أمال أرأيا - السودان.. دياري!

أخبرتكم من قبل ان والدتي مناضلة من الرعيل الأول للثورة الإرترية، وكشأن جميع مناضلي تلك الفترة تميزت والدتي بشعور وطني قوي جدا، فقد أمنت منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدميها للتراب السوداني بأنها مجرد غربة مؤقتة ولابد لها من العودة إلى وطنها ومرتع طفولتها وصباها يوما ما.
ما لم تضعه والدتي في الإعتبار هو وقوعها في حب السودان وشعبه بملء جوارحها وإرادتها، لدرجة جعلتها ترفض رفضا باتا كل المحاولات والفرص التي أتيحت لها للجوء إلى بلاد الغرب والاستقرار فيها كما فعل البعض من رفاقها من المناضلين القدامي.
لم تكن الحياة في السودان سهلة بالنسبة لها كأرملة عانت من إصابة خطيرة وام لأطفال صغار. لقد قاست وعانت الأمرين حتى توفر لنا حياة كريمة ولم يخفف عنها ثقل تلك المسؤولية سوى جيراننا من السودانيين الطيبين الذين فتحوا لنا قلوبهم قبل منازلهم بإعتبارنا أفراد من أسرهم.
نعم، لم تتوقف والدتي عن تعليل نفسها بالآمال بأن الحرية قادمة لا محالة ولكنها كانت على ثقة تامة بأنها تعيش وسط اهلها ووطنها وليس عليها القلق على مصير أبنائها من وحشة الغربة لأنهم امنين في ديارهم وبين أهلهم.
تحررت ارتريا وعدنا برفقة والدتنا إلى أرض الوطن المستقل، بعد ان قمنا بتوديع الأصدقاء والمعارف وإنهاء جميع الارتباطات بحزن شديد. مضت السنين بطيئة ومشاعر الإشتياق والحنين لهذه الارض وشعبه كبرت معنا وازداد حجمها وغلاتها ولم يمض وقت طويل قبل ان أعود أنا أيضا مره أخرى إلى دياري السودان.
لم أتمكن خلال السنين المنصرمة من فهم مقدار الحب الكبير الذي تكنه والدتي لهذه الأرض بالرغم من معاناتها حينذاك من العوز والمرض وكفاحها المستمر فيه وكيف ان كل ذلك لم يزدها سوى حبا عميقا وتقديرا كبيرا للسودان وشعبه تماما كما أفعل أنا والكثيرين مثلي الآن في هذه اللحظة.
يكاد الحزن ان يمزق قلبى كلما إرتفعت أصوات دوي الأسلحة الثقيلة حولي وازيز الطائرات الحربية فوقي. ان عيناي تبكي ألما وانا أرى أوهام الإنقسام تهدد وجوده والحروب تأكل أوصاله وأبنائه الأوفياء يقدمون أرواحهم رخيصة يوميا فداء له.
اللهم ان حب السودان وشعبه يجري مجري الدم في جسدنا ويسيطر الألم الشديد والوجوم على أرواحنا واحاسيسنا وتفكيرنا في هذه الأيام المشؤومة التي تمر عليه، والتي قتلت فرحة العيد في قلوب أبنائه ومحبيه داخله وخارجه.
اللهم أحمي السودان من الفتن وأحقن دماء أبنائه وأمن خوفهم واصلح ذات بينهم يا رب العالمين.


أمال أرأيا



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى