مقتطف كاظم حسن سعيد - رواية حي سليطة ج1

ج1

مقدمة
ليست ولادة قيصرية ولا علاقة جدلية , ولد ونشا حي سليطة بقوة الازميل , تشذيب عشوائي ,امتد لسنوات ,حتى لم يعد ساكنوه او اغلبهم يتذكرون جذورهم ,هل يمكن لاحد ان يرى بذورا مبعثرة في مكان فيتخيل الغابة . قليل من يتذكرون المراود والظهور المقوسة , المناجل والثياب المرقعة ,المعاول والاوبئة ,الحصاد والمطحنة, لقد غادر اجدادهم الحقول من زمان بعيد , ودخل ابناؤهم معتقلات المصانع واتقنوا القتال في البزات الخاكية الضوئية ,اوانتشروا في المقاهي تقضمهم البطالة او امتهنوا البسطات او البقالة او حرفا اخرى ,ابعد ما تكون عن الناعوروالعناية بالعثوق ,,,,ربما ظهر جنين هذا الحي منذ وصول اول جرافة تشق شارع الفقيه وسط غابة النخيل, وانقرض الطنطل من المضادات,من الصعب ان تكتشف البصمات,تظافرت الطبيعة ونمو التجارة والهجرة الجماعية من ارياف المدن والمحافظات المجاورة ومشاريع الغزاة واستقام هذا الحي على سواق طمرت وقناطر بليت , وجذوع تفسخت , رحل عنه ساكنوه الاوائل الا بعض الاسر الراسخة واستوطنه غرباء ولا نتمكن من التاكد هل ان اسم الحي مر بتحولات كثيرة او ان امراة رغم بساطتها تمكنت من حفر اسمها واطلق على الحي.وهل كان مساحة واسعة وقسم لاحياء لها اسماء متنوعة : في مساحة محدودة ازدحمت اديان وطوائف , جهلة ومفكرو ن , ومقابر سيكية وانكليزية وللاطفال وانشئت سبع معامل ومرت سكك حديد وتجاورت البيوت الريفية والحضارية وانشئت تنظيمات سرية انطلق فنانون وادباء وتركت الحروب بصمتهاعلى الاجساد وناحت امهات على اطفالهن الغرقى في النهر الذي يسور الحي اوعلى من قضوا في حروب الجبال,مر الجلادون فصفقوا لهم والطيور المهاجرة فطاردوها ,وتليت الايات فجنوا منها طقوسها , ومر في الحى (قراء كف ,وخاطفات الصغار ,وهاربات من سكاكين الاهل ,ولجا اليه من هربوا من جهنم الثار ,), وانتظر الاهالي الفرج فتوالت الانقلابات وسمنت جثة الوعود وبقوا في قبضة الجوع والحرمان.وتضخمت في ارواحهم النكبات وازدحمت اعينهم بالدموع ,فسودوا في عاشوراء ,وكوت ظهورهم الزناجيل وشجت رؤوسهم القامات وحفروا باللطم الصدوروهانت عليهم المصائب,وتمكنت صائدات الرجال من اختراق قوة الجدران وقنصت الطرائد,مضت ثلاثة قرون منذ سكنه حكماء وربما امتهنوا الطب الفطري وليس استنباط الحكمة,حي قدره مجاعة الروح والبدن والحرائق ,فاعمارهم وبيوتهم فرهود وهم يتمسكون بالامل وتمرسوا بنعمة الصبر والبساطة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شارع الفقيه

تنتصب تلك الاعمدة شبه الاسطوانية فى الجزرات الوسطية الصغيرة على ابعاد متساوية,اشجار قلعت من غاباتها وجردوها من اغصانها ونقلوها عبر البحار لتعين في وظيفة اخرى ــ حمل الاسلاك الكهربائية والمصابيح ــ ,صيفا تتهدل منها الاسلاك النحاسية التى تسندها …الان تثبتها قساوة الاسمنت بدل الجذور وخصوبة الارض , علقت فى قممها مصابيح باهتة تحميها مظلات صغيرة صدئة , كثيرا ما ترى سلمان ـاطول رجل في الحي ـ في بدلته الزرقاء يعتلي سلما خشبيا ويصلح سلكا معطوبا او يستبدل مصباحا, وقد امسك له السلم عامل يدخن التبغ الملفوف ,(سيشاهد بعد ثلاثين عاما كقصبة تجوب ازقة العشار , ساهما يغطس يده في جيوبه لعله يعثر على نقود ليتناول الكبة ,شبه بشري مهملا وخارج تغطية الحياة ) . تنتشر على الرصيفين مظلات حمراء تتوقف عندها باصات المصلحة الحكومية الحمراء ويمكن لهذه الحافلات ان تتوقف وسط المسافة بين مظلتين اذا نادى احد بصوت مرتفع على السائق : (اختياري ). ) .
قرب جسر شيد من الخرسانة على انقاض جسر خشبي
ينثني النهر ويمضى مسافة مائتي متر قبل ان يتوقف قبيل بوابة علقت في اعلى دعامته لوحة مذهبة حفر عليها باللغتين :العربية والانكليزية : (ماكنة السوس ) تتمكن الدوب من دخول هذا الفرع من النهر وتمتد خشبة قاسية منها الى الجرف …هنالك ترى عمالا اشداء تنوء ظهورهم من كتل السوس المكبوسة وقد مدوا ايديهم على الكتفين وامسكوها بكلاب وهم يعبرون بها على خشبة صلبة تهتز ليرموها الى قلب الدوبة العميق . فيتم نقلها الى بواخر تنتظرها في شط العرب ومنها الى بريطانيا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نجمة
زقاق تحجر ترابه وخلا من المشاة وعبث الصغار والقطط والكلاب, في تلك الساعة من توقف الزمن الا قليلا , كان غازي ينتظرها ..يطل ويتوارى وهو رجل اعزب في الاربعين استاجر منزله هذا ويعيش في حياة غامضة , حفر الجدري اثاره على وجهه وان تكلم تجمع لعاب على زوايا شفتيه الغليضتين اللتين يطلق منهما كلاما يشبه التمتمة .وعلى بعد اربعة امتار من وصولها , فى عباءة بارقة ومشية منغمة, الى الباب, وقف غازي في دشداشته السكرية والتفت للجهتين كانت الدربونة ساكنة وخالية من المارة تماما .. …
استقرت على السرير ونظرت اليه مبتسمة وأمرته ( يله خلصنى ) ,لم تستغرق المعركة اكثر من عشر دقائق وتخطى الى الباب والتفت يمينا ويسارا وتوارى الى الداخل وغادرت.
شوهدت فتاتها التى تشبهها وربما فاقتها جمالا, في بوابة مشفى نسائى تصطاد الرجال ,وقد ورثت من امها قوة البياض واكتنازا في الارداف وانتصاب الصدر وتلك الابتسامة التى تشرق من فم قان صغير فى وجه لؤلؤي .
قطار ــ صغار
منذ الفجر يهيم الصغار في بساتين النخل الشمالية التى تنتهى بسكة حديد يمر عليها قطار صدئ يقذف الماء المبخر من احد جوانبه وهو محمل بعروق السوس الذي يتانثر بعض منه على شارع غير معبد طلي بالزفت …كنا منبهرين بحركة الفراكين قبل ان تتسرب عبر مخيلة الشعراء وتنطلق الاغنية :
(ولك يا ريل .. لا تصرخ ,,خذت ولفي واريدنة
جزاني يفر فراكينة ..وما مش حيل اردنه .
وحط اذني على السجة بلجي الصوت اسمعنة )
ويمر على نفس السكة قطار اخر متوجها الى حى نظران لينقل المسامير الى بغداد او يزود معمل المسامير بقطع الغيار…كنا صغارا ولم نعلم بوجود مثل هذا المعمل في لواء البصرة …. وقبيل ان يصل المفرق حيث تنتهى الفلكة يطلق صرخاته المفزعة منبها سواق المركبات ويسارع رجل في الستين بالخروج من محجره رافعا علما صغيرا احمر يلوح به ..لكن بعض السواق لا يبالون وطالما دهس القطار المركبات . خلف تلك السكة سياج مرتفع يحد دائرة واسعة تضخ الماء الى مصفى الشعيبة ..لم نكن نعرف هذا ..لكنا نسمع صوت صفارتها كل فجر تحث العمال على الاستيقاظ……الساعات نادرة ومعرفة الوقت ما تزال تعتمد على صياح الديكة والنجوم والظل وبك بن (هنا لندن والساعة …نحييكم واليكم نشرة الاخبار. ) ,قلة يملكون ساعة جيب مربوطة بسلسلة ..ولا يتمكن الجميع من شراء المذياع .
يعبث الصغار بالمتساقط من جذور السوس ويطاردون الفراشات يتسلقون النخيل لقلع الطلع والشيص او جني الرطب واصطياد صغار العصافير والفاخت من الاعشاش …ومع اول الضوء حيث تغرد البلابل فى اعلى السعفات يستهدفها الصبية بالمصاييد التى اتوا بقوسها من اشجار الخرنوب وقوسها من اطارات الدراجات او يستهدفون الطيور المهاجرة التى غادرت موطنها المثلج بحثا عن دفئنا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابو طبر

هنا قرب سياج الاسلاك التي تسور دائرة تابعة للمصفى .. سمعنا لاول مرة بمجرم محترف (ابو طبر)
\قيل ان اسمه حاتم كاظم\مجرم وسفاح عراقي ظهر في أواسط السبعينيات وهو من مدينة المسيب في محافظة بابل لكن جرائمه دارت في بغداد وكان ينفذ جرائمه بواسطه الطبر <اتضح فيما بعد ليس طبرا بل عمود حديد > ,يخبئه في كم القميص أو الرداء وقيل تعرفت عليه خادمة من عائله يهوديه , قام بقتل العائله المؤلفه من زوج وزوجة وبنت صغيرة وهي البنت الوحيده حيث قتلهم وهم نائمون, وكانت الخادمه مستيقظه وعندما رأت الجريمه هربت إلى المطبخ وغطت نفسها ببطانية لكنه تمكن من ايجادها واصابها بالطبر, فلم تمت ,فتركها وخرج معتقدا انها ماتت , وعند اكتشاف الجريمه وجدوها رجال الشرطة تتنفس, فباشروا بمراقبته ومداهمة بيته واكتشف أحد الضباط بابا مخفيا في الطابق العلوي للبيت وعند دخوله إلى الغرفه وجدوا بعض المسروقات من ضحاياه بحوزته ومذياعا مكتوبا عليه اسم ابنة العائله اليهوديه وتم القبض عليه وعند التحقيق معه اكتشفوا ان زوجته كانت تساعده في اختيار الضحايا من العوائل الميسورة في بغداد, فتدعي انها تبحث عن عمل كخادمة وعندما تباشرعملها في تلك البيوت تصفها له ثم تترك العمل بعد فترة وجيزه فينفذ جرائمه.
وقد نسب البعض جرائم أبو طبر إلى المخابرات العراقية آنذاك، وأعتمدوا في هذا التفسير على ان بعض الجرائم طالت معارضين سياسيين. وهو يقتل بامرهم وفبركوا قصته بالكامل والقت القبض عليه! لاشغال الشارع العراقي وتحقيق انتصارات وهمية! … وقيل ان بعض شهود العيان قد راى السفاح أبو طبر يتجول في شوارع أوروبا ولا يعرف حتى الآن ما هي نهاية السفاح أبو طبر وحقيقته وهناك من فسر ان الجرائم كانت من تنفيذ فريق من المجرمين بدليل جريمة نفذت قريبا من القصر الجمهوري حيث كان الناس ينامون صيفا على السطوح .ولان ابو طبر يختار ضحاياه من مناطق وطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة فقد اصيب جميع من في العاصمة.. بالذعر وكان يحشر قتلاه فى الحمام … وقد يتسلى بمراجيحهم بعد التنفيذ او يرتوي من قناني المشروبات من ثلاجاتهم, كانه في بيته . وقد سمعنا بان كل المصورين في العراق تم استدعاؤهم الى بغداد ودخلوا بعدساتهم لجميع البيوت لان امراة نجت منه ووصفته لرجال الشرطة ..الا ان بعض المقربين للنظام كتب بعد ان انشق :ان من دخلوا البيوت ليسوا المصورين وحسب وانما صحبهم رجال سجلوا معلومات عن كل عائلة وحفظت الملفات بسجلات خاصة ستكون مرجعا لدوائر الامن والمخابرات وقد عرض تلفزيون بغداد حلقة لرجل قيل انه ابو طبر ..:وكان يدلي باعترافاته بالفصحى … (وضربتها على فروة الراس واجهزتها ارضا ),وقيل انه واحد من مرافقي نائب الرئيس صدام حسين وقد مرت اكثر من ثلاثة عقود ولم يتمكن الباحثون من معرفة حقيقة سفاح تمكن من اشاعة الرعب في كل ارجاء بغداد .).
ذات يوم اتى مجهولون وقلبوا منقبين في دفاترنا المدرسية ومضوا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى