عمر سيدي محمد - "لِبْلُوحْ" التَّسمين القسري للبنات

"يا ربِّ لا ابْگَ گَرْنْ" هذا دعاء يأتي على لسان كل بنت وهي في مرحلة "لِبْلُوحْ" المروعة والتي كانت متَّبعة في منطقتنا بقسوة لامثيل لها.
قليل من أسر الزوايا هي التي تهتم بتعليم البنات والحرص على إكمالهن حفظ القرآن الكريم ناهيكم عمّا وراء ذلكم من تعلّم اللغة. وعليه فالهدف الأكبر هو إنبات الجسم عن طريق "لبِْلُوحْ" ويكون ذلك بعد حفظ عدة أحزاب وتعلم أحكام الطهارة واللازم في المرحلة من فروض العين.
"لِبْلُوحْ" كلمة مخيفة جدا لأنها تعني الألم وشرب كمية كبيرة من حليب البقر من الفجر حتى وقت متأخر من الليل. تسمّى البنت "لِمْبَلّْحَه" وتطلق نفس الكلمة على السيدة التي تتولى الإشراف عليها، إذ هناك نساء (اعْلَيَاتْ) عندهن خبرة عالية في فنّ "لِبْلُوحْ"
وعند ذكر الاثنتين معا فإن البنت تدعى "المُبَلّحه" بضم الميم وذلك أن اسم المفعول المشتق من المزيد من المواضع التي تبدأ الحسّانية فيها بمتحرك.
الذي يتبادر للذهن أن الكلمة مشتقة من البَلْحَة التي يسعى صاحب النخل جاهدا في سقيه والاعتناء به لتكون البلحة كاملة وافية حيث أنه يتوقف على ذلك جودة البسر والتمر وكذلك البنت تُسقى من الحليب ما يجعل منها قاعدة لامرأة في المستقبل.
قد تتفنَّنُ "لِمْبَلّْحه" في نظام غذاء "المُبلحة" فتارة الحليب والحليب فقط وتارة الحليب مع الكسكسي الرقيق "باسي" وحينا تسقيها سمن البقر. تمنعها من أي حركة رياضية كالمشي لمسافة طويلة، وأما السباحة "العوم" فهي من الكبائر وجزاؤها أن تزيد لها في الحليب تأديبا لها.
بصراحة هو وضع لا يمكن تحمله وترى البنتَ قد فقدت شعورها بإنسانيتها، تراها تسترق النظر لعلها تجد رحمة في أي وجه من أهلها وإن تستغث بأي منهم فإن العقوبة زيادة الحليب المخصص لها.
إذا شربت البنت المخصص لها من الحليب فإنها تُعطى زيادة وإن عجزت عن شرب المخصص لها فإن التعذيب هو جزاؤها. تبدأ تلك المرأة التي قد نزعت الرحمة من قلبها، تبدأ بالزجر والتهديد ثم بضرب خفيف بعصًى رقيقة نسميها "أَمِجْلَادْ" مخصصة للجَلْدِ، ثم تنتقل بعد ذلك لآلة مخيفة كأنها كمّاشة توضع حول قدم البنت الصغيرة ويبدأ الضغط المؤلم جدا وبتدرج حتى تشرب كل ذلك الحليب، إنه "الزَّيَّارْ" المرعب جدا والذي لا تكاد تلقى امرأة من ذلك الجيل إلا وفي رجلها أثر من ذلك المرعب "الزَّيَّارْ" كما تُبقي "كُورَه" أثرها في وجوه شباب ذلك الزمان حتى أن بعضهم قد يفقد إحدى عينيه.
رغم الحصار المضروب على البنت "المُبَلّحه" إلا أنها تحاول جاهدة التخلص من جزء من الحليب بما نسميه "غش لِمْبَلّْحه" ويتمثل أساسا فيمن يساعدها من الذين بقيت فيهم إنسانية رغم أنهم قد يشتركون أحيانا في حملة تعذيبها حتى لا يتهمهم أحد، قد يُوكل لأحدهم الضغط على الزَّيَّارْ، فيتظاهر بذلك ولكنه لا يفعل، وتتعالى صرخات البنت رغم أنها لا تتألم، هي استثناءات نادرة. استغلال الفرص النادرة بخطف كمية من الحليب بطريقة ذكية وصبها في حفرة بمكان آمن حتى لا يفضح النّمل أمرهما. وَيْلٌ لتلك البنت المُبَلّحه لو تبعتها أي شاة داجن "تَاسِنْبَايِتْ"أو صهلت "هَرِگْمِتْ" فرس لرؤيتها، أو جاء كلب من الحي يهز ذيله احتفاء بها، كل ذلك يعني أنها قد أعطت من الحليب للداجن أو الفرس أو الكلب "دَگْدَاگْ"...
تفرح البنت المُبلحة بيوم الارتحال من مكان إلى مكان فهي فرصة لتلتقي بناس لم ترهم لأكثر من شهرين أو أكثر، وهي فرصة لتركب في هودجها على ثورها حالمة باليوم الذي تُزَفُّ فيه عروسا وتطوي صفحة لِبْلُوحْ.
لماذا "لِبْلُوحْ"؟؟؟
سؤال جوابه قد لا يكون مقنعا، غير أن لكل مجتمع عاداتٍ وتقاليد من الصعب أن يفهمها غيره. وفي مجتمعنا قد انطبع في الذاكرة الجماعية للمجتمع أن المرأة هي الممتلئة ولكن بطريقة تحافظ معها على طابع أنوثتها كاملة بعيدا عن البدانة المكتسبة من أكل الأطعمة والتي نسميها "الزّنِينَه" وينتج عنها امرأة سمينة ولكن كالبرميل، وأما الرجل في مجتمعنا فهو النحيف الخفيف الذي يشبه الغزال في سرعته ونشاطه.
رغم كل هذا يبقى لِبْلُوحْ عملية غير صحية وتخلف آثارا سلبية خطيرة على صحة البنت حتى ولو صاحب ذلك آثار إيجابية على نفسيتها حيث أنها تبدو فيما يُرْضي المجتمع فيقال " لابْسَه درَّاعة من التِّبْطَاطْ"
لقد أصبحت البنت بعد لِبْلُوحْ جاهزة للزواج الذي سينقذها من لبلوح، ولبلوح هو الذي رشّحها للزواج ودخول "لِخْطَيْرْ"...



- يوميات فتًى من صنهاجة (الحلقة السادسة)..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى