أدب السيرة الذاتية أ. د. عادل الأسطة - ذاكرة أمس.. من 45 إلى 79 (تابع القسم الثاني)

- ذاكرة أمس ٤٥: نابلس، في رمضان ، في السادسة مساء

إذا سرت، في رمضان، في شارع النصر، في السادسة مساء، فإنك تبصر حياة أخرى لا تشاهدها في هذا الشارع في الأيام العادية أو في ساعات الصباح.
أمس مساء سرت، في السادسة، في الشارع المذكور، مع بعض الإخوة، من مدينة حيفا، ومنهم المحامي
Hassan Abbadi،
جاؤوا ليشاركوا في ندوة أدبية عن أدب الأسرى، احتفالا بتوقيع ديوان شعر الأسير أحمد العارضة. الندوة عقدت في متحف الذاكرة الفلسطينية المقام في مبنى مصبنة كنعان. كان شارع النصر عامرا مزدهرا وكانت الأيدي تحمل ما هب ودب مما يباع في المحلات: صحن الحمص وصفط الحلوى؛ من عوامة وأصابع زينب وفطائر وكنافة، وزجاجة عصير الليمون أو الجزر وضمم الفجل والنعنع والبقدونس والجرحير والخس و...
في رمضان في نابلس نهارا لا تجد مقهى أو مكانا تستضيف فيه الزوار، وعليك أن تمشي معهم في الأسواق أو أن تستضيفهم في بيتك.
وكما ذكرت يكون شارع النصر، في السادسة مساء، مزدهرا كما لا يكون أي شارع آخر. وعلى الرغم من أن الكورونا لم تنته كليا، وعلى الرغم من أن نسبة تلقي اللقاح ما زالت متدنية، إلا أن الناس أكثرهم تحرروا من الكمامة، بل ومن التباعد الجسدي، بل إنهم يبدون غير مكترثين لتطورات الكورونا في الهند بسلالاتها الجديدة.
قبل أيام عممت مقابلة مع مواطن مصري قال فيها إن الهند لم تعرف انتشار الكورونا لأن الناس هناك تتعاطى نوعا من الأعشاب يقال له كرومونيوم أو ما شابه ، وهي توابل ، ولم يكن المواطن المصري يتوقع أن ثمة فايروسا سينتشر وأن الناس سيموتون، بلا سابق إنذار، واقفين.
أمس طغى على حديث الناس فكرة إمكانية تأجيل الانتخابات الفلسطينية، وما كان في الصباح احتمالا صار في المساء شبه يقين. هل كان حديث عزام الأحمد، ابن حركة فتح، عن عقد الانتخابات مرة واحدة عبثا أم أنه تهيئة لإمكانية التأجيل؟
شخصيا انشغلت بالبحث عن طائر البوم أكثر من انشغالي بالانتخابات، فصرت أتابع الفيديوهات الخاصة به وأدرجها على صفحتي، وذلك للجدل الذي شارك فيه الأصدقاء
Safi Ismael Safi
Hasan Albatal
Shaar Yahia
وأمس عرفت عن البومة الكثير، ويعود الفضل إلى قراءتي رواية فرج عبد الحسيب "قناديل البومة" وسيرة الكاتب حنا أبو حنا "مهر البومة"، وما ورد في الأولى عن كيفية إخراج البومة فضلاتها.
الكلام منطق ، والمتنبي قال:
"فليسعد النطق إن لم يسعد الحال"
وإذا تفوه شخص بكلام حسن نعته الناس بأنه يخرج الدرر وأن كلامه جواهر، وإذا كان كلامه رديئا خاطبوه متسائلين :
"- حكيت وللا شخيت؟".
هل أصل مثل هذا الإنسان الذي لا يحسن الكلام بوم لا قرد، و(داروين) قال إن أصل الإنسان قرد؟
صباح الخير
خربشات
٣٠ نيسان ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٤٦: كتابة الحياة وكتابة العزلة "رهين الشقة"

أمس لم أتجول في المدينة لأكتب مشاهداتي، فغالبا ما أبقى يوم الجمعة في الشقة.
ماذا أكتب وأنا رهين الشقة؟
الحمد لله أنني لست رهين محبسين؛ العمى والمكان، وإن كانت الكورونا جعلتنا أسرى مدننا.
كنت فكرت في الصباح أن أغادر الشقة لأتجول في البلدة القديمة، فيوم الجمعة في رمضان، بخاصة في النصف الثاني من الشهر، يكون يوم بركة وحركة ونشاط ولا يختلف عن باقي أيام الأسبوع، ولكني وجدت نفسي كسولا رهين مقال الأحد والكتب التي حصلت عليها يوم الخميس.
يوم الخميس أعطاني المحامي Hassan Abbadi
كتاب الكاتبMostafa Abed Elfatah
"يهودي وخمس يهوديات "الصادر قبل شهر ونصف في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨، فانشغلت يوم الجمعة فيه.
يهودي واحد وخمس يهوديات - أي عنوان رواية واحد خصص للذكر اليهودي وخمسة عناوين للمرأة اليهودية، وكان للمؤلف رأي طريف وهو أن تأنيث العناوين ذو دلالة "إن الرواية التي تحمل اسم يهودية في عتبة النص الأولى، فإنها تعني الخروج من السر إلى العلن، ومن التطبيع تحت الطاولة إلى سطحها، وفرد جميع الأوراق دون مواربة أو خوف أو خجل.." (اللهم احمنا من اليهوديات وجمالهن، وغاب عن ذهن المؤلف أن المعروف أن العربي؛ مسلما أو مسيحيا ، يتزوج من امرأة يهودية والعكس قليل).
وحتى أتأكد من حقيقة ما رأى ، قمت بإحصاء الروايات التي تسيدها دال يهودي أو يهودية أو يهود أو عبري/ة أو اسرائيلي/ة، وهكذا بحثت في ثلاث دراسات، عدا ما أعرفه وقرأته، ووجدت قدرا من التساوي، ما جعلني لا آخذ باجتهاد الدارس، وإن قدرته واجتهاده.
أمس عشت في الكتب ولم أعش في الشارع. تجولت في الكتب ولم أتجول في المدينة، وهكذا خرجت حروفي من بطون الكتب، لا من بطن الحياة، ما ذكرني بمقال لغسان كنفاني في كتاب "فارس.. فارس" يأتي فيه على كثير من الكتابات العربية التي لا تقرأ، خلافا لكتابات (شولوخوف) وأمثاله من الكتاب التي كانت تخرج من الحياة، فتمس شغاف القلب ، لأنها كتابة حارة، لا كتابة باردة.
هل كتابتنا في زمن التواصل الاجتماعي عبر الفيس بوك، وفي زمن التعليم عن بعد، كتابة باردة لا تصل إلى القلب؟
منذ أيام وأنا أرثي لحال طلاب الجامعات في العامين الأخيرين، فهؤلاء المساكين حرموا من الحياة الجامعية حرمانا تاما وصاروا رهيني منازلهم وكتبهم. صاروا معريين مع فارق أنهم لن يكتبوا لنا "رسالة الغفران" أو "اللزوميات ". هل المطلوب منهم أن يكتبوا هذا؟!
تأجلت الانتخابات الفلسطينية وانهدمت الصالة في (ميرون) على المحتفلين اليهود ومنع كثير من المصلين من الوصول إلى الأقصى، ومر الشهر دون أن آكل القطايف، ودون أن أسمع آخر أخبار الأمين العام للجبهة الديموقراطية نايف، ولو كنت مكان الرئيس الفلسطيني أبو مازن لاشترطت على من يطالبني بالتخلي عن منصب الرئاسة أن يتخلى نايف حواتمة عن قيادة الجبهة الديموقراطية أولا.
حجز الدكتور رامي الحمدلله، وهو رئيس وزراء ، منصب رئاسة الجامعة حوالي ست سنوات، ليعود إليه حال أقيل من منصب رئاسة الوزارة أو حال لم يكلف بها ثالثة ورابعة وعاشرة حتى الشهادة أو استلام رئاسة الدولة.
من قال إننا استثناء؟!
سأشرب الشاي بالنعناع والليمون وأقول لكم :
كل عام والعمال بخير ، ويا فصائل اليسار الفلسطيني اتحدوا !!
يا عمال العالم اتحدوا!
(٣٦ قائمة انتخابية والله عيب).
أمس، على الرغم من عدم خروجي من بيتي، كنت، مع ذلك، محتلا من اليهود بعامة ؛ الصهيونيين وغير الصهيونيين، وأنا في روايتي "تداعيات ضمير المخاطب "كتبت عن نماذج يهودية عرفتها ولم أفتعل الكتابة مثل أكثر الكتاب العرب وهم يكتبون عن اليهود، فتأتي أكثر كتابتهم باهتة باردة مفتعلة غير مقنعة لا ماء فيها.
صباح الخير
خربشات
١ آيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٤٧: ازدهار الأسواق

بدت أسواق نابلس أمس مزدهرة، علما بأن رواتب الموظفين لم تصرف بعد.
كان خان التجار في البلدة القديمة، في الثانية عشرة ظهرا، يغص بالمواطنين، ويبدو أنهم يريدون شراء الملابس التي يحتاجون إليها قبل أن "ينزنقوا" بالوقت، وفي هذا الوقت كان شارع النصر غير مكتظ، بخلاف ما صار إليه في السادسة.
سألت بائع الحلويات إن كان يبيع أوقية من الفطير ، فأجاب:
- لم لا؟
واستفسرت عن نوع معين من الحلويات هو "بين نارين" افتقدته هذا العام، فأوضح لي إنهم لم يتشجعوا لبيعه في رمضان هذا، ومثله الفطير بالجبنة.
في شارع النصر، في الطريق إلى الشقة ألتقي بالدكتور خالد المصري ونسير معا باتجاه البوابة الغربية، فمدرسة ابن الهيثم - النجاح القديمة، ويشغلنا الحديث عن داء السكري والكبر والأعراض المترتبة على ارتفاعه، وينصحني بأن أنتبه . الكورونا قد تنتهي باللقاح، ولكن السكري لا لقاح له ، فهو الدائم . كم هو مرعب!
في ساعات الظهيرة أواصل قراءة رواية سليم بركات "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟"، فأتذكر صباي.
هل كان سليم بركات المولود في ١٩٥١ يكتب عن عائلته وصباه ومكان نشأته؟
كان والد كيهات، وهم أكراد، يرسله ليشتري اللحمة وأغراض البيت، وعوضا عن شراء كيلو لحمة كاملا كان يشتري ٩٠٠ غرام ليوفر قليلا من النقود فيشتري بها التبغ، والسيدة راحيل اليهودية تتواطأ معه، ولكنها تزن له الكيلو كاملا، حتى لا يكتشف أبوه أمره.
عندما كانت أمي ترسلني إلى المدينة لأشتري لها الدجاج والخضار كنت أفعل ما يفعله كيهات، لا لأشتري التبغ، ولكن لأشتري تذكرة سينما، وللسينما ودورها وأفلام الستينيات حضور لافت في أول ١٢٥ صفحة من الرواية.
وأنا عائد إلى الحي الذي أقيم فيه فكرت أن أعرج على مخيم عسكر القديم ، لأشاهد كيف تجري الحياة هناك في ساعات المساء، فأكتب عنها ، وألبي رغبة قاريء تساءل لماذا أكتب يوميا عن شارع النصر ولا أكتب عن شارع صلاح الدين أو غزة أو المخيمات، ولكن..!
في مباراة الليلة فاز فريق ريال مدريد على فريق اوساسونا، والدوري الإسباني ولع حقا .
يبدو روتين الحياة مملا، ولكن المرء يعتاد عليه، ويتعود على عبث الحياة السيزيفي، وهو ما اختزلته أمثالنا الشعبية "دق المي في الهون، النفخ في قربة مثقوبة، رب وزيت وزيت ورب" وما شابه.
الله المستعان به.
صباح الخير
خربشات
٢ / ٥ / ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٤٨: "أكلت حنيفة ربها زمن التقحم والمجاعة"

إن كنت تسير يوميا في شارع النصر في البلدة القديمة، من البوابة الغربية حتى البوابة الشرقية، فإنك ولا شك تشاهد آثار اجتياح القوات الإسرائيلية في ربيع العام ٢٠٠٢. لقد سويت بعض البنايات بالأرض، وأظن أن واحدة منها كانت إحدى الصبانات التاريخية، والشارع لا يخلو من صبانات أخرى بعضها أغلق وبعضها، مثل صبانة النابلسي، لم يغلق.
إحدى الصبانات المغلقة هي صبانة عاشور التي أقيمت في القرن الثامن عشر ، وعرفت فيما بعد باسم صبانة الرنتيسي.
في العام ٢٠٢٠ أخذ رجل الأعمال سليم التيتي / سليم أفندي يرممها ليحولها إلى حمام تركي ومطعم ومقهى ، وقد انتهى مؤخرا من الترميم الذي تأخر بسبب جائحة الكورونا. أمس شاهدت سليم والعمال يدخلون إلى المبنى ثلاجتين لتغدوا في الخدمة عند الافتتاح القريب.
في الشارع نفسه رمم أبو سلام الكيلاني، وهو سجين سابق وبائع خضار على عربة، مقهى يعيش، وهو مقهى تاريخي، ومقابله رمم محل ليغدو مقهى مدخله أنيق وطريف شكلا: الباب دائري من خشب الزيتون.
في الشارع نفسه بقي مقهيان يحتاجان إلى ترميم؛ البرلمان والشيخ آسم - حسب النطق النابلسي.
أمس مساء عبرت الشارع مرتين؛ في الثانية عشرة ظهرا وفي السادسة مساء. كان ظهرا خاليا من المارة إلا ما ندر ، وكان مساء يعج بالمواطنين وبكثرة البسطات.
ما الذي سيلم بسكان المدينة الذين أخذوا يتراخون بخصوص تطبيق شروط السلامة من الكورونا؟
هل سيكسرون بعض المحلات في شارع النصر إن استفحل الوباء؟
في الهند، كما نشر الصديق خليل حمد على صفحته، ومنها أعدت نشر ما نشر، أخذ الهندوس يكسرون الأصنام لأنها لم تحمهم مؤخرا من الفايروس الذي أخذ يفتك بهم، وهذا ذكرني بالفتيات الإيطاليات الجميلات اللاتي وقفن العام الماضي أمام كنيسة روما عاريات وأردن دحش الصليب في مؤخراتهن.
كان بعض العرب في الجاهلية يصنعون آلهتهم من التمر، فإن جاعوا أكلوها، وفي ذلك قال الشاعر الجاهلي:
أكلت حنيفة ربها
زمن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم
سوء العواقب والتباعه
أحنيف هلا إذ جهلت
صنعت ما صنعت خزاعة؟
نصبوه من حجر أصم
وكلفوا العرب اتباعه .
هل أغفل أبو العلاء المعري نقد الأديان؟
أمس أنفقت ساعات في قراءة قصص طه محمد علي لأكتب مقالا لموقع "رمان" ، وساعات أخرى في قراءة رواية سليم بركات "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟" ومن تعقيب الصديق Saadeh Soudah
صرت شبه متأكد أن الرواية هي سيرة روائية للكاتب نفسه ، فأنت فيها لا يمكن أن تفصل بين الكاتب والراوي وشخصية كيهات الكردي. كتب سعادة إنه عرف سليم بركات في قبرص وكان سليم يشاهد السينما أكثر مما كان يقرأ الكتب.
أعتقد أن سليم بركات في روايته يغازل اليهود، وأعتقد أنه كان عرفهم قي القامشلي وقام بدور "كافر سبت" للسيدة راحيل ، فقد عشق كيهات / سليم ابنتها، ومن الحب ما قتل. الرأي عموما بحاجة إلى تعمق فيه وتأمل .
وأنا أكتب عدت بذاكرتي إلى ٢٠ / ١٠ / ١٩٨٩ ومكتبة جامعة (بامبرغ) و (نينا) وسطر محمود درويش "والذي يعرف ريتا ، ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية".
لم أشاهد مباراة برشلونة وفالنسيا جيدا وقد انتهت بفوز برشلونة، والدوري الإسباني ولع، وأمس انطبق على كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي مثلنا الشعبي "الدهن في العتاقي" فقد لعبا وسجلا الأهداف.
صباح الخير
خربشات
٣ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٤٩: قد أقبلوا فلا مساومة، المجد للمقاومة

أمس صحونا في فلسطين على أخبار أول أمس. ثمة عملية عسكرية فدائية على أحد الحواجز تمثلت في إطلاق فلسطيني النار على مستو...طنين، والنتيجة ثلاثة جرحى جراح أحدهم في الرأس وحالته خطيرة، والاسراىليون يغلقون الطرق ويشددون على التنقل بين المدن.
الشريط الذي عمم كان شريطا تحدث فيه الرئيس أبو مازن وتساءل عن المقاومة الشعبية السلمية:
- أين هي المقاومة السلمية؟
فجاءت المقاومة عسكرية ، ومنذ أسبوع والأوضاع في القدس متوترة، وكانت أشرطة الفيديو تركز على هذا.
في أحد الأشرطة أمام باب العمود يخاطب جندي اسرائيلي المنتفضين، يطلب منهم هدنة لمدة عشر دقائق، ويعلمهم أن الجنود سينسحبون فلينسحبوا هم بدورهم.
في شريط ثان يحمل طفل فلسطيني لعبة بلاستيكية على شكل بندقية ويصوبها نحو جنود إسرائيليين، ما يدفع بأحدهم إلى مخاطبة والد الطفل مستغربا سلوك الطفل، وأنا أتذكر سطرا شعريا للشاعر راشد حسين:
"صدقوني المولود في ظل القنابل سوف يضحي قنبلة"
والسطر من إحدى قصائد الشاعر عن القدس بعد احتلالها في العام ١٩٦٧ .
وأنا أذرع في السادسة مساء شارع النصر ، من البوابة الغربية باتجاه البوابة الشرقية ، لاحظت أن ثمة هدوءا وقلة في الحركة، وعندما استفسرت عن السبب رجح ابن أخي أنه قد يعود إلى شعور الناس بالملل، ولم نفطن معا إلى الإغلاق الأمني المفروض على نابلس منذ مساء أول أمس - أي منذ الحادث.
هل سيلبي المواطنون ما طلبه منهم رئيسهم؟
طلب مقاومة شعبية سلمية، فقاوم مواطن الاحتلال مقاومة بالسلاح.
البسطات في شارع النصر على حالها والإقبال عليها أقل ، والموت يحصد؛ موت شاب موتا فجائيا أحزن أهل المدينة وشغل وسائل التواصل الاجتماعي، وموت أخوين من قرية عراق التايه بحادث سير ذاتي، وعيد الفطر على الأبواب.
و... و... و
"يهوى الشهيد وفي عينيه حيرتنا
هل مات بالنار أم أودى به الشجن؟"
يقول الشاعر مريد البرغوثي الذي رحل في شباط الماضي في قصيدته الشهيرة "طال الشتات" التي كتبها عقب حرب بيروت في ١٩٨٢.
الأحوال تبعث على الضجر وتولد الملل والناس تعيش على الانتظار، فرواتب شهر نيسان لم تصرف بعد.
أمس عقب الصديق Ghattas Nazih
Ghattas Sweis
على خربشة أمس بالآتي:
"سمك لبن تمر هندي، ولكننا ننتظر خربشات الاسطى" وأمس مساء، وأنا في شارع النصر، حياني أحد الأصدقاء وقال لي:
- ننتظر خربشاتك.
وأنا أجبت:
- ولهذا السبب أنا أذرع الشارع.
حياتنا ملأى بالانكسارات والموت، ولكننا كما قال شاعرنا محمود درويش "سأواصل مجرى النشيد، ولو أن وردي أقل".
صباح الخير
خربشات
٤ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٥٠: الفلسطينيون في ورطة

شريط الفيديو اللافت أمس كان نقلا عن فضائية إسرائيلية، وكان يتعلق بعملية المقاومة على حاجز زعترة.
الخبر يقول إن الأمن الفلسطيني أبلغ الاسرائيليين عن العثور على سيارة المقاومين.
وأنا ترحمت على أبو علي إياد القائد الفتحاوي الذي استشهد في أحراش جرش في العام ١٩٧١، فلماذا وضع الفلسطينيون أنفسهم في مأزق بتوقيعهم اتفاق أوسلو في العام ١٩٩٣؟
هل صرنا حرس حدود للدولة العبرية التي لم تعطنا شيئا؟ هل صرنا شرطة تخدم في المؤسسة الإسرائيلية؟
ربما أنا في هذا الصباح ذو مزاج سوداوي بسبب خراب جهاز الهاتف الثاني الذي ما إن حاولت إعادة تشغيله حتى وجدتني أحكي مكالمة طواريء عن غير قصد، ووجدت الموظف يشتمني ويهددني بأن يشكوني إلى المدعي العام ، وأنا اعتذرت له عن الاتصال غير المقصود، ولو كنت فعلت ما فعلت عن قصد مسبق وعن اقتناع، لدافعت عما قمت به ولكررت عنوان قصيدة محمود درويش التي حملت عنوان مجموعته "لا تعتذر عما فعلت"، ولكني لم أفعل شيئا، والمهم أن الهاتف علق أو تلف أو، وعندما جربت أن اتصل برقمه من هاتف ثان لم يرد ولم تعلمني الاتصالات بأن الهاتف مغلق أو مشغول أو أن الرقم خارج الخدمة. لعل الجهاز أصيب بكورونا حادة عنيفة وأسلم الروح. لعله، وأما أنا فكررت المثل الشعبي "يا مسترخص اللحم عند المرق تندم"، ويوم اشتريت الجهاز لم أسخ . لقد اشتريته ضربا من الاحتياط ليس أكثر، ولأستعن به في حالات الضرورة.
المزاج، وأنا أكتب، معكر، والذهن غير صاف.
أمس تسلمت نسختين من طبعة جديدة لرواية جمال الحسيني " على سكة الحجاز "، وكنت كتبت للطبعة مقدمة ودققتها لغويا، حتى لا تصدر حافلة بالأخطاء ، كما هو حال طبعة العام ٢٠٠٠ تقريبا التي صدرت عن وزارة الثقافة.
ومرة أخرى أعود إلى المرق والشوربة والعظم. فنسخة من نسختي رواية الحسيني كانت بعض صفحاتها بيضا، وأنا محظوظ بهذا، فغالبا ما أجد العظم في الشوربة.
حظ الفلسطينيين معتر، وحظي من حظهم أيضا.
لم ننجز دولة. لم نعد اللاجئين. لم تتحسن شروط حياتنا و... والحصار هنا في الضفة والحصار هناك في غزة والحصار هناك في مخيمات لبنان و"تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي".
صبح الصباح صبح يا عليم
بس المزاج مش رايق ولا مرتاح، والانجليز الليلة المنصرمة في كرة القدم هزموا الفرنسيين.
صباح الخير
خربشات
٥ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٥١: عيوننا إليك ترحل كل يوم "إلى القدس"

أمس، وأنا في شارع فيصل؛ الشارع الرئيس في نابلس، تذكرت اقتراحا أبديته إلى الحاج عدلي يعيش، يوم كان رئيس بلدية ، وكنا التقينا في مبنى النقابات بمناسبة عزاء. الاقتراح تعلق بحل أزمة السير المستفحلة في المدينة . والاقتراح هو أنه لا بد من هدم مبان في وسط شارع فيصل. يومها لم تكن أكثر المباني المقامة حاليا قائمة.
ابتسم الحاج ابتسامة ترى في الاقتراح خيالا ، فمن أنا حتى أقدم حلولا هندسية، وبيني وبين الهندسة مساحات أوسع من المساحة التي تفصل قارة أفريقية عن أميركا.
كان الجو أمس حارا، وفي الشقة أشعلت التلفاز لأشاهد الفضائية الفلسطينية . كان صوت فيروز يلعلع:
- عيوننا إليك ترحل كل يوم، يا قدس.
ورحلت عيناي إلى القدس ويافا وحيفا وعكا، وإلى هذه المدن رحلت عيون اللاجئين الفلسطينيين وما زالت ترحل.
وأمس واصلت قراءة رواية سليم بركات ، لأرى إلى أين يسير هذا الكردي السوري الذي كان صديقا لمحمود درويش، وكان ذا حظوة لديه، فخصه بقصيدة شعرية.
هل فوجئت حين قرأت ربطه بين حياة يهود سوريا وأكراد سورية؟
هل تساءلت إن كان أبدى هذا الرأي من قبل؟
شارع النصر أمس في السادسة مساء كان على حاله في أيام رمضان.
وأنا أقف أمام دكان أخي أوحى لي جار له ايحاءات لافتة. الشخص يحمل عصا مسطحة يمسكها من الوسط ويدخلها في ظهره. (لقد فتشوا بيتك في غيابك ونظروا خلف الخزانة والمكتبة باحثين إن كنت تخبيء شيئا). سيمياء. سيمياء وسيماهم في وجوههم من أثر السجود والخيانة.
أمس صباحا قرأت قصة طه محمد علي ابن صفورية ، وهو شاعر بالدرجة الأولى، "يسلموا دياتك يا بو مصطفى"، ودياتك يا مصطفى ، وتمنيت أن يفوز ريال مدريد على تشلسي ، لما فعله الانتداب البريطاني بالفلسطينيين منذ وعد بلفور . والقصة تأتي على دور الإنجليز في تحويل الفلسطينيين إلى موظفين لتبعدهم عن الأرض حتى يبيعوها للحركة الصهيونية، وتخرب على أبو مصطفى مهنته؛ مهنة النجارة التي اشتهر بها الصفوريون، حين تستورد البضاعة من إنجلترا.
ولكن يبدو أنني مثل المرحوم ياسر عرفات ، لا أقف مع جهة حتى تنهزم وينهزم معها، فقد لعب تشلسي أفضل واستحق الفوز بجدارة.
هزمنا الإنجليز ما بين ١٩١٧ و١٩٤٨، وهزموا الليلة تعاطفنا مع الريال. لقد هزمونا مرتين.
صباح الخير
خربشات
٦ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٥٢: "قهوة شاي عسيس بارد عسيس مثلج"

أعادتني رواية سليم بركات "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟" في أثناء كتابة مؤلفها عن دور السينما، في مدينة القامشلي ، في ستينيات القرن العشرين، أعادتني إلى دور السينما في مدينة نابلس في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين ، وما أعادني أيضا إلى تلك الدور هو مشيي مساء في شارع النصر.
في دور السينما في نابلس كنا نصغي إلى صاحب المقصف، في فترة الاستراحة، قبل عرض الفيلم أو بعد مشاهد الدعاية للأفلام القادمة، ينادي "قهوة شاي عسيس بارد عسيس مثلج"، ويبدو أن هذا النداء لم تعرفه دور السينما السورية أو أنه غاب عن ذهن بركات.
وأنت تسير في شارع النصر في السادسة مساء تتذكر نداء البائع، لا على المشروبات المذكورة ، وإنما على أنواع العصائر وأنواع الحلوى والمخللات والمقالي من فلافل وكبة.
أمس في السادسة مساء كانت الحياة في الشارع تسير سيرا طبيعيا جدا غير متأثرة بخبر إلقاء القوات الإسرائيلية القبض على منفذ عملية حاجز زعترة وقرارها بهدم بيته في ترمسعية ، أو بخبر قتل الفتى الفلسطيني من قرية أودلا ، أو بأخبار ما يجري في حي الشيخ جراح .
وأمس في الثانية عشرة ظهرا كنت أتابع السيدات الفقيرات يسألن عن دجاجات المحسنين وكيلو من اللحم. يسألن باستمرار وأنا أصر على أن حل مأساة هؤلاء النسوة الفقيرات، أو مدعيات الفقر ، إنما يجب أن يكون مسؤوليه السلطة ووزارة الشؤون الاجتماعية ، لا صدقات المحسنين ولا ما تقدمه التكايا. ويبدو أن السؤال يصبح عادة لا يكترث صاحبه لبذل ماء وجهه الذي قال فيه أبو العتاهية الشاعر العباسي:
"أتدري أي ذل في السؤال
وفي بذل الوجوه إلى الرجال"؟!.
وبعض الناس لا ماء في وجوههم يبذلونه أو لعلها الحاجة أو العادة، فكم من رواية تروى عن المتسولين والشحادين ومقدار ما لديهم من أموال!؟
كتبت إن الفلسطينيين في ورطة ، وحقا إننا في ورطة حقيقية، فالاحتلال يقضم الأراضي مثل القرد الذي احتكمت إليه هرتان في أمر قرص الجبنة وتقسيمه، وتلك حكاية تعلمناها. المقاومة السلمية لا تجدي والمقاومة العسكرية محكومة بنهاية صادمة، فسرعان ما يتم القبض على منفذيها.
لا مقاومة أبو مازن التي دعا إليها - وما زال يدعو - تأتي بنتيجة ولا العمليات العسكرية المحدوده تأتي بنتيجة مؤثرة ، فما إن تنجز حتى يقبض على منفذها ، فيشعر المواطنون، بعد أمل، باللاجدوى. ومحمد ضيف يهدد الدولة العبرية برد مزلزل إن ... وهذه ال "إن" تبعث على السخرية حقا، ففلسطين كلها ضاعت ولم يبق شيء لم يتماد الاسرائيليون فيه.
سيكون الرد مزلزلا إن... ونحن نواصل حياتنا ونشتري العصائر والمخللات والفلافل والكبة والحلوى ونقرأ عن السيدة اليهودية راحيل واختفاء يهود القامشلي منها و...
"عوامة أصابع زينب فطير بين نارين وكنافة على الفحم ورمضان كريم " و"فلفل نعنع بقدونس جرجير فجل" وخبز بحبة بركة.
صباح الخير
خريشات
٧ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٥٣: الجمعة الحزينة والدم المراق و"كل ده كان ليه"

أمس الجمعة كان يوم الجمعة الأخير من رمضان، وغالبا ما يكون مقدسا يتوقع المسلمون أن تنزل فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فقد تنزل الملائكة والروح فيها (وحين أعبث أتذكر ليلة القدر في العام ١٩٨٨ في بامبرغ).
في يوم الجمعة الأخير تجد الفلسطينيين يشدون الرحال إلى المسجد الأقصى ليتعبدوا، لعل الله سبحانه وتعالى يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، فيدخلوا الجنة آمنين وادعين مطمئنين. "ويا عبادي لا تقنطوا من رحمتي".
- هل سيدخلون الجنة؟
عسى ولعل، وعسى ولعل يتحقق لهم ما ينشدون، حتى لو كان الواحد منهم " فعل السبعة وذمتها"، وليس الأمر بمستبعد! فالقصص الديني المتناقل يحفل بما يعزز ما سبق. ألم يدخل الله في القصص هذه من قتل ٩٩ شخصا الجنة، بقتله الشخص ١٠٠، لأن الأخير شر وبيل.
أمس انتقل إلى رحمته تعالى صديق لي قديم عرفته منذ أيام الصفوف الإعدادية واستمرت صحبتنا عقودا، ولكننا في السنوات العشر الأخيرة نادرا ما التقينا، وإن التقينا مرحبنا بعضنا كأننا شخصان ما كانا يوما صديقين مقربين، وتلك هي الدنيا.
"الأسعار بيد التجار والأعمار بيد الله" يقول الناس، وكان الخبر الصاعق أمس هو استشهاد شابين وإصابة ثالث بجراح خطيرة على حاجز سالم قرب مدينة جنين. الشباب تتراوح أعمارهم ما بين السابعة عشرة والعشرين ، وهم من قرية شويكة قرب طولكرم ، أرادوا نصرة الأقصى ببنادق مصنوعة محليا، وربما أرادوا تقليد الشهيد ابن قريتهم أشرف نعالوة ، فاقتنصهم رصاص الجنود الاسرائيليين وارتقوا شهداء.
عندما يسألني شخص ما:
- إلى أين نحن ذاهبون؟
أجيبه:
- إلى جنوب أفريقيا!
وقد يرد:
- بالسلامة.
ثم يفهم قصدي.
لا أعلم بالغيب ولا أقرأ بالفنجان ولا ألعب لعبة البيضة والحجر ولا أبصر، و"لست النبي لأدعي وحيا"، والعبارة لمحمود درويش، "وأعلن أن هاويتي صعود".
نحن الآن في الهاوية. نحن في حفرة، ومنذ كتب غسان كنفاني في ستينيات ق ٢٠ روايته "ما تبقى لكم" عن خمسينيات ذلك القرن، وترك حامد الشاب الفلسطيني اللاجيء ابن الخامسة عشرة يواجه الجندي الإسرائيلي بسكين الأخير ، وشبابنا يواجهون الجنود الاسرائيليين بما تيسر من أسلحة جد متواضعة، وغالبا ما يرتقون شهداء - أعني شبابنا لا الحنود.
يقول مثلنا "إذا انجن ربعك ما بنفعك عقلك"، ويبدو أن الاسرائيليين جنوا، بل هم كذلك منذ أسسوا أول مستعمرة لهم في هذه البلاد المجنون أهلها أيضا. وهات حلها!
أمس كان يجب أن أنسى جنون الفصائل والتنظيمات والأهل والمتذاكين، فمساحة الدم كانت أكبر من تذاكي المتذاكين، وتلك حكاية أخرى.
رحم الله صديقي القديم محمود مرعي وغفر له ولأهله خالص العزاء.
- إلى أين نحن ذاهبون؟
- إلى جنوب أفريقيا.
والطريق طويل طويل، و"نحن أدرى، وقد سألنا بقدس:
- أطويل طريقنا أم يطول؟!".
وكما يقول المتنبي:
"وكثير من السؤال اشتياق
وكثير من رده تعليل".
أمس سألني ابن أخي:
- هل ولت الكورونا؟
وأنا أجبته:
ولت الكورونا وكورونا الاستيطان لم تول ولا لقاح لها.
صباح الخير
خربشات
٨ أيار ٢٠٢١.

***

- ذاكرة أمس ٥٤: "كل أفضالكم على الرأس والعين"

في الثاني من أيار مرت الذكرى الثمانون لوفاة شاعر فلسطين إبراهيم طوقان ( ١٩٠٥ - ١٩٤١ ) ، ولم يتذكرها إلا الصديق Ziad Ameireh ابن مدينة الشاعر، فذكر بها معاتبا كيف لا نتذكر شعراءنا، ومعه، في عتابه ، الحق كل الحق.
وأمس وأنا أتابع ما يجري في الأقصى وباب العامود والشيخ جراح تذكرت أبياتا قالها الشاعر في الانتداب البريطاني، ومنها:
"قد شهدنا لعهدكم بالعدالة
وختمنا لجندكم بالبسالة
وعرفنا بكم صديقا وفيا
كيف ننسى انتدابه واحتلاله
وخجلنا من لطفكم يوم قلتم
وعد بلفور نافذ لا محالة
كل أفضالكم على الرأس والعين
وليست في حاجة لدلالة
ولئن ساء حالنا فكفانا
أنكم عندنا بأحسن حالة
غير أن الطريق طالت علينا
وعليكم ، فما لنا والإطالة
أجلاء عن البلاد تريدون
فنجلو، أم محقنا والإزالة"
والاسرائيليون على بساط بلدي أو أحمدي يريدون منا الجلاء عن البلاد، ولكننا لا نريد أن نجلو ، فالشاعر الساخر أراد شيئا وقصد عكسه ، وهو ما تقوله قصائده الجادة:
"فكر بموتك في أرض نشأت بها
واحفظ لقبرك أرضا طولها باع" .
كم من أفضال لليهود علينا يقر بها عمال الأرض المحتلة والسواقون الذين حصلوا على رخص القيادة في عهد الاحتلال ، أيام كان حاييم اليهودي العربي اللبناني المتشدد في منح الرخص مسؤولا عن دائرة السير في نابلس؟!
أمس أيضا تذكرت القاص خليل السواحري ومجموعته القصصية "مقهى الباشورة" وما ورد فيها عن الاحتلال على لسان الأستاذ سعيد يخاطب صاحب المقهى "أبو بلطة":
- "الاحتلال مثل الفجل، أوله منافع وآخره مدافع".
وأخبار أمس في الإذاعات والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي كان منصبا على ما يجري في القدس وعن مدافع الاحتلال التي أخذت ترش المقدسيين مساء في باب العامود بالمياه حتى يتفرقوا. و"أبناء العمومة" "مش مصليين على موسى ولا على اي نبي" ويريدون القدس وجلاءنا عنها.
وأنا أقرأ في تعقيبات القراء والكتاب على ما كتبته أمس التفت إلى تعقيب الكاتبة المقدسية أ.نزهة الرملاوي ونصه:
" أنظر من الشرفة.. أنوار وابتهالات ورصاص وأناشيد.. عن يميني حي الشيخ جراح ومئات من الصامدين.. وأمامي الأسوار والحرم البهي وآلاف المصلين...
رحماك ربي.. زوامير مركبات تصرخ في الأماكن.. جنود يحمون الدخلاء والله حامينا.. يهمشون وجودنا ويقمعون صلاتنا.. والحرم ينادينا.. غاز يسبح في فضائنا.. وطيور تفر من سمائنا.. طلقات مطاط تخترق أجسادنا .. ومياه عادمة ترهق أنفاسنا.. وتغرق المحتفلين في الطرقات وخلف واجهات المنازل..
لك الله وهمم الأوفياء يا أميرتنا..
ليلة رمضانية مقدسية بامتياز.."
والحياة في نابلس أمس وفي شارع النصر كانت كما في الأيام السابقة، وكما في الأيام السابقة أيضا لم تخل حياتنا من اقتتال عائلي على أشياء دنيوية، فأول الأخبار في صباح أمس أتى على مقتل شاب في علار في شجار عائلي، وآخرها كان ما أرسله إلي الصديق Khaleel Adnan:
"عاااااااجل
3 شجارات عائلية مندلعة في مدينة يطا الآن يا رب يستر".
ورحم الله الشاعر عبدالله البردوني الذي قال في صنعاء:
"ماذا أحدث عن صنعاء يا أبت
مليحة عاشقاها السل والجرب"
وهاذان هما عاشقا فلسطين المليحة: الاحتلال والتخلف.
"أبانا الذي في السماوات" شو هالعيشة اللي صارت كلها نكد في نكد؟
وباء وحصار وفقر واحتلال وحواجز وأمن وقائي ، واستخبارات تمتليء بها روايةسليم بركات التي أقرأ فيها.
صباح الخير
خربشات
٩ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٥٥ : "لا بيت للكردي إلا الريح"

"ليس للكردي إلا الريح تسكنه ويسكنها.
وتدمنه ويدمنها ، لينجو من صفات الأرض والأشياء".
وأنا أتجول أمس صباحا في شوارع نابلس كنت ألاحظ أجواء الاستعداد للعيد، فلم يحل ما يجري في القدس والشيخ جراح دون مواصلة الحياة روتينها:
بسطات الشوارع بطريقة لافتة؛ بسطات الحلوى والملابس واكتظاظ الشوارع بالبشر والعربات والسيارات.
الرواتب بالأيدي والعيد على الأبواب ورمضان تولي أيامه حميدة لمن صاموا، وأما من لم يصوموا فيأملون العفو والغفران من رب رحيم غفور.
أمس كان الجو حارا وحارا جدا، وإن شاء الله يكون أجر الصائمين مضاعفا، وعلم هذا عند ربي.
وأمس وصلت الأمور بين الأطباء والحكومة نقطة الصفر، فلا تفاهمات حول مطالب الأطباء الذين قرروا مواصلة الإضراب.
وأنا أقرأ في رواية سليم بركات "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟" توقفت أمام دال "الربح" الذي تكرر في الصفحتين ٥٠٤ و ٥٠٥ تكرارا لافتا ، ما ذكرني بقصيدة محمود درويش المهداة إلى سليم بركات في ديوان "لا تعتذر عما فعلت" - وكان الشاعر Wallid Hallis ذكرني أيضا بها- وما ذكرني أيضا بتكرار هذا الدال في مطولة قديمة لمحمود درويش هي "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" ١٩٧٥.
آخر شريط فيديو وصلني كان من الدكتور Abdallah Abu Eid وفيه يعتقل جنود الاحتلال أطفالا فلسطينيين في الخامسة والسادسة من أعمارهم، ما ذكرني أيضا بمقطعين قديمين للشاعر نفسه:
"مرحى لفاتح قرية
مرحى لسفاح الطفولة"
و:
"نحن أدرى بالشياطين التي
تجعل من طفل نبيا".
تبدو أيامنا "قبض ريح" وضربا من الروتين والتذاكي إلى درجة الغباء.
لا جديد سوى أن مباراة ريال مدريد واشبيلية كانت الليلة مباراة مجنونة حقا.
الحياة كلها جنون في جنون، وحتى اللحظة لم أفهم قولا كان أبي يردده باستمرار وهو "ما لذة العيش إلا للمجانين !"
صباح الخير
خربشات
١٠ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٥٦ : "القدس عروس عروبتنا"

كانت أخبار أمس التي شغلت الفلسطينيين قاطبة، منذ ساعات الفجر حتى ساعات المساء، هي الأخبار المتعلقة بمدينة القدس، فقد غطت على ما سواها.
أنا مثلا قررت أمس أن أكتب عن رسالة وجهها الكاتب السوري الكردي هوشنك أوسي، باللغات الثلاث ؛ الكردية والعربية والعبرية، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) يعبر فيها عن تضامنه مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضيته، وربط تلك الرسالة بما قرأته في رواية الكاتب السوري الكردي سليم بركات "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟". أحب كيهات السوري الكردي لينا اليهودية وأراد أن يفصح لها ، باللغة العبرية، إنه يحبها، ولكنه لم يتمكن، فقد رحلت الأم وابنتها واختفتا، ولم يبلغ المحب رسالته.
أمس شغلتنا أخبار القدس عن أخبار الدنيا كلها ؛ عن الكورونا وعن مكان سقوط صاروخ الصين وعن أحوال الطقس وعما تبقى من رمضان وعن كعك العيد أيضا.
منذ نشرة أخبار الثامنة ظل المذيع يحكي عن حصار المصلين في الأقصى وتعرضهم لرصاص الجنود الاسرائيليين وعن دهس مستوطن شابا مقدسيا، وفي المساء عن صواريخ انطلقت من غزة فبثت الرعب في نفوس الاسرائيليين و...
أمس انتابت الفلسطينيين موجة عارمة من الغضب، فالقدس عروس عروبتنا وأبناؤها هم عرسانها، لا الحكام العرب، وأبناء القدس لم يتنافخوا شرفا لتسكت مدينتهم المستباحة صونا للعرض. لقد هبوا يدافعون عن مدينتهم، فلا يسلم الشرف الرفيع من الأذى، حتى تراق على جوانبه الدماء. وسالت دماء شباب المدينة وكادوا يخنقون من الإسرائيليين بالغاز الذي خنقهم به (ادولف هتلر). لقد تحول الأقصى إلى معسكر اعتقال وغرفة غاز.
أمس وجدتني أقرأ في رواية الأب المؤسس للصهيونية (ثيودور هرتسل) "أرض قديمة - جديدة" (١٩٠٢) عما سيلم بمدينة القدس ومقدساتها في حال أسس اليهود دولتهم، فقرأت الآتي:
"سأل فريدريك:
- وكيف حللتم قضية الأماكن المقدسة؟"
- لم يكن الأمر يتطلب حكمة فائقة، فعندما ثارت هذه القضية في القرن الماضي (١٩) - وقد اثارتها الحركة الصهيونية، ظن يهود كثيرون مثلك، يا سيدي الدكتور، بأن من المستحيل التغلب على هذه الصعوبة .... وهكذا توصلت جميع الأطراف المعنية إلى رأي يقول إن الوضع القائم هو أفضل وضع لجميع هذه الأطراف".
وتساءلت، وأنا أتابع ما يجري، إن كان أحفاد الأب المؤسس يقرأون ما كتبه.
"إن الوضع القائم هو أفضل وضع لجميع هذه الأطراف". لماذا إذن يريد أحفاد الأب المؤسس تهويد المدينة وهدم الأقصى؟
عندنا مثل يقول "بتمسكن حتى يتمكن" وهذا ما استشرفه إبراهيم طوقان حين تساءل:
"أجلاء عن البلاد تريدون
فنجلو أم محونا والإزالة؟"
ولم تكن أجواء أمس لتسمح بكتابة يختلط فيها الجد بالهزل، أو تسودها الفكاهة والمرح ، فالخوف والرعب الذي ألم بالاسرائيليين جراء إطلاق الصواريخ من غزة جعلنا نشعر بالقلق أيضا على ما سيلم بتلك المدينة التي أنهكها الحصار بعد حرب فصائلية وثلاثة حروب شنتها الدولة الإسرائيلية و... .
يبدو أن عيد غزة سيكون دمويا والله هو المستعان به!!
العبارة التي خاطب بها هوشني اوسك (نتنياهو) هي الشتيمة التي تفوه بها الرئيس الفلسطيني أبو مازن لمن طلب منه أن يبرق للحزب الشيوعي الصيني بمناسبة تأسيسه، ورحم الله الشاعر المصري نجيب سرور "ك... س.. أمياتنا كلنا، الأحياء منهن والأموات".
صباح الخير يا قدس وصباح الخير يا غزة!
خربشات
١١ / ٥ / ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٥٧ : "صمت من أجل غزة"

كانت الأعين كلها أمس تتطلع نحو غزة، دون أن تغض الطرف عما يجري في الوطن كله؛ فلسطين التاريخية كلها من رفح حتى رأس الناقورة.
انفجرت الأوضاع في اللد والرملة إثر تعاطف سكانها مع ما يجري في القدس، ما أسفر عن استشهاد الشاب موسى حسونة من اللد برصاص اسرائيلي. في ساعات المساء، على حاجز زعترة، قتل خمسة عشر جنديا اسرائيليا الشاب أحمد عبد الفتاح دراغمة وأصابوا صديقه.
قصفت الطائرات الإسرائيلية غزة فقتلت وجرحت مواطنين، وسوت عمارات / أبراجا بالأرض، وغزة موعودة منذ حرب ٢٠٠٨ / ٢٠٠٩ بحروب متعاقبة، فما إن تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى، وهنا نتذكر عنوان مسرحية إسرائيلية كتب عنها محمود درويش في كتابه "يوميات الحزن العادي" ١٩٧٣ وعنوانها "أنا وأنت والحرب القادمة"، وفي كتابه نفسه كتب مقطوعة صرنا نستحضرها باستمرار، كما لو أنه كتبها للتو "صمت من أجل غزة" ومنها:
" ونظلم غزة حين نحولها إلى أسطورة، لأننا سنكرهها حين نكتشف أنها ليست أكثر من مدينة فقيرة صغيرة تقاوم. وحين نتساءل: ما الذي جعلها أسطورة؟ سنحطم كل مرايانا ونبكي لو كانت فينا كرامة، أو نلعنها لو رفضنا أن نثور على أنفسنا".
كان منظر الطفل الجميل ، في جنازة أبيه، المحمول على الأكتاف يفتت الأكباد. كان الطفل يبكي ويصرخ "الله يسهل عليك يابا!". كان الطفل يبكي ولم تنته الحرب التي يبدو أنها بدأت ، ولا أحد مسرور لها إلا من كان بعيدا عنها.
وأنت تقرأ ما يكتب عن الحرب، وأنت تتابع أخبارها، تتساءل عن جدوى الكتابة، وربما تكرر عبارات (برتولد بريخت) التي تحضر كلما وقعت الحرب:
" على الحائط كتابة بالطباشير:
- هم يريدون الحرب.
والذي كتبها خر صريعا".
والاسرائيليون يريدون الحرب منذ استوطنوا هذه البلاد، ونحن نكتب على الحائط ونخر صرعى.
العيد سيكون يومه الأول يوم الخميس، ولسوف نكرر بيت المتنبي الذي نكرره، منذ عقود، كلما وقعت حرب أو ارتكبت مجزرة:
"عيد بأي حال عدت يا عيد
لأمر مضى أم لعهد فيه تجديد"؟.
هل أخطأ آباؤنا وأجدادنا الذين طردوا من أرضهم في عام النكبة، حين قالوا عبارتهم التي ظلوا يكررونها:
"عيدنا يوم عودتنا"؟
نحن في أيار، شهر النكبة والخروج الكبير من يافا وحيفا وبقية المدن والقرى الفلسطينية ؛ أيار الذي لا ينتهي لا ينتهي لا ينتهي، إلا حين تنتهي الدولة العبرية ويعود اللاجئون الفلسطينيون من منافيهم.
يا إلهي! أي عيد هذا العيد هو؟ وما أشبه اليوم بالبارحة ، ففي أيلول ١٩٨٢ حل العيد بعد ارتكاب مجزرة شاتيلا وصبرا و"طول عمرك يا زبيبة ...".
صباح الخير يا قدس!
صباح الخير يا غزة، إن كان ثمة خير!
١٢ أيار ٢٠٢١ .

***

- ذاكرة أمس ٥٨: "يوميات غزة: مقاومة دائمة" ومعين بسيسو

كلما تجددت الحرب على غزة تذكرت معين بسيسو وكتاباته عنها.
توفي معين في العام ١٩٨٤ وكتب عن غزة في أشعاره وفي كتبه النثرية، وخصها بأحد عناوين كتبه: "في المعركة: يوميات غزة، مقاومة دائمة".
كتب معين عن مدينته التي تعرضت للاحتلال في العام ١٩٥٦ فقاومت، وفي العام ١٩٦٧ فقاومت، وتوفي دون أن يشهد تحررها بالكامل كأول مدينة فلسطينية، ودون أن يشهد حروبها الأهلية العابرة أو حروبها الدموية في الأعوام ٢٠٠٨ / ٢٠٠٩ و٢٠١٢ و ٢٠١٤ و ٢٠٢١، ولو امتد به العمر لاستقر فيها وواصل كتابة يومياتها.
من المؤكد أن قصة "شمشون ودليلة" التي وظفها في غير كتاب، من المؤكد أنها ستظل تحضر، وسيظل تغنيه بدليلة الفلسطينية يحضر، وسبحضر معه سخريته من شمشون، وقد يرى في تل أبيب المعبد الذي هده شمشون عليه وعلى أعدائه. سيرى في أهل غزة "الفلسطن" الأوائل الذين ربطوا شمشون بالطاحونة ليديرها كما يديرها البغل.
وكلما دق الكوز في الجرة تذكرت الفلسطن ودليلة وشمشون والعهد القديم، ولا أحد يبقى.
ماذا كان معين بسيسو سيكتب وهو يقرأ عنوان صحيفة إسرائيلية "الدولة تحترق"، أو وهو يراها تفقد رشدها فتدمر أبراج غزة على من بقي فيها؟
عاش معين تجربة مشابهة لما يجري الآن في غزة، حين كان في صيف ١٩٨٢ في بيروت، فكتب "٨٨ يوما خلف متاريس بيروت" وفي ذلك الصيف جنت الدولة العبرية، فدمرت المباني على من فيها، ثم سهلت الأمر لعصابات الكتائب لارتكاب مجزرة شاتيلا وصبرا، وكنا يومها على أبواب عيد.
منذ أقيمت الدولة العبرية على أرض فلسطين والنكبة الفلسطينية مستمرة، ونكبة غزة مضاعفة، وبعد غد تصادف الذكرى الثالثة والسبعون للخروج الكبير والعيش في المنافي أو البقاء غرباء في الوطن.
أمس وأنا في الحافلة اخذ السائق، بحماس منقطع النظير، يعظ وينظر ويؤشر ويشبر، شاتما عجز العرب وعجزنا، طالبا سماع رأيي، وأنا كنت أصغي، وفجأة وجدتني أقترح عليه أن يسير إلى حوارة، حيث يوجد هناك إسرائيليون لنشتبك معهم.
السائق واصل سيره إلى المدينة ولم يطعني لنفتح جبهة، فنخفف الضغط على غزة.
وسائل التواصل الاجتماعي منذ بدأ اقتحام الأقصى وحوصر حي الشيخ جراح وبدأت الحرب، وسائل التواصل الاجتماعي تخوض حربا كلامية.
عندنا مثل يقول "اللي بوكل العصي مش مثل اللي بعدها".
غزة تحترق وتل أبيب ستحترق أيضا ، وماذا لو ضل صاروخ طريقه وأصاب مفاعل (ديمونة) النووي؟
من المؤكد أن شمشون سيكون هد المعبد عليه وعلى أعدائه، ولو كانت الدولة العبرية عاقلة لحلت القضية في العام ١٩٩٨ بانسحاب كامل من الضفة الغربية وقطاع غزة وأعادت مائة ألف لاجيء فلسطيني إلى يافا وحيفا واللد والرملة، ولكن :
"الذي يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه ، إذا الميزان ما؟"
ولربما كنا الآن نشاهد مباراة كرة قدم بين ريال مدريد الإسرائيلي وبرشلونة الفلسطيني.
قبل أن تبدأ الحرب استعرت من معين بسيسو عبارته:
" قد أقبلوا فلا مساومة / المجد للمقاومة"،
ولقد أقبل الاسرائيليون إلى الأقصى والشيخ جراح، وهم يريدون الكعكة كلها، وهذه هي المشكلة، وليست المشكلة في صواريخ حماس والجهاد، ولا أصابع إيران وحزب الله.
صباح الخير وكل عام وأنتم... ولو من باب رفع العتب!
صباح الخير
خربشات
١٣ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٥٩ : دم غزة المعلب

مر اليوم الأول من أيام عيد الفطر بلا بهجة وبلا فرح، فالنفس غير راغبة والأنظار تتجه صوب غزة ومدن فلسطين التاريخية وما يجري فيها.
استيبحت فلسطين بالطائرات والصواريخ والاقتحامات والشرطة والعصي والكلاب، وارتقى الشهداء وازدادوا عددا وازداد عدد الجرحى، وتحولت عمارات وابراح سكنية إلى ركام، بعد أن سويت بالأرض، وكثر اللاجئون والمشردون، بعد أن فقدوا المأوى.
من منشورات إحدى طالباتي في الجامعة شاهدت صور بعض ما يجري في اللد وعكا القديمة وحيفا، ومن الصور التي أدرجها بعض الأصدقاء، ومن بعض محطات البث، تابعت إطلاق الصواريخ وتدمير البنايات وهجرة الغزيين الثالثة أو الرابعة أو الخامسة؛ الهجرة التي لا تنتهي لا تنتهي لا تنتهي. يا إلاهي إنها هجرة أحفاد هاجر، ولهم من اسم جدتهم نصيب.
بدا المزاج الشعبي العام مع الرد ، فإسرائيل تمادت وما زالت تتمادى ، وهي تصر على شعارها "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض". نعم إنها تصر على هذا، على الرغم من أنها لم تهنأ باستقرار منذ رفعت الشعار وصدقته.
أعود بذاكرتي إلى غزة وما تعرضت له منذ النكبة. أعود إلى فترة أسبق مما ذكرته في ذاكرة أمس عن معين بسيسو وكتابته يوميات المدينة.
بعد النكبة أرادت إسرائيل تسميم مياه القطاع، وبعد النكبة كتب غسان كنفاني "ثلاث أوراق من فلسطين" وبينها ورقة من غزة، وفي إحدى الحروب السابقة تذكرتها فكتبت عنها. الغارات الإسرائيلية وبتر رجل الطفلة، وصار البتر والقتل بالآلاف.
أمس أدرجت على صفحتي حوارا قديما مع غسان كنفاني؛ حوارا يعود إلى العام ١٩٧٠ يأتي فيه على جدوى المقاومة. يسأله الصحفي الغربي عن جدوى المقاومة، فيجيب غسان بعبارات تنطق بها المقاومة الإسلامية في هذه الأيام، ما جعلني أتساءل عن السبب الذي دفع بحماس إلى إسقاط اسم غسان عن المدرسة التي حملت، في قطاع غزة، اسمه.
أمس تذكرت أسطرا شعرية لمحمود درويش عن الحزن الذي لا ينتهي في سنة لا تنتهي. إنه الحزن الفلسطيني ولغزة منه نصيب كبير.
نحن على أبواب ذكرى النكبة، والنكبة لا ذكرى لها، فهي كما يرى Khoury Elias نكبة مستمرة.
قطعت غزة أشجار البرتقال، حين ضاقت عليها الأرض بما رحبت، لتبني غرفا جديدة للعرسان، وفي لحظات صار العرسان بلا بيوت. صاروا مكشوفين كما صار أهلنا في عام الخروج الكبير.
هل تذكرون أسطر محمود درويش:
"وغزة لا تبيع البرتقال،
لأنه دمها المعلب"؟.
صباح الخير
خربشات
١٤ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٦٠: والد الشهيد وأحفاد "العرب الصالحون"

ودع أحد سكان غزة ولديه شهيدين، مباركا لهما ارتقاءهما إلى السماء، فتذكرت ما كتبه محمود درويش في "حالة حصار" (٢٠٠٣) في الموضوع، في انتفاضة الأقصى:
"الشهيد يحذرني: لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا:
كيف بدلت أدوارنا، يا بني،
وسرت أمامي؟
أنا أولا
وأنا أولا"
وكم من أب سار في جنازة ابنه ، لاستشهاده ، وكان الأصل، لو كان موت الفلسطينيين طبيعيا، أن يسير الابن في جنازة الأب؟
"- أيها الفلسطينيون ! احذروا الموت الطبيعي!" والتبس قائل العبارة في ذهني: أهو يوسف إدريس أم غسان كنفاني؟
ويبدو أن فلسطينيي فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ ملوا من الموت الطبيعي ، فأخذوا بالنصيحة، وأسهموا بدورهم في الأحداث.
لطالما ليم الفلسطينيون الباقون ، بسبب وقوفهم على الحياد، وفي العقود الثلاثة الأخيرة صاروا ينعتون من كثيرين ب "عرب إسرائيل"، كما لو أنهم ليسوا فلسطينيين، بخاصة بعد أن حيد قسم منهم أنفسهم باعتبارهم "لهم وضع مختلف"، وبعد أن حيدتهم السلطة الفلسطينية حين ركزت على حل الدولة الفلسطينية المستقلة في المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧، والكلام في هذا الأمر يطول.
انتفضت اللد وحيفا وعكا وقرى فلسطينية كثيرة وصارت بيوت الفلسطينيين في المدن المذكورة تعلم بالأحمر، ما ذكر أصحابها بالهولوكست وما فعله (ادولف هتلر) باليهود حين صعدت النازية إلى الحكم. ولم يميز المستوطنون والمتطرفون بين العرب، فكلهم عرب؛ المسلم والمسيحي والدرزي والبدوي و.. ، ما ذكرني شخصيا بسؤال الهوية في قصيدة محمود درويش الشهيرة في ستينيات القرن العشرين:
" سجل أنا عربي!"
منذ أصدر الكاتب الإسرائيلي الشيوعي ( هلل كوهين ) كتابه "العرب الصالحون" عن الفلسطينيين الباقين في أرضهم، وعن حياتهم بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ ، مركزا على المتعاونين منهم، لا على المقاومين، ومنذ انحسار قوة الشيوعيين الذين أسهموا في قيادة النضال الفلسطيني ضد الصهيونية ، راج عنوان كتاب (هلل) لنعت الفلسطينيين هناك، لدرجة كاد كثيرون منا ينسون قصائد توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين المعتزة بالهوية الفلسطينية.
منذ بداية حصار الأقصى وأحداث الشيخ جراح وحرب غزة انتفض أحفاد "العرب الصالحون" فصاروا مثل حصان طروادة، ولطالما راهنا عليهم على أنهم كذلك - أي "حصان طروادة"، فلولا بقاؤهم في أرضهم لصارت فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ ، على رأي إميل حبيبي، أندلسا ثانية.
أمس صار الفلسطينيون كلا واحدا واستشهد عشرة فلسطينيين في مدن الضفة.
لا طعم للعيد ، ولا عيد في العيد ، على الرغم من احتفال بعض أطفال غزة به فوق أنقاض الأبراج المهدمة المدمرة . هل تذكرون قصيدة فدوى طوقان "مع لاجئة في العيد"؟، وصرنا كلنا في العيد مثل تلك اللاجئة.
هل أقول إن الحق كل الحق على "أبو يائير"؟ وأنه ما زبطها، تماما كما لم يزبطها (ديفيد بن غوريون) و(ليفي اشكول) والفلسطينية (جولدا مائير ) التي تراجعت عن فلسطينيتها وتساءلت:
- أين هو الشعب الفلسطيني؟ لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني!
هي التي اعترفت مرة بأنها قبل العام ١٩٤٨ كانت تملك جواز سفر فلسطينيا. (هل تذكرون رواية "العشيق الفلسطيني لجولدا مائير"؟)
لطالما كتبت إننا سائرون إلى جنوب أفريقيا!
نحن في ذكرى النكبة الثالثة والسبعين، وأمس.. نعم أمس ، قبل الذكرى بيوم شاهدنا أفواج اللاجئين والعرب يعودون يجتازون الحدود ولو لبضعة أمتار.
صباح الخير
خربشات
١٥ أيار ٢٠٢١

***

- ذاكرة أمس ٦١: طهارة السلاح والحرب النظيفة

أمس كان اليوم الثالث من أيام عيد الفطر السعيد، ولم يكن سعيدا.
كانت صور الأطفال الذين استشهدوا ، والذين استشهد أهاليهم ونجوا هم، والذين فقدوا بيوتهم وألعابهم، كانت صورهم تطغى على شاشات التلفزيون وصفحات التواصل الاجتماعي وأشرطة الفيديو المتداولة .
أمس صباحا لم أقو على كبح جماح الكتابة وتأجيلها إلى موعدها المحدد، فكتبت تحت عنوان "الطفل الوحيد الناجي" من عائلة قتلت بالكامل، وقد ذكرني برواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" ونكبة ١٩٤٨ والخروج الكبير من المدينة ورعب الأهل الهاربين الذين حملوا وسادة بدل أن يحملوا طفلهم الرضيع ، كما ذكرني بقصيدة (هنريك ابسن) " تيريه فيجن".
نسيت صفية طفلها خلدون وربته عائلة يهودية، فصار اسمه دوف ، والتحق بالجيش الإسرائيلي.
هذه المرة سيربي الفلسطينيون الطفل الوحيد الناجي وسيحافظون على اسمه، وبالصور سيرونه كيف أبيدت عائلته، فكيف سيتصرف حين يكبر؟
هل سيسامح (نتنياهو) إن امتد العمر بالأخير وعاش مائة عام كما عاش أبوه ، أم أنه - أي الطفل الناجي - سيثأر من قاتل أبيه؟
لا أجواء عيد هذا العام ، فحين خرجت في الخامسة مساء أتجول في الحي كانت الشوارع خالية.
في المساء تابعت خطاب السيد اسماعيل هنية من الدوحة / قطر، وفي البداية التبس الأمر علي إذ ظننته يخطب في إحدى ساحات غزة معلنا انتهاء المعارك، وظننت أن الجماهير التي تهتف للتحرير هي جماهير غزة معبرة عن فرحها، غير مكترثة للدمار ، وأنها تبدي استعدادها لمواصلة الحرب، وأنها طربت للخطاب الذي أعلن أن المقاومة لن تتنازل عن "صفد" وغيرها من مدن فلسطين التاريخية (اسمع يا أبو مازن! أنت ابن صفد تنازلت عنها ، وأنا لن أفرط فيها).
وأمس كاد يتشكل عندي رأي أن هذه الحرب حرب تنم عن مستوى عال من الأخلاق؛ فالضابط الإسرائيلي يتصل بصاحب برج الجلاء ويمنحه مدة عشر دقائق لإخلائه من السكان ومن الصحفيين، حتى تتم تسويته بالأرض، ورئيس أركان حركة المقاومة الإسلامية يرفع منع التجول عن سكان تل أبيب ساعتين؛ من العاشرة حتى الثانية عشرة ليلا ، حتى يتسوقوا.
في غزة يبدو الدمار شاملا، وتل أبيب تحترق وسكانها الذين يتحدثون بلغات عديدة، منها الروسية، خائفون مرتعبون يلعنون حظ ولادتهم العاثر.
الحرب تثقل القلب. أما كان لحكومات إسرائيل المتعاقبة أن تفكر بهذه اللحظة؟ أما كان بإمكانها إعادة اللاجئين الفلسطينيين بدل استيراد سكان من روسيا واثيوبيا و"هونولولو"؟
كانت طائراتها تقصف دمشق ولبنان ووصلت إلى إيران، وكنا نصغي إلى أخبار عن الرد في المكان والوقت المناسبين ونضحك، وربما كان أبو يائير مثلنا يضحك، ولطالما ابتسم ابتسامة صفراء ساخرة.
أمس تذكرت سطرا شعريا من قصيدة لمحمود درويش كتبها في ٢٠٠٣ عن زيارته للقدس:
"- أمن حجر شحيح الضوء تندلع الحروب؟".
هل كان في مخيلة الاسرائيليين والفلسطينيين أن الأمور يمكن أن تتطور إلى هذا الحد؟!
منذ ١٤٨٠ عاما هجريا والأقصى هو الأقصى، يصلي فيه المسلمون، وحين احتله الصليبيون تسعين عاما ظل أهله يستصرخون المسلمين من أجل تحريره، إلى أن هيأ الله له نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي. ولم تتعلم إسرائيل الدرس، علما بأن الكاتب الإسرائيلي (ابراهام يهوشع) كتب روايته "إزاء الغابات" منبها إلى حريق كبير.
هل ما شاهدناه أمس على شاشة الفضائيات كان مجرد أفلام سينمائية ومجرد ألعاب نارية؟
لا أحد يعرف بالضبط كيف ستسير الأمور وإلى أين ستنتهي، وعلى رأي محمد عبد الوهاب "جايين الدنيا منعرف ليه ولا رايحين فين".
الحق كل الحق على السيد (بلفور) وعلى المستر (دل) الذي لم يدبرها ولم يحلها، والكل في ورطة.
صباح الخير
خربشات
١٦ أيار ٢٠٢١

***

[SIZE=26px]- ذاكرة أمس ٦٢ : الصورة في كل مكان [/SIZE]

أمس كان اليوم الرابع والأخير من أيام عيد الفطر ، وكنا نسميه ونحن صغار "حمار العيد"، ولا أعرف سبب التسمية . هل كنا نحتال على أنفسنا ونمدد الأيام التي كنا نحزن لانقضاء كل يوم من أيامها؟
كان للعيد بهجة حقيقية ، ما أظن أن جيل هذه الأيام يشعر بها . كان العيد يعني الذهاب إلى المدينة ومشاهدة أفلام السينما والذهاب إلى المراجيح وركوب الدراجات الهوائية والعودة مساء إلى البيت بفرح ممزوج بالأسى؛ فرح لما أنفقنا اليوم فيه وأسى بحزن شفيف لانتهاء يوم علينا أن ننتظر عاما من أجل أن يعود.
لقد اختفت دور السينما واختفت المراجيح وفقدت الدراجات الهوائية بهجتها والشعور بمتعة ركوبها و...
في الأيام الثلاثة الأولى للعيد لم أغادر شقتي إلا مرة واحدة بناء على إصرار أبناء أخي أن آخذهم مشوارا لأشتري لهم الكوكتيل أو البوظة، وفي اليوم الرابع ؛ في حمار العيد ، ذهبت إلى المدينة التي بدت الحركة فيها ظهرا ومغربا باهتة خفيفة ، فالحزن يخيم والأنظار والعقول نحو غزة وأهلها.
كانت صور أطفال غزة أمس ؛ الجرحى والشهداء والناجين وفاقدي البيوت والأهل والألعاب والمراجيح والدراجات الهوائية، كانت صورهم تلازمنا في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى شاشات الفضائيات ، وما أكثرها!
الصور في كل مكان، وفي كل مكان صور القتلة والمستوطنين أيضا وصور بنايات غزة التي سويت بالأرض. صحيح أن ثمة صورا بدت أيضا لتل أبيب غايرت صورها المألوفة قبل بداية الحرب ، ولكن الدمار فيها لا يذكر قياسا لدمار غزة.
هل هذا هو ما حلم به الأب المؤسس للصهيونية (ثيودور هرتسل)؟
بدأت الحكاية في الشيخ جراح وفي اقتحام الأقصى . يريدون بناء هيكلهم مكان المسجد ويريدون إخراج سكان الحي من بيوتهم ، بحجة وجود هيكلهم وحجة شراء البيوت في الحي.
أمس عقبت على مقال للكاتبة العراقية Wardia Shamass قائلا إن ٩٥ بالمائة من اللاجئين الفلسطينيين في العام ١٩٤٨ طردوا من مدنهم وقراهم طردا وما زالت كواشين بيوتهم معهم. وأمس أرسل إلي الصديق الدكتور Abdallah Abu Eid Abdallah شريط فيديو قديم عما يعلمه اليهود المتدينون الصهيونيون لأطفالهم ، عن القدس والأقصى والعرب والهيكل ، في مدارسهم.
يعلم اليهود المتدينون الصهيونيون أطفالهم بأن الأقصى يجب أن يهدم ليقام الهيكل مكانه، ويعلمونهم أن العرب يجب أن يذبحوا أو أن يكونوا عبيدا لليهود و... .
كانت صور الدمار أمس، وصور الأطفال الناجين الفاقدين عائلاتهم أو الأطفال الموتى، كانت تملأ الشاشات، وكانت صور " أبو يائير"؛ غاضبا وحزينا وقلقا ، وعلى الجبهة ينظر إلى ما فعلته طائراته بالمدينة، كانت صوره أيضا في كل مكان.
هل تذكرت الشاعر الروسي (ماياكوفسكي):
" الصورة في كل مكان
وأما الفلاحة فقد استلقت في الوحل".
أمس وأنا أشاهد ما آلت إليه غزة تذكرت ما آلت إليه مدينة (درسدن) الألمانية في نهاية الحرب العالمية الثانية.
صباح الخير
خربشات
١٧ أيار ٢٠٢١.

**

- ذاكرة أمس ٦٣: عن سور برلين وأسوار فلسطين والدولة الواحدة والمستشارة (ميركل) و(هتلر)

كان السائق أمس جد قنوع. كان هادئا جدا وراضيا بما قسمه الله له، فلم يزاحر ولم يشتم سواقي سيارات المكتب الذين زاحروه لأجل راكب. السائق من قرية قوصين، ولطالما أقلني من قبل في ليالي رمضان، في الأعوام التي سبقت عام الكورونا (ما عاد أحد ينتبه إلى الوباء).
سألته عن صحته التي بدت هزيلة، فأجاب بأنه ينسى تناول الطعام لساعات، وأنه غير مسرور، فليس ثمة ما يسر : وباء وحرب وشغل ضعيف شحيح و... .
كانت الشوارع شبه مهجورة والأسواق ضعيفة، فذيول رمضان والعيد أبقت الناس في بيوتهم، يأكلون بقايا ما لديهم، ويتابعون أخبار الحرب في غزة وما يجري في المدن الفلسطينية، من رفح حتى الناقورة ومن البحر الأبيض إلى نهر الأردن.
الصديق تميم محمود منصور عاتبني لأنني لم ألتفت إلى ما يجري في اللد وحيفا وغيرهما من مدن فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨، فذكرته ب "ذاكرة أمس ٦٠" عن أحفاد "العرب الصالحون"، ولا أزعم أن يدي كانت سماوية، حين كتبت قبل بدء حرب غزة إلى أن نجدة الأقصى تتطلب انتفاضة يشارك فيها الفلسطينيون كلهم، ولم أكن صاحب رؤية مثل بلال نزار ريان وحمزة حمزة المصري اللذين كتبا عن مناماتهما وما رأيا؛ الأول كتب:
"شيخنا الحبيب أبو أحمد
بعد مجزرة الشاطيء نمت مقهورا فرأيت الرؤية..
رأيت الشيخ نزار في رؤية لابس بدلته العسكرية والجعبة وسلاحه ورابط عصبة الكتائب على رأسه فرحت لما شفته سألتو يا شيخنا وين رايح قال عنا استنفار لنقاتل في غزة ومعنا رسول الله.
لما رأيت ذلك اطمئن قلبي.
يا رب البشرى"
والثاني كتب:
"رأيت في منامي هذه اللية (الليلة) مع آذن (آذان) الفجر مجموعة من الرجال والشباب يخاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا لهم يا رجال لا خوف عليكم فإني أنزل كل ليلة مع جبريل أدعو لكم و أؤمن على دعائكم ولا أعود إلى مجلسي في السماء حتى يأمرني الله (شوفتها مع الفجر يا أبو أحمد)"
وأبو العبد / إسماعيل هنية في خطابه من قطر ذكرني بمعركة أحد حين قال إنه لم ينزل عن الجبل، وإن المقاتلين لن ينزلوا عنه حتى يتم النصر ويتأكد منه، فلا يحدث مع مقاتلي حماس مع حدث مع مقاتلي النبي (عليه السلام) في معركة أحد،
فيخسرون المعركة.
والنصر قريب، والصديق صادق صادق أرسل إلي مقالة تلخص مقابلة مع أسامة حمدان، مسؤول حماس في لبنان، أتى فيها على أصابع إيران وحزب الله في المعركة وأن الجهتين ستدخلان إلى القدس مع الفاتحين.
هل فتح القدس بعيد؟
كنت أتيت على فتحها في فترة الحروب الصليبية بعد ٩٠ عاما من احتلال الفرنجة لها، وكان فتحها أشبه بالحلم، وأوردت قول الشاعر:
"أترى مناما ما بعيني أبصر؟
القدس تفتح والفرنجة تكسر
ومليكهم في القيد مصفود ولم
ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر".
هل بات تحرير فلسطين قاب قوسين أو أدنى؟
أمس قرأت مقالا بالألمانية عن ألمانيا في ٥٠ و٦٠ القرن العشرين، فتذكرت زيارتي برلين في شباط ١٩٨٨ وفي أيار ١٩٩٠. في الزيارة الأولى كانت برلين مقسمة يفصل بينها جدار، وفي الزيارة الثانية كانت حجارة الجدار تباع للذكرى، فقد هدم الجدار في غضون عامين، وأول أمس وأنا أشاهد اختراقات الفلسطينيين والأردنيين واللبنانيين الحدود، تذكرت اختراقات البرلينيين الشرقيين للجدار الفاصل بين شطري المدينة.
"ليس آت ببعيد
بل قريب ما سيأتي" غم مواقف المستشارة الألمانية (أنجيلا ميركل) المؤيدة للدولة العبرية والمعادية للفلسطينيين. هل حقا إن (ميركل) هي ابنة (ادولف هتلر)؟
وأنا أقرأ ما كتب حول الموضوع فرطت من الضحك. لقد قرأت عن تحليل الحمض النووي لهما وثبت أنها ابنته، و"ياما في السجن مظاليم"، وسواء أكانت ابنته من عشيقته / زوجته (إيفا براون) أم لم تكن، فإن هذا الأمر ليس بذي شأن، والولد لمن رباه، وهي ربيت في ألمانية الشرقية لا في بيت (ادولف هتلر ).
الخيالي هو الواقعي الأكيد، والواقعي هو الخيالي، و"بين غمضة عين ورمشتها / يغير الله من حال إلى حال "وتفاءلوا بالخير تجدوه. وكم قيل، بل كم تنبيء، بأن العام ٢٠٢٢ هو عام زوال الدولة العبرية؟!
تفاءل يا شاعرنا Zakaria Mohammed تفاءل!!
عندما انتصرت إسرائيل في حزيران ١٩٦٧ أخذت تكيد لجمال عبد الناصر من خلال بثها أغنية:
"أبو سمرة زعلان"، وكانت تلمح إليه، وأمس تدوولت النكتة الآتية عن أبو يائير وسارة.
اشتاقت سارة إلى أمها وأرادت زيارتها، فاستأذنت أبو يائير / زوجها، وأجابها وهو كسير:
- إسألي أبو عبيدة.
وكانت حركة حماس سمحت لسكان تل أبيب بالخروج من ملاجئهم لمدة ساعتين.
شر البلية ما يضحك، وأحيانا تخرج الملهاة من قمة المأساة!!
أحيانا !
صباح الخير
خربشات
١٨ أيار ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٦٤: "أنا وأنت... والحرب القادمة "

بعد حرب حزيران ١٩٦٧ كتب (حانوخ ليفين) الكاتب الإسرائيلي الساخر مسرحيته "أنا وأنت... والحرب القادمة"، وفيها يسخر من حزب العمل الصهيوني الذي لم يخرج من الحرب إلا بحرب جديدة.
المسرحية لفتت أنظار الشاعر محمود درويش فكتب عنها في كتابه "يوميات الحزن العادي" ١٩٧٣، ولم تخل من تأثر بها قصيدته "الكتابة على ضوء بندقية"، وقد قام الصديق انطوان شلحت بترجمة المسرحية إلى العربية.
أمس وأنا أتابع مجريات الأحداث على جبهة غزة وفي بقية الوطن الفلسطيني، من رأس الناقورة حتى رفح ومن نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، أخذت أحصي الحروب التي وعيتها وتلك التي لم أعيها (أعها).
أنا من مواليد حزيران ١٩٥٤ ، وقد ولدت في خيمة اللجوء بعد ست سنوات من تهجير أبي وأمي من يافا.
في العام ١٩٥٦ حدث العدوان الثلاثي على مصر.
منذ ولدت انفجرت حرب التحرير الجزائرية واستمرت ثمانية أعوام وكنا في المدارس ننشد للجزائر.
في العام ١٩٦٦ اعتدى الاسرائيليون على قرية السموع، فجر اعتداؤهم مظاهرات شعبية كنت شاهدا عليها، وقد شاركت فيها ولما أتجاوز الثانية عشرة.
في العام ١٩٦٧ عشت في مثل هذه الأيام أجواء الاستعداد للحرب، وتغنيت بصواريخ جمال عبد الناصر؛ الظافر والقاهر، ولم تمر أيام حتى شاهدت جنود الاحتلال الإسرائيلي في مدينة نابلس.
في الأعوام ١٩٦٩ و١٩٧٠ و١٩٧١ تابعنا حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية والحرب الفلسطينية - الأردنية، وعشت أجواء مشابهة لهذه يوما يوما.
في تشرين الأول ١٩٧٣ اشتعلت الحرب العربية الإسرائيلية على جبهتي مصر وسوريا، ولم نكد نتنفس حتى بدأت الحرب الأهلية في لبنان، وفي أثناء هذه الحرب تابعنا الحرب الفلسطينية اللبنانية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني في ١٩٧٨، وتكرارها في صيف ١٩٨٢، وفي الأخيرة جربت إسرائيل أحدث الأسلحة الأميركية ومنها القنبلة الفراغية، وفي العام ١٩٨٧ اندلعت الانتفاضة التي استمرت ست سنوات.
في العام ١٩٨٠ حتى العام ١٩٩١ تابعنا أخبار حرب الخليج كما كنا نتابع الحروب العربية الإسرائيلية.
هل اختلف الأمر مع توقيع معاهدة سلام أو معاهدات سلام في الجبهات المشتعلة؟
في أيلول من العام ٢٠٠٠ اندلعت انتفاضة الأقصى واستمرت سبع سنوات تابعنا خلالها حرب تحرير الجنوب اللبناني وحرب الضاحية في العام ٢٠٠٦.
في ١١ أيلول ٢٠٠١؛ يوم تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك، بدأت طبول الحرب تقرع فعشنا أجواء الحرب الأميركية - الأفغانية.
في صيف ٢٠٠٧ شهدت غزة حرب حركتي فتح وحماس التي ظلت ذيولها قائمة إلى الآن.
في ٢٠٠٨ و٢٠٠٩ بدأت حروب إسرائيل الدموية على قطاع غزة، وتواصلت في ٢٠١٢ و ٢٠١٤ و ٢٠٢١، والحرب لما تنته.
ماذا كان (حانوخ ليفين) سيكتب لو امتد به العمر، فما أعرفه عنه أنه توفي.
نحن جيل لم يعرف إلا الحرب، فمن حرب إلى ثانية فثالثة فرابعة.
في قصته "زمن الاشتباك" (الصغير يذهب إلى المخيم) ميز غسان كنفاني بين الاشتباك والحرب، ففي الأخيرة تحدث هدنة، أما في زمن الاشتباك فأنت لا تلتقط أنفاسك؛ لأنك لا تخرج من اشتباك إلا إلى اشتباك آخر . هل نحن جيل الاشتباك أم جيل الحرب؟
إننا الجيل الذي يصح أن يقال بحقه المثل الشعبي "طول عمرك يا زبيبة بطيزك هالعودة".
كما لو أن الحرب قدرنا، بل هي كذلك.
عندما زرت أحد متاحف برلين أو بناية الرايخستاغ في برلين - لم أعد أذكر - شاهدت تجسيدا لسيلان الدم في الحروب حتى الحرب العراقية - الإيرانية التي انتهت في ١٩٨٨. كان الدم الذي سال في القرن العشرين هو الأغزر.
هل سيجسد فنان فلسطيني أو إسرائيلي لوحة مجرى لسيلان الدم، في فلسطين، منذ بدأ الاستيطان اليهودي؟
كم كانت خسائرنا أمس؟
كم كانت خسائرنا منذ بداية الحرب؟
كم كانت خسائرنا منذ العام ١٩٢١؟
أمس تذكرت قصة (فرانز كافكا) القصيرة "بنات آوى وعرب" وفيها زعم أن العداوة بين الطرفين؛ بنات آوى والعرب، في الدم، وهذا يعني - إن صح - أن الحكاية طويلة، وكما نطقها عبد الحليم حافظ "لسه طويلة".
في إحدى قصائد ديوان "محاولة رقم ٧" ١٩٧٤ كتب محمود درويش:
"- من أي عام جاء هذا الحزن؟
- من سنة فلسطينية لا تنتهي
وتشابهت كل الشهور، تشابه الموتى.
هذا هو الحزن الذي لا ينتهي، في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي،
هذا هو العرس الفلسطيني،
لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيدا أو شريد".
الله المستعان به.
صباح الخير
خربشات
١٩ أيار ٢٠٢١.

**



- ذاكرة أمس ٦٥: يوميات غزة: من يكتبها؟

أمس تذكرت القاص والروائي غريب عسقلاني / ابراهيم الزنط، وتساءلت إن كان يكتب يوميات في حرب غزة الرابعة؟ حرب رابعة خلال ثلاثة عشر عاما. يا إلاهي!
كان غريب كتب في ٩٠ القرن ٢٠ مجموعة قصصية عنوانها "وردة بيضاء من أجل ديفيد" عن الانتفاضة الأولى، وكتب عن الجندي الإسرائيلي اليساري ديفيد الذي رفض أن يطلق النار على ابن صديقه الغزي في العمل، فقد نشأت بين ديفيد ووالد الفتى المنتفض علاقات إنسانية وأسرية، أدت إلى زيارات متبادلة.
كان الخطاب اليساري في الأدب الفلسطيني شائعا ومقبولا في حينه، ثم خفت، وحتى اللحظة لم نسمع عن طيار إسرائيلي رفض مهاجمة قطاع غزة ورفض تدمير البنايات على سكانها.
أمس تذكرت كتاب غزة الذين نشأت معهم . لقد مات قسم منهم، ويقيم الآن قسم آخر في الضفة الغربية أو المنافي. من Khaled Juma وWallid Hallis وعاطف ابوسيف وباسم النبريص و.. و.. وأخذت أتابع أصواتا جديدة تكتب من قلب المعركة، وأكثرها يدون يومياته. Riyad Awad وHeba Alagha وSama Hasan وشجاع الصفدي و.. و.. وقد أخبرني الأخير أن غريب موجود ولكن لا رغبة هناك للكتابة لأسباب عديدة منها قسوة الأوضاع وجدوى الكتابة في أثناء هذا الدمار الشامل، عدا انقطاع الكهرباء والنت. أما الشاعر خالد جمعة الذي كتب من قبل عن الحروب السابقة، فقد أوضح لي أن الكتابة عن الحرب يبدأ بعد انتهائها، وإن ما يكتب الآن هو ضرب من تدوين اليوميات والأحداث.
شخصيا كنت أتابع كتابات الصديق Riyad Awad ، وهو طبيب بالدرجة الأولى ونشيط في وسائل التواصل الاجتماعي منذ سنوات، وتابعت في الفترة الأخيرة كتابات هبة الأغا وسما حسن وغيرهم. كتابة هؤلاء ذكرتني بمقطع شعري لمحمود درويش كتبه في انتفاضة الأقصى وورد في ديوان "حالة حصار" ونصه:
"خسائرنا من شهيدين حتى ثمانية
كل يوم،
وعشرة جرحى
وعشرون بيتا
وخمسون زيتونة،
بالإضافة للخلل البنيوي الذي
سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصة".
هل علينا أن ننتظر نهاية الحرب حتى نكتبها؟
الزميلة Wafa Abushmais كتبت رواية عن حرب غزة في العام ٢٠١٤ وهي في طريقها إلى النشر، ولكن وفاء لم تعش في غزة، والكتابة عن الحدث من داخله غير الكتابة عنه من خارجه، ولطالما استشهدت برأي الكاتب الفرنسي (جان جينيه) فيما كتبه تحت عنوان "أربع ساعات في شاتيلا".
حتى الكاميرا التي تنقل الحدث على الهواء لا تستطيع أن تنقل رائحة الدمار.
أكثر ما قرأت ينطبق عليه سطر محمود درويش "الخلل البنيوي الذي سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصة".
وأنا أدرس نصوص أدباء المقاومة في الأرض المحتلة غالبا ما كنت أشير إلى مقولة نقدية تفرق بين المؤرخ الأدبي والناقد الأدبي، فحين نقيم أدبية النصوص علينا ألا ننسى الظروف التي كتبت فيها.
النصوص، إلا أقلها القليل، تصف بلغة تقريرية مباشرة الأحداث، ويبدو العنصر الجمالي فيها شبه منعدم. هل ثمة وقت أصلا لإعادة النظر فيما يكتب، والكاتب لا يعرف ان كان سيبقى على قيد الحياة وإن كان سيملك الوقت أصلا ليقرأ ما كتب وليراه منشورا؟
آخر الأخبار تقول إنه سيتم وقف إطلاق النار اليوم أو يوم الجمعة . هل ستبدأ الكتابة عن الحرب أم أن قلوب الكتاب ستكون، كما يقول المثل "من الحامض لاوي / لاوية".
الحرب تثقل القلب، والأب وهو يستشهد كان يوصي ابنه بأن يتماسك فهو رجل البيت القادم الذي سيكون مسؤولا عن أمه وأخته وإخوته.
الحرب تثقل القلب، فما جدوى الكتابة ؟ ما جدوى الكتابة في الظهيرة والظلال، والغزيون مسحوقون في حربين، بل في حروب عديدة؛ التشرد واللجوء والفقر والاكتظاظ السكاني والكورونا والانقسام وتدمير البنايات والبيوت وقلة الكهرباء و.. و.. وحكايا غزة كثيرة. إنها أكثر من الهم على القلب.
يا إلاهي!!
صباح الخير
خربشات
٢٠ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٦٦: غزة: من مدينة تصدر البرتقال إلى مدينة تصدر الصواريخ

وأنا أتابع ما يكتبه أبناء غزة عن حياتهم في أثناء الحرب التي سوت مباني كثيرة بالأرض ، لدرجة أن بعض مدرجي صور الدمار كتبوا على الصور عبارة "هذه ليست هيروشيما"، التفت إلى بضعة أسطر دونتها Heba Alagha أتت فيها على غزة قبل العام ١٩٤٨.
نص الأسطر بالتمام والكمال:
"كانت غزة تصدر الشعير لمعامل الجعة في ميونيخ إضافة إلى الزيت والزبيب والصابون والجلود.
تاريخ طويل من التصدير يا غزة واليوم نحن نصدر الكرامة والصمود والشرف.
صباح الخير لأرواح الشهداء الشرفاء".
أسطر هبة الآغا ذكرتني بأسطر من قصيدة راشد حسين "الحب والغيتو" التي كتبها في العام ١٩٦٦، وفيها يكتب عن يافا وما ألم بها في عام النكبة ١٩٤٨.
يقول الشاعر في قصيدته:
"يافا - لمن يجهلها - كانت مدينة
مهنتها تصدير برتقال
وذات يوم هدمت، وحولوا
مهنتها.. تصدير لاجئين".
شخصيا عرفت غزة مدينة برتقال ومدينة نخيل.
كان أخي درويش - رحمه الله - يعمل في نهاية ستينيات القرن العشرين وبداية سبعينياته سائق شاحنة ، وغالبا ما كان يسافر إلى رفح وغزة ويعود محملا شاحنته بالبرتقال أو البلح، وعندما زرت غزة في العام ١٩٦٩ لحضور عرس ابنة عمي شاهدت بيارات البرتقال، وعندما زرت في العام ١٩٧٨ خان يونس بصحبة الكاتب المرحوم محمد كمال جبر وبتنا في بيت الكاتب المرحوم محمد أيوب شاهدت أشجار النخيل، وقبل عقد من الزمان سألت جارنا "أبو نزار" عن بيارات البرتقال في مدينته، فأخبرني، متحسرا، أنها ما عادت موجودة. لقد اجتثت وحلت المباني محلها.
لطالما كررت مقطعا شعريا لمحمود درويش كتبه في بداية ٧٠ القرن ٢٠ عن غزة:
"وغزة لا تبيع البرتقال،
لأنه دمها المعلب".
في عام النكبة لجأ فلسطينيون كثر، ممن هجروا، إلى غزة وصارت مدينة أغلب سكانها من المهجرين. صارت غزة مدينة لاجئين تقريبا، وواصلت تصدير البرتقال.
الآن ما عادت المدينة تصدر البرتقال والبلح والشعير والجلود والزبيب، ولا حتى الجميز. صارت تصدر أولا المتعلمين إلى دول الخليج، ثم العمال إلى الداخل الفلسطيني المحتل في ١٩٤٨، وفي فترة لاحقة صارت تصدر البندورة والأزهار والفراولة وطناجر الألمنيوم، ومنذ العام ٢٠٠٨ صارت تصدر الصواريخ.
هل وصلتها قطارات (ثيودور هرتسل) الكهربائية؟
حلم الأب المؤسس للصهيونية ببلاد تغرق في السمن والعسل، وحلم بتمدين الشرق البائس وبقطارات كهربائية تربط بين مدنه تصل إلى بيروت وغيرها، وحلم بواحة وجنة في صحراء الشرق القاحلة، وبعد مائة عام من حلمه دمر المدن الفلسطينية وأولها يافا، ودمر بيروت في العام ١٩٨٢، ومنذ العام ٢٠٠٨ أخذ، بالتدريج، يدمر غزة.
أطرف ما سمعته أمس من أشرطة كان الشريط الذي يحوي محادثة بين ضابط اسرائيلي أظن اسمه رامي ومواطن فلسطيني غزي.
يتصل رامي الرؤوف الرحيم بالمواطن الغزي ويطلب منه إخلاء بيته من القاطنين فيه، فالطائرات الإسرائيلية ستقصف مبنى البنك المجاور.
يا الله ! كم هو رؤوف رحيم رامي هذا، والمواطن الغزي يصر على البقاء في المنزل، ولا يستمع إلى نصائح رامي بأن ذلك انتحار، والانتحار في الإسلام محرم. صار رامي مثل أفيخاي درعي خبيرا بالإسلام وتعاليمه.
هل يقل عن شريط المحادثة السابق شريط آخر لحاخام يهودي، يدعو فيه إلى احترام المقدسات وترك الأقصى للمسلمين والتنازل عن بناء الهيكل والعودة إلى ما كان عليه أبناء الديانات في زمن الدولة العلية العثمانية؟
إنها الحرب ! قد تثقل القلب ولكن خلفك عار العرب.
أنستنا الحرب الكورونا والكمامات والتباعد الجسدي واللقاحات، وذكرتنا بمدننا التاريخية وبفلسطين الممتدة من النهر إلى البحر .
صباح الخير
خربشات
٢١ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٦٧: "وكنا نحن ولو مرة لانتصار"

توقفت الحرب واحتفل الفلسطينيون بالانتصار، على الرغم من أن الأيام والأسابيع القادمة ستقرر الحقيقة.
لست شخصيا متشائما، كما أنني لست متفائلا. ربما أكون مثل بطل إميل حبيبي "متشائلا"، ولسوف أقر لاحقا بأنني كنت في تشاؤلي على خطأ إن انتهى مشروع الدولة اليهودية، وتحقق مشروع دولة لكل مواطنيها مع حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى مدنهم وقراهم.
وأنا أشاهد صور الفلسطينيين يحتفلون بالانتصار، وصورة (نتنياهو) رئيس الوزراء الإسرائيلي يقر بالهزيمة، تذكرت الشاعر الشهيد علي فودة الذي استشهد في حرب بيروت ١٩٨٢.
شاع مقطع شعري لفودة لطالما كرره أصدقاؤه، وهو:
" بقلبي أريحا،
وكنا نحن، ولو مرة،
لانتصار".
ومنذ الخروج الفلسطيني الكبير في أيار ١٩٤٨ والفلسطينيون يحنون إلى انتصار يعيدهم إلى يافا وحيفا واللد والرملة وعكا وبقية التراب الفلسطيني. هل ستنجز الحرب الأخيرة هذا وتحقق الأماني؟
الصور والمقاطع الشعرية بصوت محمود درويش والاحتفالات، كلها حفلت بأجواء انتصار ، والسؤال هو:
- وماذا بعد؟ ماذا سيحدث غدا؟
إن نجح أهالي حي الشيخ جراح في البقاء في بيوتهم، فسوف يكونون حققوا الانتصار . وإن ظل الأقصى على ما كان عليه منذ مئات السنين ، مكان عبادة للمسلمين، لا يقاسمهم فيه أحد، ولا يلم به ما ألم بالحرم الإبراهيمي في الخليل ، فسوف يكون المقدسيون ، ومعهم من وقف إلى جانبهم، حققوا الانتصار.
هل سيشعر أهل غزة حقا بأنهم حققوا الانتصار لأنهم نصروا الشيخ جراح والأقصى، أم أن تفاصيل الحياة ستشعرهم بالعبث وبأن ما جرى كان ضربا من الحروب الدونكيشوتية السيزيفية التي لم تجر سوى الخراب والدمار، مع أنها أوجعت العدو وجيشه الذي لا يقهر.
أمس واليوم وغدا، وربما لأعوام، سيقف الغزيون على أنقاض بيوتهم المدمرة ولسوف ينشغلون بها وهم يتذكرون الشهداء الذين ارتقوا، ويتألمون لآلام الجرحى القدامى والجدد ويتحسرون على ما فقدوا ويتطلعون إلى بيت يأويهم.
والحكايا كثيرة. هل سنقرؤ حكايا الحرب والدمار والفقدان في قادم الأيام؟
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مرت ألمانيا بسنوات عجاف، واضطرت النسوة الألمانيات أن يعدن بناء ألمانيا، وخلال أربع سنوات امتدت من ١٩٤٥ إلى ١٩٤٩ تمكن من إنجاز شيء، وفي هذه الأثناء كتب أدباء ألمانيا نصوصا عرفت بأدب الأطلال أو أدب الأنقاض (فولفجانغ بورخرت وهاينريش هاينة وغونتر غراس وغيرهم وغيرهم).
هل عرف أدبنا ظاهرة أدب الأطلال؟
لطالما كتبت شخصيا في الموضوع، ولكن الوقوف على أطلال المباني المدمرة في غزة في الحرب الأخيرة وقوف مختلف، لأنه مقرون بالدمار الشامل، وفي الموضوع نظر.
للكاتب الألماني (هاينريش هاينة) قصة طويلة / نوفيلا عنوانها "ولم يقل ثمة كلمة" / Und sagte kein einziges Wort " صور فيها الحياة في ألمانيا بعد انتهاء الحرب . هل علينا الآن نحن ألا نقول أية كلمة، فالكلام لأهل غزة؟
عندما زرت برلين في ١٩٨٨ شاهدت بعض المباني التي دمرت في الحرب ، ومنها كنيسة، متروكة على حالها دون أن ترمم ، وذلك للذكرى.
هل سيفعل أهل غزة ذلك، فيتركوا أنقاض أحد الأبراج على ما هي عليه، لتكون شاهدة على وحشية القصف والحرب و... ؟.
صباح الخير
خربشات
٢٢ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٦٨: الدولة العبرية "غسالات ثلاجات تلفزيونات خربانة للبيع"

على الرغم من الدمار الذي ألم بمدينة غزة جراء قصف الطائرات الإسرائيلية الهمجي لمبانيها وشوارعها وبناها التحتية، وعلى الرغم من عدد الشهداء والجرحى المرتفع، ومن الدمار النفسي الذي ألم بنفسيات الأطفال والشباب وكبار السن والثواكل، وجدت السخرية طريقها إلى روح الناجين والمتابعين أيضا.
لقد طالت السخرية الرموز السياسية الحاكمة في إسرائيل وفي السلطة الفلسطينية، ولم تنج الزعامات العربية من الشتيمة والهجاء، فقد صار شتمها وهجاؤها عادة منذ عام النكبة، تزداد وتيرته كلما ألم بالفلسطينيين والشعوب العربية مصيبة أو كارثة، وما أكثر مصائب العرب وكوارثهم!
في العام١٩٩٠ زرت برلين ووقفت على أطلال جدارها وشاهدت شارات وملابس الجيش الروسي وجيش ألمانية الشرقية تباع بأسعار زهيدة للذكرى. كأن لم يكن هذا الجيش جيش الاتحاد السوفيتي الذي ظل لخمسة وأربعين عاما يهدد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها.
من كان في العام ١٩٨٨ يصدق ان الاتحاد السوفيتي سيتفكك وتباع ملابس جيشه على الحد الفاصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية؟
هل سنشهد خلال عام أو عامين انهيار السور الفاصل بين فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ والضفة الغربية وزوال السياج بين غزة ويافا؟
هل سنجد ملابس الجيش الإسرائيلي، بعد تشكيل جيش الدولة الديموقراطية الواحدة أو دولة إسراطين ، تباع في المزاد العلني وتشترى للذكرى، حتى لو كانت ذكرى مؤلمة؟
وأنا في بيتي غالبا ما أستمع إلى نداء، يبث آليا، من سيارة من نوع كابينا نصه "اللي عنده غسالات ثلاجات تلفزيونات خربانة للبيع"، ونادرا ما رأيت الجيران يصرخون على سائق الكابينا ليبيعوه أغراضهم الخربة.
هل فكرت ذات نهار في يوم قادم تعرض فيه أسلحة الدولة العبرية للبيع؟
ربما استمعت في الأخبار إلى بيع أسلحة قديمة لدول أخرى ترغب إسرائيل في التخلص منها وترغب دول أخرى في شرائها! ربما!
مع نهاية حرب سيف القدس التي كان من أبرز ظواهرها فشل القبة الحديدية في التصدي لصواريخ المقاومة عممت صورة لأفيخاي درعي يحمل فيها كرتونة كتب عليها العبارة الآتية:
"قبة حديدية للبيع بشكل عاجل بداعي السفر. استعمال خفيف جدا. بخ زنار، ممكن استعمالها لصيد العصافير".
"تبهدلنا" عبارة أخرى ظهرت على كرتونة أخرى كان أفيخاي درعي يحملها، وثمة أغاني / أغان ليهود ساخرين يسخرون فيها من "أبو يائير" العابس الغاضب، طالبين منه أن يتنحى عن الحكم، ولم تقتصر السخرية على اليهود، فلم يقصر الفلسطينيون بدورهم إزاء رموزهم وعلى رأسهم الرئيس الفلسطيني أبو مازن، والرسوم التي نالت منه ومن عزام الأحمد أكثر من أن تحصى، أما أطرف ما قرأت فقد تعلق بأبو فادي "محمد دحلان يقود من غزة معركة الصواريخ".
آخر شريط فيديو شاهدته أمس كان يصور شبابا مقدسيين مروا بالقرب من يهودي متدين يرتدي ملابس اليهود المتدينين، فسألوه:
- أنت معنا أم ضدنا؟
وسرعان ما أخرج العلم الفلسطيني ولوح لهم به مبتسما. هل كان من جماعة ناطوري كارتا أم من اليهود الفلسطينيين الذين عاشوا في القدس قبل العام ١٨٨٢؟
ستسخر الحياة من المتجبرين المتغطرسين جميعهم، ومن يدري كم واحد من هؤلاء سيفشي حلاقه سره كما أفشى حلاق الإسكندر سره بعد أن لم يعد قادرا على كتمانه. هل ستفشي سارة ذات يوم أسرار زوجها، فنعرف مثلا منها أنه في بيته كان يرتعب خوفا من رؤية فأر؟!
صباح الخير
خربشات
٢٣ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٦٩ : ذاكرتنا العذراء وذاكرة الإسرائيليين العذراء أيضا

توقف إطلاق الصواريخ من غزة وتوقفت الطائرات الإسرائيلية عن تدمير المدينة المبرمج الممنهج، ولم تتوقف اقتحامات المستوطنين باحة المسجد الأقصى تحت حراسة الجيش الإسرائيلي، كما أن الشيخ جراح ما زال محاصرا، بل وروي أن حصاره صار أمر وأقسى. لقد عادت ريما إلى عادتها القديمة، فهل سينفذ أبو عبيدة ما هدد به "إن عدتم عدنا"؟
من أطرف الصور التي كثر تبادلها صورة ل ( غولدا مائير ) رئيسة الوزراء الاسرائيلي في حرب تشرين ١٩٧٣ - وانهارت يومها - ول (بنيامين نتنياهو)، كتب أسفل صورة غولدا عبارتها المشهورة بعد نكبة ١٩٤٨:
"الكبار يموتون والصغار ينسون"
وكتب أسفل صورة بنيامين العابس الحزين كسير النظرات:
"كلي خرا. الكبار ماتوا والصغار لم ينسوا".
كان الكاتب إميل حبيبي في مسرحيته "لكع بن لكع / لئيم بن لئيم" سخر من العرب بأن ذاكرتهم عذراء - أي أنهم لا يتعلمون من تجاربهم إطلاقا فيعودون بذلك، كل مرة، إلى ارتكاب الأخطاء نفسها.
يبدو أن ذاكرة الإسرائيليين أيضا ذاكرة عذراء، فقبل أيام أقر بعض قادتهم بأنهم أخطأوا حين اقتحموا الأقصى، ولم يمر أكثر من يوم، بعد توقف الحرب، حتى عاد بعض اليهود المستوطنين، من جديد، إلى اقتحامه. هل قرأوا قصيدة محمود درويش "إذا كان لي أن أعيد البداية اختار ما اخترت: ورد السياج" واختاروا ورد السياج؟
في معركة النفق في العام ١٩٩٦ أدرجت الإذاعة الإسرائيلية أغنية مارسيل خليفة "أنا يوسف يا أبي"، والكلمات فيها لمحمود درويش أيضا ، وأنا المتكلم فيها هي أنا الفلسطيني المظلوم المضطهد، فهل شعر الاسرائيليون بأن الفلسطينيين يضطهدونهم ، وأنهم يوسف الذي ألقى به إخوته في الجب؟
مفارقات عجيبة تحدث في أرض فلسطين، فثمة ضحية تحولت إلى جلاد، وثمة ضحية صارت ، حين تطالب بحقها، تنعت بأنها ترتكب أعمالا إرهابية.
ثمة حفنة تزعم أن أرض الشيخ جراح تعود إليها وتأتي بأوراق تزعم أنها وثائق ، وهناك مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين ممن هجروا في ١٩٤٨ ، وما زالوا يملكون كواشين بيوتهم، لا يسمح لهم بالعودة إليها.
مات الكبار والصغار لم ينسوا وأجزم أنهم لن ينسوا ، وهناك أسباب عديدة لعدم النسيان؛ هناك البعد الديني مجسدا في الأقصى، وهناك البعد اللغوي مجسدا في وجود ستة ملايين فلسطيني يتكلمون العربية مقابل ستة ملايين يهودي يتكلمون العبرية، وهناك البعد الاقتصادي مجسدا في سوء أوضاع الفلسطينيين، وهناك قسوة حياة اللاجئين الفلسطينيين في المنافي، وهذه تجعل من فلسطين جنتهم المنشودة للخلاص من البؤس والشقاء والشعور بأنهم غير مرغوب فيهم، لأنهم غرباء، وهناك.. وهناك...
"إن عدتم عدنا" قال أبو عبيدة، فهل نحن أمام حرب قادمة؟ هل نحيا الآن هدنة أخرى قد يقصر أمدها وقد يطول؟
لم تشف غزة من جراح الحروب السابقة، وما زال جرح الحرب الأخيرة طريا نازفا لم يبرد ويغطي عليه الشعور بنشوة انتصار ما؛ انتصار يبدو في نظر أغلبية الفلسطينيين يقينا.
ربما السؤال الآن هو:
- وماذا بعد؟ ماذا بعد أن هدأت المعارك؟
ثمة اقتحامات جديدة للأقصى، وثمة حصار لحي الشيخ جراح، وثمة لاجئون يعانون، وثمة أرض ما زالت محتلة، وثمة أشياء كثيرة لم يحسمها قرار مجلس الأمن الأخير ، مثله مثل القرارات السابقة!!
أردت أن أكتب عن الفصيلية والفتنة ثم وجدتني أخضع لعبارة غولدا ورد بنيامين عليها:
"كلي خرا، الكبار ماتوا والصغار لم ينسوا".
وكلنا، نحن واليهود، منذ العام ١٩٤٨، نأكل، في أرض السمن والعسل، الخراء وليس سوى الخراء.
صباح الخير
خربشات
٢٤ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٠: "كأن على رؤوسنا الطير"

هدأت جبهة غزة قليلا واستراح المحارب إلى أمد لا يعلم مداه إلا الله، وعاد التحرش الإسرائيلي بالأقصى من جديد، وبدأت الروح الفلسطينية التي توحدت، إبان اشتعال المعارك خلال أحد عشر يوما، تتشقق، وكنا نراهن على تشقق الجبهة الداخلية للدولة العبرية.
أفسدت بعض الكتابات والصور وأشرطة الفيديو على كثيرين، ممن عدوا نتيجة المعركة نصرا، نشوة النصر. كما لو أن روح الانقسام التي سادت منذ ٢٠٠٧ ترسخت فينا وفعلت فعلها أكثر مما فعلته أيام الحرب وصواريخها التي قصفت تل أبيب. هل تعمقت روح الانقسام فينا؟
عندما ظهر قائد حماس السيد يحيى السنوار في شوارع غزة اقترب منه شاب غزي ينتمي إلى حركة فتح وخاطبه:
- مع أنني فتحاوي إلا أنني سأقبل رأسك.
فرد عليه ردا يتناسب والحالة، وهو إن فلسطين الآن أكبر من فتح وحماس.
وكان المرء يتمنى أن يكون الأمر كذلك - أي أن تكون فلسطين فوق الفصيلين وأكبر منهما، ولكن ما قرأه المرء في وسائل التواصل الاجتماعي قال شيئا مختلفا.
أحد أبناء غزة من العقلانيين، وهو الكاتب شجاع الصفدي كتب عن مواساته أحد معارفه، وبينما هو في بيت العزاء هاتف شخص ما، ينتمي إلى فصيل، أهل الشهيد يطلب منهم أن يرفعوا علم الفصيل في سرادق العزاء، ليتكفل الفصيل بالتكاليف. وكتب شجاع حكاية تحتمل تأويلات كثيرة عما جرى مع أبيه الذي هب لنجدة رجل اعتدى عليه آخرون، ولم يقف الرجل إلى من وقف إلى جانبه، بل ولم يسأل عنه ولامه لأنه تدخل لنجدته، فقد كان عليه أن يهرب.
في صفحة ثانية أدرجت صاحبتها عبارات كتبها مواطن غزي على صفحته يعبر فيها عن استيائه مما ألم بمدينته، ومن فلسطينيي الضفة الغربية الذين فرحوا للحرب، فغزة دفعت ثمنا عاليا فيما كانت أيدي الآخرين بالماء ولم تكتو بالنار.
اللافت أكثر مما سبق هو سوء الفهم الناجم عن سوء الإصغاء إلى ما قيل عن المرحوم أبو عمار.
لقد حضر أبو عمار في أثناء الحرب حضورا لافتا، وظهرت صوره مع المرحوم الشيخ أحمد ياسين، وهتف المتظاهرون لهما.
"يرحم روحك يا أبو عمار". سمعها بعض المشاركين "يفضح عرضك يا أبو عمار" وهات حلها، فكتب كثيرون منددين "إلا أبو عمار" و"أبو عمار خط أحمر" وأدرج هؤلاء صوره مع صور أحمد ياسين يسقيه الماء ويبوسه و.. .
هل تأثر قسم منا بما أدرجه الكابتن الإسرائيلي على صفحته يهاجم حماس ويدعو أهل الضفة إلى تجنب تأييدها وتتبع خطاها، حتى لا يلم بمدن الضفة وقراها ومخيماتها ما ألم بقطاع غزة؟
الردود على ما أدرجه الكابتن الإسرائيلي على صفحته قالت إنه لم ينجح ولن ينجح في بث بذور الشقاق، ولكن بعض ما أدرج على صفحات بعض النشطاء وما جرى في الأقصى مع المفتي قال شيئا آخر. هل سيلم بنا الآن ما ألم بحركة فتح بعد حرب لبنان ١٩٨٢؟ هل سيتعمق الانقسام المتعمق أصلا؟
"آه من رحلة كان يقتل فيها الشهيد الشهيد!" كتب محمود درويش في ديوان "ورد أقل" عن معارك البداوي بين فتح وفتح.
أطرف الصور المتداولة أمس كانت صورة حلاق يحلق شعر أحد الغزيين على أنقاض البيوت والعمارات المدمرة. المرآة منتصبة وعدة الحلاقة على كرسي والحلاق يحلق، ما ذكرني بقصيدة محمود درويش "صهيل على السفح":
أعد لسيدتي صورتي. علقيها إذا مت فوق الجدار
تقول: وهل من جدار لها؟ قلت: نبني لها غرفة.
- أين.. في أي دار؟"
وما أشبه الليلة بالبارحة! ما أشبه ما ألم بغزة في الأسبوعين الأخيرين بما ألم بالفلسطينيين في بيروت في صيف العام ١٩٨٢.
"ورد أقل" عبارة اختارها الشاعر عنوانا لديوانه في تلك الأيام وعنها، ولكنه مع ذلك قال "ولكني سأواصل مجرى النشيد ولو أن وردي أقل".
وأمس كان شباب غزة ينظفون شوارع مدينتهم ويواصلون مجرى النشيد، ونحن نعرف أن وردهم، ولسنوات، أقل!!
كان الله في عون أهل غزة وفي عون أهل المخيمات في لبنان وسورية والأردن والضفة الغربية.
صباح الخير
خربشات
٢٥ أيار ٢٠٢١

**

ذاكرة أمس ٧١: الدحية الفلسطينية باللغتين العربية والعبرية معا

كل من قرأ الأدب العبري إثر هزيمة حزيران ١٩٦٧ لاحظ شيوع أدب الاحتجاج الساخر الذي مثله الكاتب المسرحي ( حانوخ ليفين)، وكنت، من قبل، أوردت الاسم وأتيت على ترجمات الكاتب انطوان شلحت لمسرحياته، وقبل ترجماته كتب عنه في سبعينيات القرن العشرين محمود درويش، بل وتأثرت نصوصه الشعرية بها.
في فترات لاحقة أخذ الاسرائيليون يسرقون التراث الفلسطيني وينسبونه لأنفسهم، وحول هذا سال حبر كثير في زمن الكتابة بالحبر، وإن لم تخني الذاكرة فقد تصدى للسرقات الباحثون المهتمون بالتراث مثل الباحث شريف كناعنة صاحب كتاب "الدار دار أبونا" وأجا الغرب / الغرباء سرقونا. من صحن الحمص إلى قرص الفلافل إلى الثوب الفلسطيني، وأما عن استعارة قاموس شتائمنا فحدث ولا حرج، ولم يغب هذا الجانب عن الروائي اللبناني Khoury Elias في روايته "أولاد الغيتو: نجمة البحر".
سرق الاسرائيليون منا الأرض والتراث، وفي فترة لاحقة صاروا يقتلوننا ويبكون أيضا، وأول أمس ناشد "الكابتن الإسرائيلي" أهل الضفة الغربية أن يتوجهوا إلى أعمالهم في المصانع وورش البناء الإسرائيلية وألا ينجروا إلى ارتكاب حماقات حماس التي جنت على غزة منذ تأسيس أول مستوطنة يهودية في فلسطين منذ العام ١٨٨٢ ؛ حماس التي هجرت شعبها في العام ١٩٤٨ ودمرت ما يقارب ال ٥٠٠ قرية فلسطينية وسوتها بالأرض.
السخرية لدى أبناء عمنا، وخفة الدم أيضا، لم تغب في الحرب الأخيرة، وهذه المرة أيضا سخرية الفنانين من القيادات الإسرائيلية. سخر (حانوخ ليفين) في ١٩٦٧ ممن شنوا يومها الحرب، وفي هذه الأيام تركزت السخرية من رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو)، لا في نص أدبي ألفه كاتب إسرائيلي، وإنما من خلال استعارة شكل أدبي شعبي فلسطيني هو "الدحية"، وتم الغناء بمفردات من اللغتين؛ العربية والعبرية.
"يا فاشل روح عالدار
بتلاقي الأكل عالنار
سارة تجهز المصاري
بدها تهرب عالمطار
شماتة ليبرمان فيك
وغانتس أيضا مستنيكي
شعب إسرائيل (عم هيسراىيل) حيصرميك ( يضربك بالصرامي)
وعالسجن (بيت زوهر) هيرميك
أنت أكيد مش زلمة
أنت تخاف من السنوار
فضيحة هربت من الصواريخ
هربت كالفأر".
وما زال الوقت عموما مبكرا لقراءة نصوص عبرية حول هذه الحرب، ولكن المؤكد أننا سنقرأها عما قريب.
منذ ١٩٤٨ حتى الآن ، وربما قبل هذا العام تداخلت حياتنا بحياة اليهود تداخلا كبيرا جدا، لدرجة أن صار فلسطينيو فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ يتقنون العبرية إتقانهم العربية قراءة وكتابة (رواية انطون شماس "ارابيسك" وكتابات سيد قشوع)، وصار قسم من العمال الفلسطينيين يمدحون صاحب العمل العبري ويشيدون به و... و... ولا أعرف سببا وراء الإصرار على يهودية الدولة التي أسهمت الأيدي العاملة العربية في بنائها.
فلافلنا فلافلهم
حمصنا حمصهم
شتائمنا شتائمهم
ثوبنا ثوب مضيفات طائراتهم
وفي الحرب الأخيرة حيا الساخرون منهم ، ساخرين، رئيس وزرائهم بالدحية الفلسطينية ، ومنذ أعوام غنى الاسرائيليون في أعراسهم أغنية فلسطينية غناها صاحبها لمنتفض فلسطيني . لقد أسرهم الإيقاع ولم يعرفوا المناسبة ومدلول الكلمات "سمعت صوت البارود واحنا رجالك يا زعبور".
دنيا مليئة بالعجائب والمفارقات والغرائب.
صباح الخير
خربشات
٢٦ أيار ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٢: غزة - القدس - نابلس

أعرف أخبار غزة، بعد توقف القتال، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ كتابة وصورا ومقاطع فيديو ومكالمات شبه نادرة من بعض معارفي، ولكن "الحكي والشوف من خلال وسيط، مش مثل الشوف المباشر "الذي تتشمم فيه الروائح وترى الدم الطري الذي لم يجف، ولطالما استشهدت بعبارات (جان جينيه) الذي كتب عن مذبحة شاتيلا في أيلول ١٩٨٢ وهو فيها، لا وهو جالس في مقهى في باريس.
"الحكي مش مثل الشوف"، وأمس جلست في مقهى الميناوي في نابلس فتذكرت غزة.
جلس قريبا مني ثلاثة شباب في العشرينيات، أو بداية الثلاثينيات، من عمرهم، وأخذوا يؤرجلون ويثرثرون حول الحرب الأخيرة، ومما تناهى إلى سمعي قول أحدهم يخاطب صديقيه قائلا:
- شباب نحن في الجولة الأخيرة من الحرب.
أحد صديقيه وافقه مستشهدا بكلام حاخام إسرائيلي خاطب فيه اليهود:
- تفرقوا في الأرض قبل أن تبادوا.
ولم أتابع كل ما تفوه به الثلاثة ، ولكنني قلت لنفسي:
- نحن نذرع الشوارع ونجلس في المقاهي ونثرثر في "الوساع".
وتساءلت:
- ترى ما هو حال آلاف المواطنين الغزيين؟ وبم يثرثرون الآن وهم جالسون على أنقاض بيوتهم؟!
و:
- كيف يقضي أهل فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ لياليهم في ظل موجة المداهمات الليلية لبيوت من وقفوا إلى جانب القدس وغزة؟
"واللعب في الهيجاء غير اللعب في الميدان" شطر ببت لأبي الطيب المتنبي، وشطره الأول هو:
"وتوهموا اللعب الوغى" وقد ورد البيت في قصيدته:
"الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني".
شخصيا استمعت إلى كلام كثير صدر عن الغزيين يحمل وجهات نظر مختلفة، وهذا طبيعي جدا، ومن المؤكد أن نشوة النصر ستتضاءل أمام الواقع القاسي المتمثل في عدم التوصل إلى حل نهائي قريب للصراع، وفي رحلة التعمير الصعبة القادمة، وفي الاكتظاظ السكاني في المدارس وما قد ينجم عنه و... و... وفي رضوخ قيادة القطاع للدول الممولة.
أمس مثلا كتب الصدبق Akram Musallam على صفحته فقرة تحت عنوان "هسسسسسسس" أتت على تصريحات قطرية بخصوص حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي لا تتطابق وخطاب السيد اسماعيل هنية، من قطر ، في أثناء المعارك. كأن قطر تقول للسيد هنية:
- ارض بما نقول نحن، فنحن الممول.
هل "طارت السكرة وأجت الفكرة"؟
وهل انتهى النصر بانتهاء الاحتفال به في اليوم الأول لتوقف المعارك؟
كنت كتبت عما جرى في الأقصى والشيخ جراح في اليوم الثاني للهدنة، فقد عاد المستوطنون وخفت صوت أبو عبيدة ولم يتحقق جواب الشرط في "إن عدتم عدنا"، ومن المؤكد أنه لا يحق لي شخصيا أن أقرر ماذا على المقاومة الإسلامية وغير الإسلامية في قطاع غزة أن تفعل ، فأنا، مثل الشباب الثلاثة، أتحدث في "الوساع" ولا أجلس الآن في العراء بلا بيت وبلا أهل شأن الذين خاضوا الحرب. إنني أخوض الحرب مثلهم - أي الشباب الثلاثة - في الميدان، لا في الهيجاء.
وأنا أسير في شارع النصر في البلدة القديمة، في وقت الظهيرة ، لاحظت الحركة خفيفة فقلت:
- لعل الناس في المسجد يصلون ويتقيللون في الظلال.
وتساءلت من جديد عن أحوال الغزيين الآن في المدارس يتقاتلون على تفاصيل الحياة. وأمس وأنا في الشارع نفسه سألت عن "أبو ناجح الدحدوح" الذي عرفته في مقهى البرلمان منذ خمسة عشر عاما تقريبا وعرفت أنه مات من ستة أيام عن عمر يناهز الثمانين عاما. كم من معارفي في هذا الشارع توفي في العام الأخير؟!
في المساء وأنا على الدوار اشتريت فاكهة الكيوي وراق لي العنب، فسألت عن سعره و منشئه ثم واصلت طريقي والكتابة في الأمر قد تطول، وأخذت أفكر في أبرز أسماء شوارعنا: النصر والجلاء وفلسطين وحطين والاستقلال وفيصل وعمر المختار وتونس والسكة و... والحكي "مش مثل الشوف".
المعارك توقفت ولسوف نعود في قادم الأيام لنمارس مهنتنا على أرض فلسطين . هل سنعود خلال السنوات القادمة "كافر سبت" في بيوت اليهود أم أن نبوءة بسام جرار ستتحقق وستنتهي إسرائيل في العام القادم، ولطالما رددنا قبل العام ألفين "تؤلف ولا تؤلفان" وغدا سأكتب عن مهنتنا في دولة أبناء عمنا "كافر سبت".
صباح الخير
خربشات
٢٧ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٣: الغوييم العرب ضرورة ملحة. إنهم "غوي شبات" الدولة

في روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" ١٩٧٤ يكتب إميل حبيبي عن الأيدي العاملة العربية في بناء الدولة العبرية وحاجة اليهود إليها، وهو أيضا ما كتبه (ابراهام يهوشع) في روايته "العاشق"، فالعمال العرب لا غنى عنهم، وكنت أمس أتيت على النداء الذي وجهه الكابتن الإسرائيلي إلى أهل الضفة الغربية يطالب فيه العمال، ممن يملكون تصاريح عمل، التوجه إلى أماكن عملهم والابتعاد عن نهج حماس التي قادت قطاع غزة إلى ما قادته إليه.
عندما احتلت العصابات الصهيونية مدينة حيفا في العام ١٩٤٨ طردت سكانها البالغ عددهم ٧٥ ألفا، وحين اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي (بن غوريون) بقائد حملة التطهير يسأله إن كان نظف المدينة من السكان العرب كلهم، أجابه بأن هناك بضعة آلاف ظلوا مقيمين، وإذ اقترح بن غوريون طردهم أجابه بأن هناك ضرورة ملحة لوجودهم، فمن سينظف الشوارع ويعمل في الأفران ويجلب الخضار؟!
صار وجود العرب ضرورة ملحة لا يمكن الاستغناء عنهم للقيام بأعمال لا يقوم بها اليهود. صاروا ببساطة "غوي شبات" أو "كافر سبت" حسب ترجمة عارف الحسيني للمصطلح، ولطالما كتبت عن هذا الموضوع.
لماذا إذن يرفع الحكام الاسرائيليون شعار "يهودية الدولة" ويطالبون بطرد العرب؟ ولماذا لا يطبقون حل "دولة لكل مواطنيها"، وهو عموما ما ستؤول إليه فلسطين آجلا أم عاجلا؟
فكرة "غوي شبات" أو "كافر سبت" لها حضورها في الأدبيات الفلسطينية، ولعلني سأكتب عنها مقال الأحد لدفاتر الأيام في جريدة الأيام الفلسطينية. ولأن مزاجي معكر، فسوف أقتبس الفقرة الآتية من رواية حبيبي المذكورة، لعلكم تضحكون فتنامون غير مبتئسين.
في الرسالة التي عنوانها "كيف سبقت العروبة الأصيلة، بالتشمير، عصر التشمير" نقرأ الآتي:
" إن آباء زخرون يعقوب اختلفوا يوما:
- هل من الحق، شرعا، أن يعاشر الرجل زوجه في السبت، أم أن الأمر عمل، مثله مثل بقية الأعمال التي لا تجوز في السبت، شرعا؟ فذهبوا إلى الحاخام ليقضي بينهم. هل الأمر عمل أم لذة؟ ففكر الحكم / الحاخام طويلا، ثم حكم أنه لذة. فهات برهانك؟ قال: لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب- الفرادسة!
فضحك يعقوب؛ لأنه يكره الاشكناز، وأنا لأنه ضحك.".
وفي رواية (يهوشع) يصف آدم صاحب الكراج يد العامل العربي نعيم بأنها من ذهب.
لماذا إذن تماطل الدولة العبرية ولا تختصر الصراع وتعلنها دولة لكل مواطنيها؟ لماذا تصر على يهودية الدولة؟
أمس جلست في مقهيين أربع ساعات أثرثر حول الموضوع وموضوعات أخرى، ولم تغب الحرب الأخيرة وما عليه أهل غزة في هذه الأيام عن الأحاديث.
في العام ١٩٧٤ أصدر محمود درويش كتابه "وداعا أيتها الحرب.. وداعا أيها السلم" ومنذ ذلك الحين لم نودع الحرب. ما ودعناه فقط هو السلم.
صباح الخير
خربشات
٢٨ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٤: عريس في بيتا و"إما الصعود وإما الصعود"

قبل ستة وثلاثين عاما كتب محمود درويش قصيدة عنوانها "صهيل على السفح" تتكون من تسعة أسطر يبدؤها بقوله:
"صهيل الخيول على السفح: إما الهبوط وإما الصعود"
ويكرر السطر الأول في منتصفها، ولكنه يختتمها بقوله:
"صهيل الخيول على السفح: إما الصعود.. وإما الصعود".
وكنت أتيت عليها قبل يومين ثلاثة واقتبست منها السطرين الثاني والثالث.
ما الذي أعادني أمس إليها ثانية؟
انشغلت أمس بمراجعة بعض الروايات والسير الذاتية التي ورد فيها حديث عن (غوي شبات) - أي كافر سبت، مثل سيرة حنا أبو حنا "مهر البومة" وبعض روايات إميل حبيبي وعارف الحسيني وسليم بركات، لأكتب مقال الأحد، وهو ما وعدت به في "ذاكرة أمس ٧٣"، وحال انشغالي دون انصرافي إلى شؤون الحياة العادية. ساعد فيما سبق حالة مزاجية سيئة أشعرتني بأنني مختل نفسيا.
شيء واحد أضحكني من باب "شر البلية" هو الخبر المتداول عن سفيرنا في إسبانيا الذي مكث هناك ستة عشر عاما دون أن يجيد الإسبانية محادثة، وعندما استضيف على فضائية إسبانية ليتحدث عن القضية الفلسطينية لم يتمكن - خلافا للسفير الإسرائيلي - من التعبير، فأساء لشعبه ولنفسه، ولا أعرف لم لم يتقاعد وقد بلغ الرابعة والسبعين . الخبر الذي أضحكني تلاه خبر أحزنني هو الذي ذكرني بالقصيدة، فقد ورد في الأخبار خبر استشهاد الشاب زكريا حمايل من قرية بيتا، ويبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاما، وكان الشاب المحامي عيسى برهم من القرية نفسها استشهد قبل أسبوعين.
زكريا ارتقى شهيدا؛ لأنه سار في مسيرة احتجاج ضد بؤرة استيطانية على جبل صبيح قرب قريته، وعيسى لأنه ناصر الأقصى وحي الشيخ جراح، وثمة إصرار فلسطيني على الصمود والبقاء والحفاظ على المقدسات الإسلامية و.. "وإما الصعود .. وإما الصعود"، وحكايتنا طويلة، ونحن أدرى، مثل المتنبي، وقد سأل بنجد:
"- أطويل طريقنا أم يطول؟".
ومرة أخرى أعود إلى محمود درويش وديوانه "ورد أقل" لأنقل منه ما يعتمل في نفوس الفلسطينيين:
"سأقطع هذا الطريق الطويل، وهذا الطريق الطويل، إلى آخره
إلى آخر القلب أقطع هذا الطريق الطويل الطويل الطويل".
وفي العام ١٩٩٣ كتبت نص "ليل الضفة الطويل"، معتقدا أن ليلنا فقط هو الطويل، إلى أن صرت أقرأ في مقالات الكاتب اللبناني Khoury Elias عبارة "ليل العرب الطويل"، فأدركت أننا لسنا ، والحمد لله، استثناء.
الله المستعان به.
صباح الخير
خربشات
٢٩ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٥: سمك لبن تمر هندي

لم يشدني أمس موضوع محدد أركز تفكيري فيه.
استمعت في الصباح إلى مقطع من خطاب يحيى السنوار الأخير، فتساءلت إن كانت حماس هي حصان الفلسطينيين الجديد الذي قرأت عنه في قصيدة محمود درويش "صهيل على السفح":
"أعد لسيدتي صورتي. مزقي صورتي حين يصهل فيك حصان جديد".
هل أفلت شمس فتح وغربت وأشرقت شمس حماس؟
وفي الصباح قرأت فقرة كتبها الكاتب شجاع الصفدي يخبرنا فيها أنه سيتوقف عن الكتابة إلى حين، ليتفرغ إلى القراءة. هل شعر بالملل من تكرار الكتابة الناجم عن الكتابة في الموضوع نفسه، فالحرب تكرر اندلاعها في غزة منذ ٢٠٠٧ خمس مرات؟ ووجدتني أعقب على كتابته بسطر شعري من قصيدة "لا شيء يعجبني" للشاعر نفسه:
" أنا مثلهم لا شيء يعجبني ، ولكني تعبت من السفر".
وسرعان ما خرجت من البيت فقد تعبت من الجلوس فيه.
سرت في السوق الشرقي فلاحظت جنازة لم يزد عدد المشاركين فيها عن عشرة، ما جعلني مرة ثالثة أتذكر قصيدة ثالثة للشاعر هي "لا أعرف الرجل الغريب" التي مطلعها:
"لا أعرف الشخص الغريب ولا مآثره ...
رأيت جنازة فمشيت خلف النعش،
مثل الآخرين مطأطيء الرأس احتراما"
ولم أسر خلف النعش ولم اطأطيء الرأس ولم أسأل عن الميت وسبب موته، [فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة]، وواصلت طريقي لأجلس على مقهى رصيف وأشرب شايا بنعناع.
وأنا في الطريق إلى البيت أرسل إلي الصديق Khaleel Adnan رسالة عبر الماسنجر فيها صورة الصديق محمود ابو العز كتب نعيه أسفلها. هل كانت الجنازة جنازته والنعش نعشه وكنت أعرف الشخص؟
من السوق الشرقي اشتريت كيلو فقوس بخمسة شواكل وضمة نعنع بشيكل، وكنت الخميس اشتريت الكيلو من غرب المدينة بثمانية شواكل وضمة النعنع بشيكلين.
في ساعات الظهيرة أرسل إلي الصديق محمد علي رابطا لأنظر في صفحته المخصصة للشاعر مظفر النواب.
بدا الشاعر، بسبب التقدم في العمر ، شاحبا هزيلا ما دفعني للاستفسار عن صحته ورعايته ومكان إقامته، فهو شاعر له حضوره في الأرض المحتلة ، وفي الأسابيع الأخيرة حضر سطره "القدس عروس عروبتكم" كما لم يحضر سطر آخر كتب في القدس. (منذ فترة أبحث عن نسختي من "وتريات ليلية" فلا أعثر عليها. كأن يدا مخابراتية امتدت إليها، فصادرتها).
وأنا أشاهد مباراة (تشلسي ومان سيتي) على بطولة دوري أبطال أوروبا لاحظت حضور جماهير رياضية كان كثير من الحاضرين بلا كمامات، فتذكرت كلام سائق حافلة الصباح حول الكورونا. هل انتهت الكورونا إلى غير رجعة؟ قال السائق إن التشديد على إجراءات الوقاية شبه انتهى.
فاز الألماني (توخال) وفريقه تشلسي على (غوارديولا) وفريقه مانشستر سيتي، فمن انتصر في حرب غزة؟
صباح الخير
خربشات
٣٠ / ٥ / ٢٠٢١

**
- ذاكرة أمس ٧٦: سرقة قبة الصخرة والمسجد الأقصى

أمس صباحا أعدت قراءة قصة القاص أكرم هنية "بعد الحصار... قبل الشمس بقليل" التي كتبها في العام ١٩٧٩ وظهرت في مجموعته الأولى "السفينة الأخيرة.. الميناء الأخير".
سبب إعادة القراءة هو أنني سأتحدث عن العجائبي في القصة القصيرة الفلسطينية في مؤتمر سيعقد يوم الأربعاء، في معهد القاسمي في باقة الغربية، يركز على العجائبي في الأدب.
ويخيل إلي أن قراءة القصة في هذه الفترة تبدو ملائمة جدا، فاقتحام الأقصى - عدا حصار حي الشيخ جراح - كان الفتيل الذي أشعل الحرب الأخيرة.
غير مرة كتبت عن هذه القصة؛ كتبت عنها في رسالة الماجستير (١٩٨٢) وكتبت عنها وأنا أدرس مساق الأدب الفلسطيني، وكتبت عنها وأنا أدرس مساق القدس في الأدب العربي، وغالبا ما كنت أناقش فكرة النبوءة في الأدب من خلالها.
ما تخيله القاص في ١٩٧٩ يحدث ببطء منذ أحداث النفق في ١٩٩٦، فالإسرائيليون منذ عقود يحفرون تحت قبة الصخرة والمسجد الأقصى ، وقد يأتي يوم ينهاران فيه، فيختفيان ويصحو أهل القدس فلا يجدانهما، وقد يعيد الإسرائيليون بناء هيكلهم مكانهما.
غالبا في أثناء حديثي عن الخيالي الذي يتحول إلى واقعي ما أتوقف أمام رواية الأب المؤسس للصهيونية (ثيودور هرتسل) "أرض قديمة - جديدة" الصادرة في ١٩٠٢؛ الرواية التي جعل لها عنوانا فرعيا هو "إذا أردتم فإنها ليست خرافة" وتبنى الرواية كلها على حلم هو إقامة الدولة اليهودية خلال عشرين عاما.
عندما طبعت دار نشر إسرائيلية ، في ستينيات القرن العشرين ، رواية (هرتسل)، مترجمة إلى العربية، زينتها بصور لفلسطين تظهر من خلالها كيف كانت قبل الاستيطان اليهودي لها وكيف صارت بعد إقامة الدولة الإسرائيلية. ما كان حلما صار واقعا.
عندما انتصرت إسرائيل على ثلاث دول عربية في حزيران ١٩٦٧ صارت تكرر مقولات مثل "إسرائيل خلقت لتبقى" واعتقد كثيرون من العرب بتلك المقولات إلى أن جاء من تنبأ بزوال دولة إسرائيل في العام ٢٠٢٢، ولم يأخذ كثيرون بنبوءته إلا في أيام الحرب الأخيرة. صار كثيرون يكررون مقولة الشيخ حسن نصرالله "إسرائيل أوهى من بيت العنكبوت"، واحتفل كثيرون بالانتصار، وربما هم الآن ينتظرون بفارغ الصبر تحققها، ولا أعرف إن كان زوال الدولة سيكون في بداية العام ٢٠٢٢ أم في نهايته؟ وإن كان سيتحقق في ٢٠٢٢ ميلادية أم في ٢٠٢٢ هجرية، فلطالما كرر بعض المسلمين، قبل حلول العام ٢٠٠٠، مقولة "تؤلف ولا تؤلفان"، فلما انتهى العام ٢٠٠٠ و"ألفت/ ان" - يعني انتهى ألفا عام ولم يغرب العالم، ردد هؤلاء أن المقصود بالمقولة هو التاريخ الهجري لا الميلادي.
من يدري ما تخبئه الأيام لنا، فكما كتب (هرتسل) "إذا أردتم فإنها ليست خرافة" وتحقق ما تنبأ به وعمل من أجله هو وأنصاره، فقد يتحقق للسيد حسن نصرالله ما قاله "أوهى من بيت العنكبوت".
وعودة إلى قصة أكرم هنية.
كان الفلسطينيون / المقدسيون يائسون من العالم العربي، فسخروا من ردود الأفعال العربية إزاء حدث اختفاء الصخرة والأقصى، وراهنوا على أنفسهم، وهو ما بدا في الخاتمة، وهو ما بدا في في الأسابيع الأخيرة، مع فارق.
هذه المرة كان هناك من أطلق صواريخه نجدة للأقصى، وغالبا ما يخطر ببالي أشياء غريبة أمام هذا التطور التكنولوجي الرهيب والمتسارع:
- ماذا لو امتلكت حماس أو فصيل فلسطيني آخر أسلحة كيماوية؟ هل ستتردد في استخدامها إذا ما واصلت الطائرات الإسرائيلية تسوية غزة بالأرض؟
من هو رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي قال:
- لو كان لدينا في الحرب العالمية الثانية قنبلة نووية لما ترددنا في استخدامها ضد النازية!!
في رواية أسعد الأسعد الأخيرة "دروب المراثي" ٢٠٢٠ يصحو مراد فلا يجد في فلسطين سكانا؛ لا عربا ولا يهودا ويسير في شوارع القدس ويافا مع الشابة اليهودية التي رآها على شاطيء البحر.
هل سنصحو يوما ولا نجد "إرم" التي لم يخلق مثلها في البلاد؟
بدأت أهذي. سامحوني.
صباح الخير
خربشات
٣١ / ٥ / ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٧: "وأهل غزة يحبون الحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلا"

ربما تتذكرون قصيدة محمود درويش "ونحن نحب الحياة" ونصها هو:
"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونرقص بين شهيدين، نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا
نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونسرق من دودة القز خيطا لنبني سماء لنا ونسيج هذا الرحيلا
ونفتح باب الحديقة كي يخرج الياسمين إلى الطرقات نهارا جميلا
نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونزرع حيث أقمنا نباتا سريع النمو، ونحصد حيث أقمنا قتيلا
وننفخ في الناي لون البعيد البعيد، ونرسم فوق تراب الممر صهيلا
ونكتب أسماءنا حجرا حجرا، أيها البرق أوضح لنا الليل، أوضح قليلا
نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا"
أمس تذكرت شخصيا هذه القصيدة التي يكرر كثيرون منا سطرا واحدا منها تكرارا شبه يومي "ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا".
سبب تذكري هو نشر أصدقاء عديدين لي ، من غزة، صورة لأهل القطاع وقد افترشوا شاطيء البحر وسرحوا ومرحوا وسبحوا ولعبوا وفرفشوا و... و... وعيدوا أيضا. إذ بدأ أنهم أجلوا عيدهم، بسبب الحرب، ولم ينسوه، فخرجوا إلى شاطيء البحر زرافات ووحدانا، حتى ليخيل إليك أنه لم يبق منهم في بيوتهم أحد، من كان له بيت ومن فقد البيت بسبب الحرب.
استوحى الشاعر فكرة قصيدته من أجواء حرب لبنان ١٩٨٢ ، ففي وقت الهدنة كان أهل بيروت يخرجون من بيوتهم ويذهبون إلى الشاطيء ليحتفلوا بالحياة، فمن لم يتزوج تزوج، ومن لم يلتق بالأهل والأصدقاء التقى بهم وهلم جرا . وأعتقد أن الشاعر الذي لم يكن شاهدا على أي حرب من حروب غزة الأربعة الأخيرة، أعتقد أنه لو امتد به العمر وشاهد ما شاهدنا من صور لقرأ قصيدته المذكورة ، أو لكتب قصيدة على غرارها.
من الذين أدرجوا الصورة على صفحتهم الصديق Riyad Awad، فقد ذهل من المشهد وطلب من متابعيه توضيحا للظاهرة وتفسيرا لها، وكنت واحدا ممن عقبوا ذاهبا إلى أن أهل غزة يحبون الحرية والحياة ما استطاعوا إليها سبيلا.
وأمس توقف الصديق نفسه أمام بعض مطالب أهل غزة في المفاوضات التي قد تجري بين المتحاربين، فعلقت خالطا الجد بالهزل، حيث بدوت متطرفا وراديكاليا أكثر من حركتي حماس والجهاد، بل ومن وديع حداد وجورج حبش في أوج قوة الثورة وذروتها يوم ناشدت بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر وترحيل المستوطنين الغزاة إلى أوروبا. حقا لماذا لا يدفع الإسرائيليون لنا تعويضات عن خسائرنا كلها منذ ١٩٤٨ إلى الآن، كما دفعت ألمانيا لضحايا الهولوكست من أبناء العمومة؟
ألم أكتب إنني أكتب في (الوساع).
الشيخ جراح ما زال محاصرا، بل إن حصاره اشتد وازداد، ولم نتابع ما جرى مع معتقلي حيفا ويافا وعكا وباقة الغربية وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية، كما لم نتابع أخبار الكورونا واللقاح إلا متابعة عابرة. هل صارت الكورونا عابرة في كلام عابر؟ وماذا إن كانت موجودة في غزة؟ هل الكورونا موجودة هناك أم أنها أصيبت بالرعب فعادت من حيث جاءت ولم تجد صواريخ قبتها الحديدية أمام منظومة صواريخ حماس؟
أول أمس قال لي أبو فراس إنه يفكر في تأليف كتاب عن الكورونا وتأثيرها في جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وطلبت منه أن يضيف إليها جوانب أخرى مثل الجانب الأدبي والأخلاقي والنفسي، فسألني:
- هل من تأثير لها على الجانب الأخلاقي؟
ضاقت أخلاقنا في أيام الكورونا "وأخلاق الرجال تضيق"، وكذلك أخلاق النساء، وصرنا عصبيي المزاج متوترين حذرين بخلاء لقلة ما في اليد ...إلخ، وما من شك أن تأثيرها على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمتد بدوره ليشمل الأخلاق. أليس كذلك؟
صباح الخير يا أبو فراس خالد نايف داود وخذ النكتة الآتية :
أراد رجل أن يتزوج من امرأة ثانية. عندما قدمت له زوجته الطعام والشراب خاطبها - لكي يبرر اقدامه على مشروعه - قائلا لها إنها ما عادت تجيد الطبيخ وصنع القهوة والشاي فلا طعم للطبيخ ولا مذاق للشاي، واستغربت من كلامه، ثم عرفت السبب، فاتصلت بالاسعاف طالبة من الجهات الصحية أن تأتي إلى بيتها لأخذ زوجها المصاب بالكورونا، إذ فقد حاستي الذوق والشم.
كان حزيران شهر الهزيمة وعد كثيرون شهر أيار شهر النصر. اللهم استر من اليوم ولمدة ثلاثين يوما.
صباح الخير
خربشات
١ حزيران ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٨ : خسائرهم وخسائرنا

مرة كتبت مقالا عنوانه "كلاب في الذاكرة" أتيت فيه على الكلب في أعمال أدبية قرأتها وظلت صورته عالقة في الذاكرة، وغالبا ما رسم له فيها صورة إيجابية، ومن تلك الأعمال قصة كتبتها أنا عنوانها "كأس نبيذ حزنا على موت الكلب" وجعلت الكلب في عنوانها معرفة، لأنني عرفته جيدا، فقد كان أحد أفراد الأسرة التي أقمت معها. ولا ضرورة للخوض من جديد في تفاصيل المقال، إذ يمكن لأي من القراء كتابة عنوانه على (غوغل) ليجده بين يديه وأمام ناظريه .
هل غابت الكلاب عن مشهد الحرب الأخيرة؟
وأنا أتابع ما يعمم من أشرطة فيديو سمعت رأي امرأة أجنبية تعبر عن موقفها من الحرب.
المرأة التي تعاطفت مع الجانب الإسرائيلي لم تشهد الحرب وكل ما عرفته عنها كان من خلال رسائل ابنها وزوجته المقيمين في تل أبيب، فقد أخبرها أنه وزوجته بخير، وأنهما لم يعانيا الكثير فقد كانا في الملاجيء، خلافا لكلبهما الذي صار، من صوت الصواريخ، قلقا ومضطربا. أي والله.
هل ستطالب إسرائيل في مفاوضاتها القادمة حول الحرب بتعويضات لمعاناة الكلب؟
كل شيء جائز وممكن، وكثيرا ما كتب محمود درويش عن حمار بلعام الذي تثأر له إسرائيل وتجيز بسببه قتل العرب، وكان الحمار ، إن لم تخني الذاكرة، قتل قبل ألفي عام.
في هذه الأيام يكتب بعض الغزيين عما تعانيه مدينتهم وعما ينقصها ويجب الالتفات إليه في مفاوضات الإعمار. مثلا يجب ألا يغفل عن بناء دور سينما في غزة، فهي تفتقد إلى هذا، ويجب أيضا أخذ صوت الزنانات بعين الاعتبار، فهي تزن تزن تزن ليل نهار، مثلها مثل البعوض وأكثر و... و... وماذا ينقص غزة؟
هل ذكرت رندة عبد الفتاح التي ردت على السيدة الأجنبية معددة خسائر أهل القطاع، هل ذكرت خسائرهم في الحيوانات الأليفة؟ أعني القطط المنزلية والكلاب والمواشي و...؟
إن لم تخني الذاكرة فإن عنوان رواية وفاء أبو شميس Wafa Abushmais عن حرب ٢٠١٤ كان "عينا قط أسود" ولعلها تنشرها عما قريب.
يقولون "شر البلية ما يضحك" وفي الحرب ثمة ما يضحك أيضا. ثمة شر بلية. سويت مباني كثيرة في غزة بالأرض وشرد عشرات الآلاف من أصحابها ومات من مات وجرح من جرح، وكل ما أحزن السيدة الأجنبية وابنها هو التوتر النفسي الذي انتاب الكلب.
مرة كتب مظفر النواب عن القطط الأوروبية الآتي:
"يأكل قط ما يشبع عائلة في عدن".
صباح الخير
خربشات
٢ حزيران ٢٠٢١

**

- ذاكرة أمس ٧٩: تغذية الحقد والعنصرية وحصاد الصواريخ والدمار

أمس الأول أرسل إلي الصديق Ziad Ameireh شريط فيديو يتحدث فيه مدير مدرسة ثانوية في تل أبيب عن نظرته إلى العرب ويوضح السبب الذي من أجله يقتل الجنود الإسرائيليون الفلسطينيين بلا رحمة، كما لو أن الأخيرين حشرات . إنهم - أي الجنود الإسرائيليين - حين تضغط أصابعهم على الزناد يصوبون على حشرات وأكوام زبالة لا تساوي شيئا، ولهذا فهم لا يشعرون بتأنيب ضمير إطلاقا. إن من قتل ليس إلا حشرة، والحشرات المزعجة يجب التخلص منها.
رام كوهين يقول إن العرب أقل من اليهود، وهذا شيء لا يشعره بالخجل. إنه يعلم طلابه هذا، ولهذا فإنهم حين يصبحون جنودا يطلقون النار بخفة متناهية.
هل أخطأ محمود درويش حين نطق باسم الهنود الحمر في قصيدته "خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض"؟
ألم ينطق في الوقت نفسه باسم الفلسطينيين أمام الرجل الصهيوني؟
هل نبالغ أو نشتط إذا ما جعلنا العنوان على النحو الآتي:
"خطبة الفلسطيني الحنطي ما قبل الأخيرة أمام اليهودي الأبيض الصهيوني؟".
لا أعرف إن كان القراء يعرفون أن اليهود أيضا عدوا أنفسهم، ذات يوم، هنود العالم الحمر. لقد قرأت هذا من عقود في مجلة "مفجاش / لقاء" - إن لم تخني الذاكرة - التي كان يشرف على إصدارها المرحوم الشاعر محمد حمزة غنايم.
كم من دراسة نشرت عن صورة الفلسطيني والعربي في المناهج المدرسية الإسرائيلية؟
حسب ما أعرف فإن هناك كتابا صدر عن مركز "مدار " في رام الله.
الشريط الذي أرسله إلي الصديق ليس الشريط الأول الذي أشاهده وأصغي إلى المتكلم فيه. هناك شريط ثان عمم منذ عام تقريبا، وأعيد توزيعه خلال الأسبوعين الأخيرين عن مدرسة أطفال يهودية في القدس يوجه إليهم فيه الأسئلة الآتية:
- لمن القدس؟
- هل سيعاد بناء الهيكل؟
- كيف تنظرون إلى العرب؟
- هل التقيتم بعربي ذات يوم؟
- وإذا التقيتم به فماذا تفعلون به؟
- ما شكل العلاقة بين اليهود والعرب؟
ولم يشذ في إجابته عن بقية زملائه إلا طفل واحد أبدى مشاعر شبه إيجابية نحو العرب، أما بقية الأطفال فرأوا أن العرب يجب ان يكونوا عبيدا لليهود، وأنه يجب هدم الأقصى وإقامة الهيكل مكانه، وأن القدس لليهود ويجب طرد العرب منها أو يعيشوا فيها عبيدا. العرب عبيد لليهود وهم أقل مكانة.
في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، عندما كنا نقرأ ونحن يساريون، ما يشاع عن كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" كنا نأخذ بالرأي الذي يقول إنه كتاب وضعه أعداء اليهود على لسان اليهود الصهيونيين ليسيئوا إليهم.
الشريطان اللذان شاهدتهما وأصغيت إليهما قالا لي شيئا آخر هو إن كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" هو من تأليف يهود صهيونيين مثل مدير المدرسة اليهودية في تل أبيب (رام كوهين) ومثل المشرفين على روضة الأطفال اليهودية في القدس. طبعا يجب ألا أعمم فأطلق القول في اليهود كلهم، فثمة ستة ملايين يهودي في العالم لا صلة لهم بما قاله رام كوهين وبما علم به معلمو الحضانة / المدرسة الابتدائية أطفالهم. وأيضا ثمة يهود مثل (ايلان بابيه) ويهود مثل يهود (ناطوري كارتا) هم أبرياء من كلام كهذا ومن تربية كهذه.
هل يوجد بيننا من ينعت اليهود قاطبة بأنهم حشرات وحثالات بشرية وأقل شعوب الأرض ويجب إبادتهم؟
للأسف فإن هؤلاء أيضا موجودون، وثمة أدبيات فلسطينية لا تخلو من هذا ربما تكتب تحت وطأة واقع الفلسطينيين المأساوي الناتج عن طردهم من ديارهم في العام ١٩٤٨ وما نتج عنه من شتات مرعب واحتلالات متواصلة.
سوف أبكي كما بكى صاحب امريء القيس وهما في الطريق إلى بلاد الروم، سوف أبكي فالطريق طويل طويل. هل تذكرون بيتي امريء القيس:
"بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه،
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما
نحاول ملكا، أو نموت فنعذرا"؟.
الحق كل الحق على بلفور وستالين وهرتسل وبن غوريون و.. و.. و" دبرها يا مستر دل".
ألسبب السابق ذهب السفير الإماراتي إلى الحاخام ليباركه ويطرد شياطين الفلسطينيين من رأسه؟
الطريق طويل طويل طويل!!
صباح الخير
خربشات
٣ حزيران ٢٠٢١

**

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى