لم يكن يروي قصته لزميله الجالس أمامه وهو يصغي إليه كل الإصغاء، ولم يكن يلقي قصته على الجندي الواقف في حراستهما - وقد أغمض جفنيه كي يشعر بأنه غير مسئول إذا سأله سائل عن سبب سماحه لهذين السجينين بالحديث - وإنما كان يروي قصته للطبيعة التي تحوّطه، وللسماء الزرقاء، وللشمس التي كانت تلفحه بنارها في وقت الظهيرة، وللجبال الجرداء الواقعة بين القاهرة وحلوان التي تتلون تارة بلون أحمر وطورا بلون بنفسجي، وللصحراء التي تتلألأ ببريق الآلاف من الأصداف والأحجار اللامعة، إنه يبث أمره لا إلى مخلوق مثله بل إلى تلك الظواهر الطبيعية التي يرى من خلالها مجاهل الأبد.

مضت عليه سنوات سبع منذ اليوم الذي دخل فيه ساحة السجن وصار لا يمشي حتى يسمع رنين القيد، وسيظل في هذا السجن إلى القبر، ولكنه تحمل آلام هذه السنوات بصبر لا يعدله صبر، عرف بين رفاقه بالقوة الهائلة، وكان يقوم بعمله الشاق ويمضى نهاره في اقتطاع الصخر دون أن يشكو مرة أو يصيبه إعياء .

لا يدخل السجناء السجن حتى ينسوا شقاءهم، وهم يجدون من تلك الحياة التعسة مخرجا إلى اللهو والعبث فهم يتلهون بقصص ذنوبهم وبارتكاب ما يسميه الناس آثاما أما هذا السجين فقد ظل هذه السنوات السبع لا يعاشر أحدًا ولا يبوح بسره لأحد حتى صار زملاؤه السجناء يخشونه ويرهبونه ولكنه وجد اليوم رفيقا قد جلس يرتاح قليلا في وقت الهجير وثقلت نفسه بما يحمل من سر فباح بما تنطوي عليه الضلوع.

**

نشأت في قريتي ولم أر لي أبا منذ نظرت عيناي الضوء، ولدت يتيما وسط الأحزان وقد توفي أبي قبل أن أدرج إلى هذا العالم ببضعة أشهر. قيل لي إنه كان تاجرا وكان ينتقل بأحمال القماش من قرية إلى قرية وإن كسبه كان كبيرا، أما أنا فلم أشهد منذ أخذت أفهم أمور الحياة إلا الشقاء، وأي شقاء أكبر من أن تظل دارنا الحقيرة بغير وقود أياما؟ وأي شقاء هذا الذي منديا في أغلب الأيام إلى قصر سيد القرية كي تجد ما تتبلغ به؟ على أن أمي كانت كبيرة المطامع .

وكانت تأمل أن تراني يوما في غير مستوى الفلاحين وأن أصير كاتبا لدى علي بك سيد القرية، ورث علي بك قريتنا عن آبائه وأجداده الشراكسة وجميع ما حولها من أرض زراعية ملك له، لذلك كان جميع أهل القرية في خدمته، وقد كان رجلا رقيق القلب رضي الأخلاق يجد الفلاحون بسذاجتهم وصراحتهم طريقا إلى قلبه ونقوده.

ربيت في حجر أمي وتحت كنف هذا السيد الذي بلغ الأربعين عندما جئت إلى هذه الدنيا طمحت أمي إلى أن أكون كاتبا فما صرت غلاما حتى أدخلتني كتاب القرية، وقد يكون ما تعلمته في هذا الكتاب كثيرا إلا أن المعلم كان يظنني غبيا وكنت أستفيد من درسه دون أن يشعر.

ومما كان يزيده سوء ظن بي وببعض الصبية أننا كنا نقوم بالرحلات البعيدة إلى القرى المجاورة وكان يرافقنا أحمد بك ابن سيد القرية، وكنا نعود من هذه الرحلات متعبين وقد اصطبغت وجنتا أحمد بك بلون الورد من تأثير الشمس والهواء والتعب، وكذلك كنا نتأثر نحن وإن أخفت وجوهنا السمراء هذا الأثر.

شبت بیني وبين ابن سيد القرية بسبب هذه الرحلات صداقة متينة بل أنني أحببته حبا يختلف عن حبي لأمي، فقد كنت أعطف عليه وأشفق، والصبي لا يشعر بعاطفة الحنو والإشفاق نحو أمه، أما حب الأم فيمتزج بالحنو والشفقة، فهل كان ذلك لأنه هو الضعيف؟ كنت أصغر سنا من أحمد ولكنني كنت أقوى منه جسما وكأنني أكبر بسنوات، وشعرت بهذه القوة فنصبت نفسي له ظهيرا ونصيرا.

كان سيد القرية يرى إشفاقي على ابنه فكان يميل إليّ ويكافئني بالدريهمات، وبدا له أن يرسلني مع ابنه للتعلم في مدارس القاهرة وكاشف أمي بذلك الأمر ففرحت فرحا عظيما وبلغني هذا الخبر فكان له تأثير كبير في نفسي وسررت له أكبر السرور، وكيف لا أسر لرؤية بلاد غريبة والعيش إلى جانب أحمد سيدي وصديقي؟ أما أمي فلم أفكر فيها عندئذ لحظة واحدة، مضت الشهور حتى لم يبق على وقت الرحيل غير أيام، وقد أثر فيّ السرور فصرت لا أنام إلا غرارًا.

وفي ذات ليلة استيقظت بعد نومي وفتحت عيني في تثاقل، ولم أكد أتبين من خلال أجفاني الأشياء حتى رأيت أمي في لباسها الأسود جالسة ترنو إليّ وتبكي فهمت من تلك الساعة ما أحدثه لها من الآلام بسفري، فأغمضت جفني كيلا تشعر بأني استيقظت، وعزمت عزما أكيدا على ألا أبرح جانبها ما دمت حيا.

صحوت في اليوم التالي وكانت أمي قد بكرت بترك الفراش، وما كدنا نجلس لطعام الصباح حتى جاءنا رسول يدعونا على عجل إلى القصر فسرنا إليه مهرولين وقابلنا علي بك فقبلت يده

فابتسم لي وقال:

- أعدّ عدتك فإنكما تسافران اليوم

قلت في تلعثم :

- کلا لست راحلا

فانقطع عن الابتسام وأجابت أمي على عجل: أجل هو راحل يا سيدى إليك

فقلت وقد ملا الدمع مآقي: كلا لست راحلا

وانهمرت من عيني الدموع فجذبتني أمي على عجل إلى الخارج وقد شعرت بالخجل والرهبة، وامتزجت بتينك العاطفتين، عاطفتان: هما الأمل الذي تعقده على رحيلي والفرح الذي تشعر به لقربي كان حديثها إلى مزيجا من التأنيب والعتاب مع الترغيب والتسليم، وكنت لا أجب على حديثها بغير البكاء وقد أصررت على البقاء بقيت لأعيش عيشة الفلاح، وانقطعت منذ ذلك اليوم عن الدرس وقد حطمت بفعلي كل ما بنته أمي من آمال، وقمت بالخدمة في القصر أولا ثم بالعمل في الحقل ثانيا، وكنت لا أجد في الحياة ما أغتبط به مثل أيام مجيء أحمد بك إلى القرية، وأخذت هذه الأيام تقل سنة بعد سنة، وكانت السنون تزيد التباعد بيننا وكنت لا أزال مقيما على حبه وهو يعطف عليّ وإن قل تحادثنا وتخاطبنا.

***

ماتت أمي بعد أن بلغت الخامسة عشرة من العمر بقليل فإذا أنا بعدها وحيد في هذه الحياة، وأي حياة! أتسمى حياة تلك التي يعيشها رجل يعمل طول يومه في فلاحة الأرض بصبر وجلد حتى إذا كان الليل ألقى بجسمه إلى الأرض فإذا به يحلم بأنه يعمل في فلاحة الأرض أيضا وهو ينام كالصخرة من التعب فلا يكاد يسترد قواه حتى يعود إلى عمل اليوم التالي؟ حياة يعمل فيها الرجل طول يومه لكي يكسب حاجته من قمح وذرة من مخزن سيد القرية، فإذا كان أوان قبض الأجرة لم يجد من نقوده الباقية ما يكفي لشراء ستر لجسده، لقد هممت مرات عدة أن أهجر هذه الحياة وأنضم إلى جماعة من اللصوص، ولكن كان يمنعني من ذلك أمران: ولائي لعائلة أحمد وأمر آخر.

فتاة في ريعان الشباب كانت خادمة في دار سيد القرية، وكنا نراها صبية فإذا هي لم تخط تلك الخطوة بين الطفولة والشباب حتى تفتحت كالزهرة يبدو جمالها للعين، كانت نحيلة بيضاء لا يشوب لون بشرتها احمرار، أشبه شيء بالنرجس، كانت لها عينان واسعتان سوداوان شدیدتا السواد، تلك هي الفتاة التي غلب غرامها على سائر مشاعري حتى لم تخل منها جارحة، بدأت أشعر بالحياة وأجد في هذه الحياة لذة بدل السآمة والملل كنت أخلق الفرص للذهاب إلى القصر فأنعم بمشاهدتها . ولم يكن لي في هذا الحب مطمع فإني دميم كما ترى وقد قضى العمل في الحقول على كل أثر للشباب، فما كنت تراني حينئذ إلا كما تراني اليوم: جسم قد من صخر ووجه أسمر جعدته الغضون، وكانت تخاف إذا ما دنوت منها، ولعل تلك النار المتقدة في ضلوعي كانت إذا ما اقتربت منها لا تجد منفذا إلا من عيني فتقدحان شررا فيزداد لونها امتقاعا فتزداد في عيني بها، كنت أحبها دون أمل فيها إلا أن أتمتع برؤيتها بين حين وحين.

أطلت عليك الحديث لأني أخشى أن اقترب من نهايته صارت، "خضراء"، غاية حياتي وكنت أكتم هذا الحب فلم أبح به لمخلوق، وحاولت أن أخفيه عن الخالق ولكن الخالق مطلع على القلوب، وكذلك مخلوقاته الأزلية تعلم ما تكنه الصدور، وإلا فلماذا أرى السماء والشمس والقمر والماء والأشجار كلها تبتسم لي وكأنها تحنو علي؟ أليس ذلك لأنها هتكت ستر الكتمان.

كنت أكتم ذلك الحب ولا أبوح به لمخلوق، ولو عن لي أن أفضي لأحد بسري لما وجدت غیر أحمد رفیق صباي، ولكن أحمد اليوم غير أحمد بالأمس وإن كنت ما أزال له مخلصا هو الآن فتي في مقتبل الشباب جميل الطلعة ممتشق القامة، وهو سيد وأنا عامل حقير من عماله، ولكنه لا يزال يعاملني برقة وعطف، وهو الآن يكثر من زيارة القرية فقد انتهى من دروسه فصار يشارك أباه في الأعمال.

دعیت ذات يوم إلى القصر وكنت أظن الداعي أحمد فإذا بي في مجلس أبيه وقد أظهر الحنو عليّ ثم تكلم كلاما طويلا عن أمي وما كان من عطف أصحاب القصر عليها وعليّ، وأنهم يرعونني ويسيرون على راحتي، وهم يجدون أن خير راحة لي بعد وفاة امي هي الزواج، الزواج بمن؟ من "خضراء"!

ذكر اسم خضراء فهل أنا بحاجة إلى الجواب؟ ولكن هل كانت راضية؟ أسألهم فيقولون إنها راضية وراغبة، ويأتون بها ليسألوها فتهز رأسها علامة الموافقة وإن كانت الدموع تنهمر من عينيها في سكون.



إنها دموع الخجل التي تعتري العذراء.. أي سعادة أغدقت عليّ إغداقا؟ أراد الله أن أتمتع بنعيم الحياة الدنيا في تلك الأيام القليلة السابقة للزواج وبلغت ذروة النعيم في يوم الزواج أجل كانت أياما سعيدة تفتحت عليّ أثرها أبواب الجحيم، وأي جحيم أكبر من أن أراها زوجتي وملكي وهي مع ذلك تنفر مني كما ينفر الناس من الأجذم؟

تكدرت حیاتي فصرت أكره الذهاب إلى داري وصرت لا أستطيع العمل، وهمت أبحث عما يلهيني عن آلامي فوقعت في زمرة سوء قادوني إلى مشارب الخمر فأقدمت عليها وصرت أجرعها کي أنسی آلامي.

في ذات ليلة أضاءت الكأس رأسي فبحت لأحد الرفاق بآلامي وإذا هو يتكلم كلاما لا أجتلي منه إلا الريبة، فهل كانت دموعها يوم: قبلتني زوجا دموع الإثم لا دموع الطهر أسرعت إلى الدار وعولت أن تكون تلك الليلة هي الفاصلة وقد كاد يتنفس الفجر، ودخلت إلى غرفتها وهي نائمة فأيقظتها وأمضيت معها نصف ساعة لا أكاد أذكر ما ارتكبته من عنف حتى عرفت منها السر.

ترئت الدار على أن لا أعود، ولكن كنت أينها أذهب أرى الفلاحين يسيرون إلى الحقول فاندفعت أسير معهم إلى حقلي وأخذت أضرب الأرض بالفأس ضربا يرن صداه في الأجواء، لم أعد أفكر فيما أعمله ولم أعد أرى شيئا في هذا الوجود .

لا أعلم الوقت الذي مر عليّ كذلك ولكنني سمعت حوافر جواد ثم وقوفه على مقربة مني وشعرت بأن إنسانا يترجل عن الجواد ثم هو يقترب مني ويناديني باسمي

التفت إلى صوته ونظرت إليه حتى وقف أمامي وهو يبتسم ثم مد يده اليمنى ووضعها على كتفي فجعلت أنظر إليه في سكون ونظر إلي وإذا ابتسامته تفيض وتجف كما يجف ماء الحياة من الجسد المريض فرفعت ذراعي اليمنى وأهويت بالفأس على رأسه، ضربته مرات لا أعلم عددها وظللت أضرب بفاسي جثته وأن فارق الحياة في الضربة الأولى، ولست أروي لك ما كان من محاكمة وقضاء هذا حساب الدنيا وبقى حساب الله.

سكت السجين هنيهة وقد جحظت عيناه وقدحتا شررا ثم قال: أجل بقى حساب الله، وإني لاستعجل ذلك اليوم الذي تأتي فيه جنبا إلى جنب، أتعلم ماذا أفعل؟ ثم ضحك ضحكة مريعة لها صغير كصفير الرياح في بهيم الليل وقال: إني سأقتله مرة ثانية .

1933،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى