، بل اختبارًا لقدرة الحركة على إعادة وصل ما انقطع بينها وبين المجتمع الذي يفترض أنها تمثله .
إقليميًا، تتعقد الصورة أكثر. فالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وامتداداتها في لبنان و الإقليم ، أعادت ترتيب الأولويات، ودفعت بقضايا الطاقة والممرات الاستراتيجية إلى الواجهة، بينما تراجعت فلسطين في سلم الاهتمام الدولي. هذا لا يعني فقط تراجع الدعم، بل تغير شروط الصراع نفسه، بحيث أصبحت قدرة الفلسطينيين على التأثير في المسار الإقليمي أضعف من أي وقت مضى. حتى محاولات الوساطة التي برزت عبر باكستان تعكس بحث الإقليم عن توازنات جديدة، لا إعادة مركزية القضية الفلسطينية.
في ظل هذا كله، يبدو المؤتمر الثامن كأنه يأتي بعد أن تغيرت قواعد اللعبة. ليس لأنه غير مهم، بل لأن ما يُطلب منه يتجاوز قدرته إذا بقي ضمن حدوده التنظيمية. فالسؤال لم يعد من سيقود فتح، بل ما إذا كانت الحركة قادرة على إعادة تعريف نفسها: هل تبقى إطارًا لإدارة واقع مفروض، أم تتحول إلى جزء من مشروع وطني جامع يعيد ربط المقاومة بالمجتمع، ويؤسس لعقد سياسي يحدد القرار ومسؤوليته؟
هذا السؤال يزداد حدة إذا ما نظرنا إلى أفق ما بعد محمود عباس. فغياب خليفة واضح، وتعدد مراكز القوة، يرجح سيناريو قيادة جماعية مؤقتة، تُدار فيها المرحلة عبر توازنات داخلية، لا عبر حسم سياسي. وهذا يعني أن المؤتمر، بدل أن يكون لحظة انتقال واضحة، قد يتحول إلى تمرين على إدارة الخلاف، لا حله.
في المحصلة، ما بعد الطوفان وضع الجميع أمام حقيقة قاسية: لا يكفي وجود مقاومة، ولا يكفي وجود تنظيمات، إذا لم يوجد عقد سياسي ينظم العلاقة بينهما، وحامل وطني قادر على تحويل الشرعية الشعبية إلى قرار مؤسسي. بدون ذلك، تبقى المعادلة كما هي: فعل كبير بلا مسار، شرعية مرتفعة بلا تمثيل، وتضحيات هائلة بلا ترجمة سياسية.
وهنا، يصبح المؤتمر—إذا بقي في إطاره التقليدي—ليس لحظة تغيير، بل لحظة تثبيت للعجز.
المؤتمر لم يُعقد بعد، لكن الحكم عليه بدأ بالفعل. لأن السؤال لم يعد ماذا ستقرر فتح، بل هل ما زال بإمكانها أن تكون جزءًا من القرار، أم أن القرار يُصنع خارجها… وربما خارج الفلسطينيين جميعًا. وفي هذه المسافة بين الفعل ومن يحمله، يتحدد مستقبل السياسة الفلسطينية، لا في قاعات المؤتمرات ، بل في القدرة على تحويل اللحظة التاريخية إلى مشروع، والشرعية إلى تمثيل، والتضحيات إلى مسار سياسي قابل للاستمرار. فالمعضلة لم تعد في نقص الوقائع، بل في غياب الإطار الذي يمنحها معنى واتجاهًا. وإذا كان الطوفان قد أعاد فتح التاريخ بالقوة، فإن ما بعده سيُكتب فقط بقدر ما ينجح الفلسطينيون في امتلاك أدوات كتابته. أما إذا بقيت السياسة عاجزة عن اللحاق بالفعل، فإن ما سيُنتج لن يكون مستقبلًا، بل استمرارًا لفراغٍ يتسع، تُدار فيه القضية بدل أن تُصاغ .
ليس السؤال متى سيُعقد المؤتمر، رغم أن تأجيله المتكرر منذ المؤتمر السابع عام 2016 وحتى اليوم يعكس بحد ذاته مأزقًا، بل السؤال ما إذا كان هذا المؤتمر قادرًا أصلًا على أن يكون لحظة سياسية، لا مجرد إجراء تنظيمي. فمنذ تشكيل اللجان التحضيرية خلال عامي 2024 و2025، وتكثيف اجتماعاتها في رام الله، مع حديث متزايد عن توسيع العضوية لتتجاوز 1200 عضو تشمل أقاليم الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وساحات الشتات، لم تكن المسألة تتعلق فقط بضمان التمثيل، بل بالصراع على تعريف هذا التمثيل: من يمثل فتح، ومن يملك حق إعادة تشكيلها، ومن يحدد اتجاهها في مرحلة تتآكل فيها الفوارق بين الحركة والسلطة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التحضير للمؤتمر عن بنية القوة داخل الحركة. فالمشهد الفتحاوي اليوم يتوزع بين مركز تقليدي يتمحور حول محمود عباس، الذي يقود الحركة والسلطة منذ ما يزيد عن عقدين، مستندًا إلى شرعية رسمية ودولية أكثر مما هي تنظيمية متجددة، وبين تيار إداري–أمني واسع النفوذ يحرص على استقرار النظام القائم بوصفه شرطًا لبقائه، وبين شخصيات صاعدة أو متموضعة لمرحلة ما بعد عباس، مثل جبريل الرجوب ومحمود العالول وحسين الشيخ، وهي شخصيات تمتلك حضورًا سياسيًا وتنظيميًا، لكنها لا تملك القدرة على الحسم منفردة، ما يجعل التوازن بينها هشًا ومؤجلًا لا محسومًا. وفي الخلفية، يبقى اسم محمد دحلان حاضرًا كتيار خارج البنية الرسمية، لكنه غير غائب عن الحسابات، خصوصًا في سياقات إقليمية معينة.
ولا يكتمل هذا المشهد دون التوقف عند موقع مروان البرغوثي، الذي يشكّل الحالة الأكثر تعقيدًا داخل الحركة. فهو، رغم وجوده في السجن منذ عام 2002 بعد اعتقاله خلال الانتفاضة الثانية، لا يزال يمتلك حضورًا رمزيًا وتنظيميًا يتجاوز كثيرًا من الفاعلين داخل البنية الرسمية. في استطلاعات متعددة خلال السنوات الأخيرة، ظهر كأحد أكثر الشخصيات قبولًا شعبيًا، بما في ذلك في سيناريوهات الترشح للرئاسة. ومع ذلك، فإن هذا الحضور لا يُترجم إلى دور مباشر في صناعة القرار، بل يبقى معلقًا بين الشرعية الشعبية والغياب القسري. هذا التناقض لا يعكس فقط حالة فرد، بل يكشف عن خلل أعمق في البنية السياسية: شخصية تحظى بقبول واسع لكنها خارج النظام، ونظام يدير القرار دون أن يعكس هذا القبول. وهنا، لا يصبح السؤال فقط من سيخلف القيادة الحالية، بل ما إذا كانت البنية القائمة قادرة أصلًا على استيعاب شخصية بحجم البرغوثي، أم أنها ستستمر في إعادة إنتاج نفسها عبر توازنات داخلية مغلقة، حتى لو كان ذلك على حساب شرعيتها المجتمعية.
هذا التوزع في مراكز القوة لا يُترجم إلى تعددية سياسية بقدر ما يعكس غياب مركز حاسم للقرار، وهو ما يفسر أن المؤتمر، بدل أن يكون أداة لحسم الخلاف، أصبح رهينة له. فالخلافات حول العضوية، وتمثيل غزة في ظل الحرب، وإدماج الخارج، ليست تفصيلات تقنية، بل تعبير عن سؤال أعمق: هل فتح إطار تنظيمي يُعاد ترتيبه، أم بنية سياسية تحتاج إلى إعادة تعريف؟
وفي خلفية هذا كله، لا يدور الصراع فقط على التمثيل السياسي، بل على إعادة توزيع القوة داخل بنية ترتبط فيها السياسة بالمصالح والامتيازات، ما يجعل المؤتمر ساحة لإعادة إنتاج النظام بقدر ما هو محاولة لإصلاحه. وفي مقابل هذا التصور، تبرز داخل الحركة نفسها مقاربة لا تنفي الأزمة بقدر ما تعيد تأطيرها من زاوية مختلفة، إذ يرى جزء من أبنائها أن اختزال المأزق في لحظة ما بعد السابع من أكتوبر ينطوي على إغفال لمسارٍ أطول من التآكل البنيوي، سبق هذا الحدث بسنوات، وارتبط بطبيعة فتح ذاتها كحركة واسعة تتسم بتداخل حدودها مع المجال المجتمعي، وبقدر عالٍ من الدينامية التي تجعلها، في آنٍ معًا، أكثر تمثيلًا وأقل انضباطًا. وضمن هذا الفهم، لا تُقرأ أزمة الحركة بوصفها خللًا داخليًا صرفًا، بل كجزء من مأزق أوسع يطال المشروع الوطني الفلسطيني في سياق إقليمي ودولي يتسم بانسداد الأفق السياسي. غير أن هذا المنظور، على أهميته، يعيد طرح سؤالٍ موازٍ: إلى أي حد يمكن تفسير أزمة بنيوية ممتدة بشروط البيئة المحيطة، دون مساءلة البنية الداخلية وآليات إنتاج القرار داخل الحركة نفسها ؟
لكن ما يجعل هذا السؤال أكثر حدة هو السياق الذي يأتي فيه المؤتمر. فالسابع من أكتوبر 2023 لم يكن مجرد حدث عسكري، بل لحظة كسرٍ تاريخي أعادت تعريف العلاقة بين الفعل المقاوم والسياسة. ما جرى في غزة بعد ذلك لم يكن حربًا فقط، بل عملية إعادة تشكيل كاملة للمكان: تدمير واسع، ضغط ديموغرافي، ومحاولة اقتلاع بنيوي. ومع ذلك، فإن هذا الحدث، على ضخامته، لم يجد حاملًا سياسيًا وطنيًا قادرًا على تحويله إلى مسار. الفعل بلغ ذروته، لكن السياسة لم ترتقِ إليه، بل بقيت أسيرة بنى قديمة غير قادرة على الاستجابة.
وهنا يظهر الخلل البنيوي الذي يتجاوز فتح نفسها: التمييز بين المقاومة كفعل مجتمعي تحرري، وبين التنظيمات التي تدّعي تمثيلها. هذا التمييز ليس نظريًا، بل هو ما يحدد من يملك القرار، ومن يتحمل الكلفة، ومن يخضع للمساءلة. ما بعد الطوفان كشف أن قرارات بحجم تاريخي يمكن أن تُتخذ دون عقد وطني جامع ينظمها، ودون حامل سياسي قادر على تحويل الشرعية الشعبية إلى مؤسسات. المشكلة لم تعد في غياب الفعل، بل في احتكار القرار داخل أطر تنظيمية مغلقة.
في المقابل، لا ينتظر الواقع في الضفة الغربية هذا الجدل. الاستيطان يتوسع، والجغرافيا تُعاد هندستها بوتيرة متسارعة، بحيث تتحول فكرة الدولة إلى احتمال نظري أكثر منه مشروعًا سياسيًا قابلاً للتحقق. وفي القدس، يجري الانتقال من إدارة الصراع إلى تثبيت وقائع نهائية بهدوء محسوب، دون كلفة دولية تُذكر.
وفي موازاة ذلك، يغيب سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أين المجتمع الفلسطيني من هذه المعادلة؟ فبينما تنشغل البنية السياسية بإعادة ترتيب ذاتها، تتسع الفجوة بينها وبين مجتمع يعيش تحولات عميقة، خصوصًا في غزة بعد الحرب، وفي الضفة تحت ضغط الاستيطان ، وفي الشتات . هذا الغياب لا يظهر في الخطاب، لكنه يتجلى في غياب آليات التمثيل الفعلي، وفي تراجع قدرة النظام السياسي على التعبير عن المزاج العام أو استيعابه. وهنا، لا يصبح المؤتمر فقط محاولة لإعادة ترتيب الداخل، بل اختبارًا لقدرة الحركة على إعادة وصل ما انقطع بينها وبين المجتمع الذي يفترض أنها تمثله .
إقليميًا، تتعقد الصورة أكثر. فالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وامتداداتها في لبنان و الإقليم ، أعادت ترتيب الأولويات، ودفعت بقضايا الطاقة والممرات الاستراتيجية إلى الواجهة، بينما تراجعت فلسطين في سلم الاهتمام الدولي. هذا لا يعني فقط تراجع الدعم، بل تغير شروط الصراع نفسه، بحيث أصبحت قدرة الفلسطينيين على التأثير في المسار الإقليمي أضعف من أي وقت مضى. حتى محاولات الوساطة التي برزت عبر باكستان تعكس بحث الإقليم عن توازنات جديدة، لا إعادة مركزية القضية الفلسطينية.
في ظل هذا كله، يبدو المؤتمر الثامن كأنه يأتي بعد أن تغيرت قواعد اللعبة. ليس لأنه غير مهم، بل لأن ما يُطلب منه يتجاوز قدرته إذا بقي ضمن حدوده التنظيمية. فالسؤال لم يعد من سيقود فتح، بل ما إذا كانت الحركة قادرة على إعادة تعريف نفسها: هل تبقى إطارًا لإدارة واقع مفروض، أم تتحول إلى جزء من مشروع وطني جامع يعيد ربط المقاومة بالمجتمع، ويؤسس لعقد سياسي يحدد القرار ومسؤوليته؟
هذا السؤال يزداد حدة إذا ما نظرنا إلى أفق ما بعد محمود عباس. فغياب خليفة واضح، وتعدد مراكز القوة، يرجح سيناريو قيادة جماعية مؤقتة، تُدار فيها المرحلة عبر توازنات داخلية، لا عبر حسم سياسي. وهذا يعني أن المؤتمر، بدل أن يكون لحظة انتقال واضحة، قد يتحول إلى تمرين على إدارة الخلاف، لا حله.
في المحصلة، ما بعد الطوفان وضع الجميع أمام حقيقة قاسية: لا يكفي وجود مقاومة، ولا يكفي وجود تنظيمات، إذا لم يوجد عقد سياسي ينظم العلاقة بينهما، وحامل وطني قادر على تحويل الشرعية الشعبية إلى قرار مؤسسي. بدون ذلك، تبقى المعادلة كما هي: فعل كبير بلا مسار، شرعية مرتفعة بلا تمثيل، وتضحيات هائلة بلا ترجمة سياسية.
وهنا، يصبح المؤتمر—إذا بقي في إطاره التقليدي—ليس لحظة تغيير، بل لحظة تثبيت للعجز.
المؤتمر لم يُعقد بعد، لكن الحكم عليه بدأ بالفعل. لأن السؤال لم يعد ماذا ستقرر فتح، بل هل ما زال بإمكانها أن تكون جزءًا من القرار، أم أن القرار يُصنع خارجها… وربما خارج الفلسطينيين جميعًا. وفي هذه المسافة بين الفعل ومن يحمله، يتحدد مستقبل السياسة الفلسطينية، لا في قاعات المؤتمرات ، بل في القدرة على تحويل اللحظة التاريخية إلى مشروع، والشرعية إلى تمثيل، والتضحيات إلى مسار سياسي قابل للاستمرار. فالمعضلة لم تعد في نقص الوقائع، بل في غياب الإطار الذي يمنحها معنى واتجاهًا. وإذا كان الطوفان قد أعاد فتح التاريخ بالقوة، فإن ما بعده سيُكتب فقط بقدر ما ينجح الفلسطينيون في امتلاك أدوات كتابته. أما إذا بقيت السياسة عاجزة عن اللحاق بالفعل، فإن ما سيُنتج لن يكون مستقبلًا، بل استمرارًا لفراغٍ يتسع، تُدار فيه القضية بدل أن تُصاغ .