ياسر أنور - الإعجاز في قوله تعالى: إلا ما حرم إسرائيل (يعقوب) على نفسه

يرى بعض المحدثين أن يعقوب عليه السلام ليس هو إسرائيل ، وقد انتشرت مؤخرا بعض المقالات التي تحاول إثبات ذلك . وفكرة البحث (والتمرد) على ما استقر في العقل والوجدان الجمعي ، وتلقته الأمة بالقبول ، فكرة ليست مستهجنة ولا معيبة ، ولكن بشروط أن تكون قائمة على أساس علمي ولغوي، وليس مجرد تخمين أو ظن. فقد استقربين جمهرة المفسرين بدءا من ابن عباس رضي الله عنهما أن إسرائيل هو يعقوب ، بل وهو إجماع عند أهل الكتاب كذلك . وليس منطقيا خرق هذا الإجماع بين المسلمين وأهل الكتاب (نصارى ويهودا) من أجل آية أو آيات تحتمل التأويل. فقد بنى بعضهم وجهة النظر هذه ، وهي أن يعقوب ليس هو إسرائيل من خلال قوله تعالى بعد قصة ابني آدم: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا. وقالوا إن الفارق الزمني بين بين ابني آدم وبني إسرائيل آلاف السنين ، وهذا غير منطقي ، فلابد أن يكون إسرائيل قريب العهد من آدم. وهو دليل ظني كما هو واضح ، ولا ينهض لكي يخالف إجماع المسلمين وأهل الكتاب على أن إسرائيل هو يعقوب. وقد دعى ذلك بعض المفرسين إلا القول بأن ابني آدم المذكورين في الآية ليسا بالضرورة أن يكونا ابني آدم حقيقة لا مجازا ، فكل البشر يصح أن يطلق عليهم بنو آدم ، ونحن أيضا يطلق علينا بني آدم رغم أن الفارق الزمنى بيننا وبين آدم يقدر بآلاف السنين. ومع ذلك فإن ابني آدم المذكورين في الآية الشريفة هما ابنان لآدم حقيقة، لا مجازا ، وذلك لأن البشرية جميعا قد تعرضت لطوفان نوح ، فاندثرت التعاليم السماوية السابقة ، وكان لابد من إعادة التذكير بها على لسان إبراهيم وغيره من الأنبياء وعلى بني إسرائيل أيضا. وبعيدا عن هذه القضية الهامشية ، فإن النبي يعقوب هو النبي الوحيد الذي تناول القرآن ذكره وذكر أبنائه وأسباطه في عدة مواضع منها : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي. وفي موضع آخر على لسان النبي زكريا ، يرث ويرث من آل يعقوب، وفي مواضع أخرى يقترن الأسباد بالنبي يعقوب، وكذلك يقترن الأسباط ببني إسرائيل في قوله تعالى: وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما. فهل كل هذه مجرد صدف ، وهل نترك كل تلك الأدلة من اجل شبهة تأويل؟ لكن السؤال المهم هو لماذا سمى القرآن بني يعقوب ببني إسرائيل ، ولماذا يوجد اسمان للنبي يعقوب هما يعقوب وإسرائيل؟ والإجابة موجودة في التوراة والقرآن، لكننا لن نتعرض للتوراة، وسنركز على القرآن فقط . وقد ذكر القرآن النبي يونس بعدة ألقاب في مواضع مختلفة منها (صاحب الحوت)، ومنها (ذا النون) حسب السياق ، فهل يمكن لأحد أن يدعي أن ذان النون ليس هو يونس، وخاصة أن آية ذا النون ليس فيها ذكر للحوت، فهل يمكن أن يقال إن النون هنا هي حرف النون ، ولا تشير إلى يونس عليه السلام؟ إن استعمال القرآن لاسم إسرائيل بدلا من يعقوب في قوله تعالى : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه هو إعجاز قرآني، وذلك لأن يعقوب عليه السلام لم يسم إسرائيل إلا في نفس توقيت تحريمه بعذ الطعام على نفسه ، فلو قال القرآن : إلا ما حرم يعقوب على نفسه ، لكن خطأ ، وذلك لأننا لا نعلم في أي مرحلة من عمره حرم يعقوب بعض الطعام على نفسه، لكن هذا حدث عندما كان يعقوب عليه السلام متوجها إلى أرض كنعان، وكان لائقا (بعيدا عن روايات المفسين وقول ابن عباس ، وهي روايات منطقية جدا) ، كان لائقا أن أن يحمل اسم يعقوب بصمة كنعانية، فيسمى إسرائيل ، حيث إن كلمة إيل هي الله أو إله بالكنعانية،فاسمه إذن يحمل نوعا من التودد لهؤلاء القوم، أما كلمة إسرا ، فبعيدا عن رواية التوراة التي تتحدث عن الصراع بين يعقوب وملاك الله ، أو مع الله ذاته – جل عن ذلك، فهي تعني القوة ، وهي قريبة من كلمة أسر في العربية في قوله تعالى : نحن خلقناهم وشددنا أسرهم. ويمكن أن تكون إسر بمعنى عبد ، وهي في الهيروغليفية أسير ، أي أسير الله أو عبد الله. لكن الإعجاز القرآن هو التطابق بين القرآن والتوراة في أن اسم إسرائيل لم يطلق على النبي يعقوب إلا عندما حرم بعض الطعام على نفسه، فالقرآن قد راعي سياق الاسم مراعاة مدهشة. أما كلمة إسرائيل التي ذكرت مرة أخرى في قوله تعالى : ومن ذرية إبراهيم و إسرائيل ، فهي أيضا مراعاة للسياق ، حيث إن كلمة ذرية هنا تعني أن لإسرائيل ذرية كبيرة من الذين أنعم الله عليهم ، وهم أنبياء و أسباط بني إسرائيل، فإسرائيل الأولى مراعاة لتوقيت تحريم بعض الطعام ، وإسرائيل الثانية مراعاة لانتشار ذريته وأنبيائه في الأرض

ياسر أنور

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى