المنصف الوهايبي - في دالية ابن العبد...

لكأنّي خـلّـفتُ الأرضَ ورائي
وأنا أتدلـّى في حبلٍ مرخيٍّ، من لغتي،
وسْــطَ كتابْ
كان الليلُ على أوّلــهِ
(شمسٌ عالقة في السّمتِ، بلونِ القِـرْمٍزِ)
حين سمعـتُ يدِي تـُطـبقهُ خـلفي كالـبابْ
أدركـتُ سريعا أنـّي أهبطُ في مطلع دالية ابن العبدِ،
ولا أدري كيف ولا من أينْ
٭ ٭ ٭
قلـّـبتُ حجارتهُ وأثافــيـهْ
(كان يغطـّيها حـبَـبٌ لزجٌ كغبار الثـّمراتْ)
وأنا أقفزُ من صدر البيت إلى عجُزِ البيتِ،
إلى أن أبلغَ ذروتهُ
وأطلَّ على برقةَ ثهمدِ من آخِـرِ جَرْسٍ فـيهْ
لا شيءَ سوى أصواتٍ صافرةٍ
كصرير الحشراتْ
في أطلالٍ تـنْـصَـلُ كالوشمِ،
وصوتٍ كـهزيمِ الرّعدْ
يتردّدُ في داليةِ ابنِ العبدْ
وتـجاوُبِ أظـْـآرٍ يصّاعدُ من مجهورِ قوافـيـهْ
٭ ٭ ٭
لكأنّي في مرآة الأفـُقِ المُرْجَأِ حيث نجومٌ،
من أزمنة الدّيناصوراتْ
تهوي حولي كالصوّان المتـقزّحِ،
حيث سماءٌ تحْـدِجُني بعيونِ مجنّحِها،
حيث الأفـْـقُ غطاءُ نعوشٍ ينشرُ رائحةً فاعمةً،
وأنا لست أنا
(لا أسماء لنا حين نموتُ)
أما كان علينا
إذ نخبِطُ في طرقٍ
تفضي في هذا الليل إلى طرقٍ،
أن نقرأ في كتب الكيمياء السحريّةِ أنْ
نتوسّل هِـرْمِسَ
ربَّ الطرق البريّةِ والبحريّةِ أنْ
نستحضر أنْـسـَالَ الخيلِ وأسماءَ الكهّانِ الشعراءِ
وأسفارَ رِسَامَـتِهمْ؟
هل نحنُ سوى ما يتبقـّى منـّا؟
لكأنّي الليلةَ أدخلُ في إسباتٍ أو
أخرجُ من إسباتْ
خـفـّاشٌ يتدلـّى في حمّالةِ سقفٍ من خشبٍ
(أيطولُ بَـيَاتِي الشتويُّ هنا؟)
هذا بيتٌ لا قعرَ لهُ، كالموتِ
ولا «جولـّي» سيّدةُ التفـّاحاتِ الأربعِ تأتي
كصباحي الأوّلِ مغسولاً في الموصلِ،
لا صحْبُ ابن العبد وقوفٌ بالأطلالِ
ولا خولة تنجمُ في «نشـْـلٍ» من نسجِ بناتِ البحرين
٭ ٭ ٭
هل تسمحُ لي يا يوسفُ أن أتحدّثَ هذي الليلة كالطفلِ إليَّ؟ وأنْ أسألني عن أحوالي وأخطـِّئني حينا وأواسيني حيناً؟ وأقول لعلّي ولعلّي؟ هل تقـلقُ إنْ قلتُ لهُ إنَّ الخَابورَ حزين هذي الليلةَ؟ إنْ قلتُ لهُ هل ليلتيَ الأولى في دالية ابن العبدِ سوى رسْمٍ، فوقَ زجاجِ الليلِ، رماديٍّ، وشميمٍ من ضوءٍ سنجابيٍّ؟ إنْ قلتُ لهُ كلماتي تـنقـُفُ في بيتٍ خربٍ؟ إن قلتُ لهُ إنّي في طوْقِ المنجلِ أعني بين هلاليْهِ، أجتسُّ كما الأعمى أشباهَ ظلالٍ؟ إن قلتُ لهُ إنّي ألمحُ من ثـَـقـْـبٍ كالسرّةِ في هذا البيتِ نهاية عاصفةِ الرملِ.. كلابَ الصحراءِ تعيشُ حياة كلابِ الصّحراءِ؟
أنا أعرفُ ما قالتْ حوّاءُ لقابيلَ وقد
عادَ إلى الحفـْشِ يُسـَلـْسِلُ ألحاناً
ـ اليومَ قتلتُ أخي
ـ حسنا.. ألقِ رُذالَ متاعِ أخيكَ.. فلا حاجة بعد اليومِ إليه
٭ ٭ ٭
هم سفكوا ما يكفي من دمهمْ..
هذا الطفلُ المسلوخُ.. اللحمُ المقطوعُ على
خشباتِ الجزّارينَ الباردُ مثلَ حِجَارِ السّـُمّاق
ألحمي أم لحمهُ؟
هذا الرأس المفضوخُ؟ أرأسي أم رأسهُ؟
هذا الصّبـْغُ الأحمرُ في أُشناتِ الصبّاغينَ؟
دمي أمْ دمُهُ؟
هذا الجلدُ المدبوغ أجلدي أم جلدهُ؟
كان عليَّ إذنْ أنْ أسلكَ في طرقٍ بقـّعها خيطُ دمي
٭ ٭ ٭
كان عليَّ إذنْ أن أهـْدِمَ أعمدة المنزلِ،
أعني مجهورَ قوافـيهْ
أنْ أكـْسِـرَها واحدة واحدةً، وأحلَّ لسانَ القفلِ لكيْ
أتنزّهَ حرّاً في كلّ نواحــيهْ
هبطتُ وفي ركنٍ من البيتِ جرّة ** ثملتُ بها والليلَ حالاَ على حـــــــــــــــال
ولمّا أَرَقــــنا ما تبقـّى لـهِـرْمـسٍ **وجـدناهُ مربوطاً إلى نصــفِ تــــمْــــثــــالِ
بقيَ البيتُ جميلاً وأنا أنزعُ منهُ قافيتهُ
كان ابنُ العبدِ «صبيَّ الحبِّ»
يغنّي في حجرٍ بغداديٍّ،
ويقشـّـرُ لوح الأوقاتْ
ثمّ كأنّي أسمعُ وقعَ خطى ناعمةٍ تقطعُ دالية ابن العبدِ،
كأنّي ألمحُ طيفَ امرأةٍ في صدر البيتِ،
تدورُ على قدمٍ واحدةٍ دورتها
والشعرُ كأذنابِ الخيلِ،
كأنّي أستنشقُ رائحة السمكِ النهريّ ووعثاءَ الغابات
كأنّي ألمحُ تمر البصرةِ،
في سكّرهِ الأخضرِ، يحمرُّ،
وأسمع في البيت الحادي والخمسينَ البنّائينَ يغنّون لدلمونَ،
وهم يبنون سفائنهم
مدنا سائلةً تجري كحياة الناسِ وترسي
لكأنّي ألمح من ثـَـقـْبٍ في البيت الرّابع،
زُرْقَ قواربهم، تقطعُ نهرالخوصر
في كلماتٍ عالقة بهواء مبلولٍ،
وأرى «سنْحاريبَ» يجذّفُ في النهرينْ
ونادى منادٍ من سفينِ ابن يامــــنٍ ** فـــهبّوا بــــــــــأذيالٍ إليهِ وأسـمـــــال
يرجّعُ في أصوتهمْ ماءُ دِجلـــــــةٍ ** وهــــــــــم بين نُزّال هناكَ وقـُـفـــــّـال
لا أدري وأنا أدْلـُفُ هذه الليلةَ من بابٍ خلفيٍّ
في داليةِ ابن العبدِ أكانتْ تلكَ الزُّهرة
أم نجمة بابلَ تـُومِي
للآراميّينَ يعودونَ إلى الشّامِ
الخفـّـاشُ يطيرُ.. وصوتٌ أبيضُ
ـ الشارةُ فوقَ الجسر تضيءُ.. سنعبرُ
يا يوسفُ خذ بيدي
وأنا أصرخُ صرخة مونش في البريّه
أعلى