علجية عيش - حديث الجمعة.. عمر ابن الخطاب في زمن الحكم الراشد

الحكم الراشد هو السياسة التي تعتمد على السيادة الوطنية

يروى عن الخليفة عمر ابن الخطاب أنه ذات ليلة خرج ليتفقد شؤون رعيته في المناطق الجبلية التي يتعذر زيارتها لمسالكها الوعيرة و التي تسمى اليوم بمناطق الظل، و وقف على صوت امرأة تخاطب اولادها اصبرونا إلى يجهز العشاء ، و كانت المسكينة تكذب على أولادها الصغار، وجدها تناجي الله و تشتكي له من ظلم أمير المؤمنين و نسيانه رعيته من الفقراء و لما سمع نجواها مع ربها ، دق بابها و فتحت له الباب و لما دخل وجدها تجلس أمام قدر، سألها ما بداخل القدر، فقالت له و هي تهمس له لكي لا يسمعها الأطفال، إنه يا سيدي بداخله حجر و ماء يغلي لكي الهي به أطفالي إلى أن يغلبهم النعاس فينامون، و أضافت سامح الله أمير المؤمنين الذي أهملنا و لم يلتفت إلينا و لا مرة و نحن الفقراء و قصت عليه قصته منذ وفاة زوجها و لم تعرف ان الزائر هو أمير المؤمنين نفسه.

ضرب امير المؤمنين راسه بيديه و عاد مسرعا إلى منزله و أخذ كيس الدقيق على كتفه و حمله إلى تلك العجوز، و لما رآه خادمه يحمل كيس الدقيق على كاتفه طلب منه أن يحمله بدلا عنه، و قال له أيحمل الخلفية كيس الدقيق على كتفه و نحن نتفرجُ؟ إنه ثقيل عليك يا أمير المؤمنين، رد عمر ابن الخطاب، لا سأحمله بنفسي، فما ينتظرني أمام ربي أثقل ، أنا من يحمله ، كان رده من باب خشيته من عقاب الله له لأنه خان الأمانة و لم يصنها و من باب حرصه على ما أوكل إليه من مسؤوليات أمام الرعية و بخاصة الفقراء، و أخيرا كشف هويته لتلك العجوز و اعتذر منها.

لا شك أن هذه القصة لها مغزى كبير لحكامنا و مسؤولينا الذين أوكلت لهم مهام تسيير شؤون البلاد و الرعية و بخاصة الفقراء، و الذين يسكنون في مناطق معزولة، لا يملكون المال لضمان قوتهم اليومي و يفتقرون إلى إمكانيات العيش بكرامة و كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، لا ينتمون إلى هذا البلد ، ينعمون بالخيرات على حساب الشعب دون أن يقدموا له شيئا، و لا يملكون حتى سياسة راشدة أو استراتيجية لإنجاز مشاريع تعود بالفائدة على المواطن، و يتلاعبون في الصفقات و العقارات ليمنحوها لمن يدفع أكثر و يحرمون المواطن البسيط الذي يريد الاسترزاق عن طريق مشروع صغير، فأين هؤلاء من أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، الذي عاد إلى بيته وهو "يُهَرْوِلُ" من أجل خدمة رعيته و إرضاء ضميره ، رغم أنه في ذلك الوقت لم تكن هناك سيارة و لا طائرة ينتقل بها، رغم أنه كان له مساعدون و لا نقول (خدمٌ) ينوبونه.

هذا هو الحكم الراشد الذي يطمح إليه الشعب لتحقيق العدالة الإجتماعية، ثم يأتي مسؤول في بلادي يغض طرفه عمّا يحدث من فساد و يلتزم الصمت لكي يحافظ على منصبه الزائل، إن تطبيق الحكم الراشد لا يتوقف عند حدود إدارة المؤسسات و تمثيل من فوقه في المنصب و المسؤولية ، بل في جميع الميادين السياسية و الإجتماعية و حتى الثقافية، فهو (أي الحكم الراشد) كما يقول الخبراء فهو السياسة التي تعتمد على السيادة الوطنية لتحقيق المصلحة العامة ، و الوصول إلى الككم الراشد يعتمد على "الذكاء السياسي" ، يقول خبراء أنه يتعذر تحديد الذكاء السياسي و الأمة تعيش ثقافة اللاثقافة، و أن الجامعة الجزائرية هي جامعة مظهرية حتى أن الثقافة السياسية لا تستند إلى العلم، و بالتالي يفقد المسؤول شرعيته أن طموحه الترقية و الوصول إلى الحكم ، و لا يهمه من هو جائع و لا من هو يعاني من المرض أو منزله آيل للسقوط، و كما يقول المثل : "لو دام المنصب لغيره لما وصل هو إليه " ، و الحديث قياس و بدون خلفيات.
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى