مهما كان المجرم حريصا، فإنه لا يرتكب جريمة كاملة أبدًا، إنه دائما يغفل بعض التوافه، التي تقود المحقق إلى الحقيقة

أوحشتني أحاديث صاحبي ذلك المحدث الطيب الذي حشدت الأيام والتجارب ذاكرته بالطرائف وغمست لسانه في العسل، ثم أطلقته بين زملائه ليمتعهم بأحاديثه، وليروي لهم من ملحه ما يأخذ بالألباب فقلت له يوما وأنا أحاول أن أحركه للحديث لأحظى بمتعة الاستماع إليه: يرتكب المجرم أحيانا جريمته وهو مؤمن بأنه يرتكب "الجريمة الكاملة"، التي لا تترك وراءها ماينم عنها.

وفي اعتقادي أن من يفعل ذلك يكون واهما دائما، فإن الانسان مهما بلغت إحاطته بالأمور، ومهما بلغ مقدار إحسانه لتدبيرها، وإحكامه لوضع الخططها تفلت منه دائما بعض التوافه ويغفل عن بعض الثغرات التي ينفذ منها الحق الصارخ.

فلا يلبث أن يفضحه ويأخذ بتلابيبه! رميت بهذه الملاحظة العامة بين يدي صاحبي كما يرمي الصياد بشصه في الماء ثم ينتظر صابرا هادئا حتى يأتيه الله بالفرج حين يرى (صنارته) وهي ( تغمز ) - ولقد كنت موفقا في صبري في ذلك الصباح فإن صنارتي غمزت عقب إلقائها فورًا.

كان صاحبي يتابع كلامي بأذنه أما عينه فكانت سابحة في الفضاء وما كدت أفرغ من حديثي حتى رأيته يعتدل في جلسته وينظر إليَّ قائلا: لقد أدركت بملاحظتك هذه قصة كادت تنحدر في ذاكرتي الى زوايا النسيان، إنها قصة "أم السعد" .

قلت: وماذا صنعت أم السعد؟ قال: كانت قروية حسناء نشأت في إحدى بلاد (الوجه البحرى)، فلما شبت تزوجها (مزارع) من أهل القرية فأنجبت له فتاة، وكبرت الفتاة حتى جاء دورها هي الأخرى في الزواج، فتزوجت ورأى أبوها أن الزمن تقدم به مع أمها على مر السنين حتى استطاع أن يقتني خمسة أفدنة من (الطين) الجيد، ولكنه عز عليه أن يكون له ولد يرث له هذا الثراء العريض، ولمحت زوجته الوفية ما يشغل باله، وأدركت بفطنتها أن زوجها سوف يستقر رأيه على الزوج من غيرها، وأنه متى توفر له هذا الاستقرار فإنه (سيفعلها بها أو بدونها!).

فآثرت أن تظل سيدة الموقف في بيتها، وأن تكون صاحبة الرأي والمشورة، فتقدمت إلى زوجها تقترح أن يتخذ صاحبة غيرها، لعل الله يرزقه منها بالغلام الذي يشتاق إليه وأحس الزوج كأن حجرا ثقيلا قد انزاح من فوق صدره، وأن لباقة زوجته الصالحة هي التي أزاحت عنه هذا الحجر، إذ كفته مؤونة الحرج في إدخال الضرة الجديدة عليها، وهي أم ابنته التي لم تكن تملك أن تعطيه شيئا غيرها فحفظ لها معروفها، وازداد تعلقه بها، واطمئنانه إليها، وترك لها مهمة اختيار العروس المنشودة، فاختارت له قريبة من أقربائها شابة جميلة صغيرة تتفتح لها شهية الشيخ وينشرح لها صدره.

وكانت أم السعد تعتقد أنها ما دامت هي التي قامت باختيار العروس الجديدة فإنها ستظل صاحبة الفضل في كل ما سوف تنجبه لزوجها من أبناء وسارت الأيام رخاء بين الزوجتين في العام الأول من تاريخ إنشاء هذا (الحلف الثلاثي) ولكنها فوجئت بأن العروس أنجبت في نهاية العام غلاما سريا طار به أبوه من الفرح.

فبدأت تشعر بإحساس جديد يجعلها تكره الغلام، وتمقت الضرة، وتخشى غدر الزوج، وأخذ هذا الإحساس يقوى مع الأيام، ولكنها لاحظت أنه يشب وينمو في صدرها بأسرع مما يشب الغلام نفسه وينمو وأن الغلام حين بلغ السابعة من عمره وأصبح في دور الصبا، كان حقدها عليه قد شب عن الطوق وأصبح في ريعانه! ثم جاء أخيرا ذلك اليوم الأغبر الذي علمت فيه أن ضرتها تحمل حملا جديدا سوف تضعه فتصبح به، "أم الأولاد" - حيث لا تملك هي إلا ابنتها الأولى التي تزوجت، وخرجت من البيت وخلفت أمها وراءها لتقاسي الوحدة، ثم لتعاني حياة الضرائر، ولتشوى أخيرا على حجر الغيرة من ضرتها والحقد على زوجها والكراهية للغلام وأخيه المرتقب وثقلت عليها أعباء الموقف، وناءت بحملها فإنهارت واستسلمت بعد الغيرة والحقد والكراهية لعاطفة الانتقام.

لقد حزمت أمرها على أن تقتل الغريم الصغير (ابن ضرتها) أنها بذلك تكون قد أصابت الأعداء الثلاثة بضربة واحدة: إنها ستتخلص من الصبي، وتحرق عليه كبد أمه وتقصم به ظهر أبيه - بينما تنعم هي بلذة النصر وفرجة التشفي، وتسعد في أيامها الباقية برؤية الضرة المهيضة الجناح، والزوج الشارد المنكس الرأس أنها غاية تبرر وسيلتها، وليس عليها هي إلا أن تجيد حبكة هذه (الوسيلة)!.

ومر الأيام، وكان يوما ذهب فيه الزوج السعيد إلى حقله في الصباح كالمعتاد وخرج فيه الصبي البريء ليلعب مع أترابه في (الأجران) وعلى ضفاف الترع وشغلت فيه الأم الصغيرة بإعداد طعام زوجها حتى فرغت منه مع الظهر، ثم خرجت به إلى رجلها في حقله على مألوف عادتها معه كل يوم وبقيت (أم السعد) رابضة في الدار ترقب الفرصة التي ظلت تترصدها منذ انتهت من صنع تلك (الفطيرة) الحلوة التي زودتها بمقدار من الزرنيخ يكفي لقتل ثور عظيم! وأقبل عليها الغلام يلتمس غداءه، فرحبت به وقبلته بين عينيه، وناولته (الكعكة) الدسمة ليصطبر بها ريثما تعود إليه أمه فتعد له وجبته الكاملة وأخذ الصغير الجائع يلتهم هذه الهدية الشهية، ولم يكد يفرغ منها حتى انقلب على الأرض يتلوى من الألم الذي أخذ يمزق أمعاءه.

ثم شرع يقيء ويسهل حتى غشى عليه وعادت أمه وهو على هذه الحال بين يدي (أم السعد) فقلبته ونادته وحاولت أن تجعله يرد عليها، ولكنه كان في غيبوبة تامة، وقالت لها أم السعد أن الغلام عاد إليها من الخارج وهو يشكو ألما في بطنه ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أخذه هذا القيء والإسهال وأنها حارت في أمره حتى أدركتها رحمة الله بعودة أمه إليه، وكبر الموقف على أعصاب الأم المسكينة فولولت حتى انهد حيلها وصرخت حتى بح صوتها، ثم شعرت بأن الأرض تميد بها وانقلبت مغشيا عليها الى جوار ابنها المحتضر.

وتسامع أهل القرية بأن الأم كانت تصيح على ولدها الذي مات، وكانت لها أخت تقيم في القرية نفسها، فما كان يصل إليها علم ذلك حتى أسرعت إلى أختها تواسيها ولكنها لما اقتربت من الدار وجدت السكون يلف المكان، ولم تر الزحمة المعهودة أم الباب ولم تسمع صياحا ولا عويلا ينبعث من ورائه.

ذلك بأن انقطاع الأم فجأة عن العويل عندما غشى عليها لم يفسح المجال أمام بقية المتسائلين والمتطفلين من أهل الحي، وما علم الجيران بأن الميت طفل صغير، وبأن أمه أمسكت عن البكاء عليه حتى انصرف كل منهم لشأنه وتركوا الدار تنعى من بناها ودفعت الأخت باب الدار برفق تتطلع إلى ما وراءه فرأت منظرا استوقفها في مكانها.. رأت أختها ترقد إلى جوار صبيها، ورأت أم السعد تمسك في يدها قطعة من (الدوبارة) تقيس بها جثة الطفل من رأسه إلى قدمه، ثم تقص الدوبارة التي أخذت بها مقاس الصبي، وبعد ذلك رأتها تمسك بيدي الصبي وتقص أظافرهما أصبعا أصبعا، ولما انتهت من ذلك انتقلت إلى قدميه وجعلت تقص أظافرهما كذلك، وهي تحتفظ بالقلامات كلها في كفها وبعد ذلك عادت إلى الرأس فتناولت خصلة من الشعر المنسدل فوق الجبهة وقصتها هي الأخرى، ولم تتمالك الأخت أن تصبر على أكثر من ذلك فاقتحمت الباب، وتقدمت نحو أختها الراقدة على الأرض ورفستها بقدمها لتقوم وترى ماذا تفعل ضرتها بابنها، ولكن أختها كانت ما تزال في غيبوبتها، وبادرت الضرة تعتذر للأخت بأن هذه اجراءات تعلمتها ممن هم أكبر منها سنا، وأنها كانت تراهم يفعلون ذلك لمنع دخو الشر في البيت ولم تناقش الأخت هذا الجواب واكتفت به واطمأنت إليه.

ومن عجب أنك ترى الناس كثيرا ما يوجهون إلى غيرهم في المناسبات المختلفة أسئلة على جانب من الأهمية أسئلة تدل على أن السائل لم يوجه سؤاله إلا بعد تفكير عميق في موضوع السؤال، ومع ذلك ترى الواحد منهم يكتفي بأية إجابة تلقى عليه، حتى ولو لم تنطوِ هذه الإجابة على أي معنى يمت للسؤال بسبب، ويحسب أنه وجد من يستمع إلى سؤاله، ويحاول الإجابة عليه، وكأنما الأمر كله لا يعدو أن السائل لم يكن يريد من سؤاله إلا أن يسمعه الناس، أما الإجابة على السؤال نفسه فتبدو كأنها شيء لا ينتظره السائل ولا يلقى باله إليه وهذا ما كان من أمر الأخت مع ضرة أختها، فإنها اكتفت بما سمعته منها عن أسلافها الذين هم أكبر منها سنا وما كانوا يفعلونه في مثل هذا المقام، وانصرفت إلى أختها الراقدة تحت أقدامها فجعلت تعمل على تنبيهها ورد رشدها إليها حتى أفاقت، وعادت الأمور تجرى في مجاريها المعتادة.. فاستدعى الزوج من حقله، وقام بواجبات الدفن واجراءاته مع الحلاق، والطبيب، واللحاد، والفقهاء، ثم تلقى عزاء المعزيين وانطوت صفحة هذا الصبي المسكين من سجل الأسرة كما لو كانت وفاته قد جاءت نتيجة عارض طبيعي، ولم تكن من تدبير رأس شرير وصدر موتور، واطمأنت (أم السعد) إلى جريمتها الكاملة التي حسبت أنها دبرتها فأحكمت تدبيرها حتى أن أحدا لم يخامره الشك في أمرها.

ولكن بعد نحو شهرين من وفاة الصبي بدأ الناس يتنقلون في سمرهم بما كانت الخالة قد أخذت تقصه عما شاهدته من خارج الباب بعد مصرع الغلام، وكانت هي قد أسرت إلى بعض معارفها بما رأت، ونقل هؤلاء المعارف هذا الحديث العجيب بدورهم لغيرهم فلم يلبث أن لف القرية كلها، وانتهى آخر الأمر إلى سمع العمدة.

وكان العمدة رجلا محنكا ذا بصيرة يصح في حقه أن يقال أنه (العليم ببواطن الأمور)، فلما ترامى إلى سمعه ما رواه الناس عن الحالة اهتم له أكبر اهتمام، وتكشفت له به معان خطرة رأى من واجبه - كعمدة - أن يتثبت من صحتها، فاستدعى الخالة وسألها عما يذاع عنها من أنها رأت أم السعد وهي تقيس بالدوبارة جثة الغلام وتقص (شوشته) وأظافر يديه ورجليه، فأعادت على سمعه ما حدث أمامها في تلك الساعة بالتمام والكمال، ووجم العمدة لما سمع لأن علمه الواسع بتقاليد بلاده وعاداتها الخفية جعله يقتنع تمام الاقتناع بأن وفاة الصبي غير طبيعية، فقد كان من عقائد الراسخين في العلوم الخفية في تلك الجهات أن روح القتيل تعود بعد دفن الجثة إلى القاتل لتزعجه وتطارده في النهار ولتقض مضجعه في الليل.

وكانت التعويذة السحرية التي تعالج أمثال هذه المواقف عندهم أن يعمد القاتل إلى جثة فريسته فيأخذ مقاسها بقطعة من الدوبارة ثم يقص أظافره ويأخذ خصلة من (شوشته) ويجعل ذلك كله في صرة يحرقها ويدفن رمادها مع جثمانه.. وأنه متى فعل ذلك آمن شر (عفريت القتيل)، ومزعجاته ومن أجل ذلك أيقن العمدة أن الصبي لم يمت ميتة طبيعية، وأن زوجة أبيه هي التي تسببت في وفاته، واستكمالا للتحقيق استدعى اللحاد ليسأله عما إذا كان أحد قد كلفه بدفن شيء مع جثة الصبي، وقد تحقق ظنه حين أجابه اللحاد بأن صهر أم السعد زوج ابنتها قد سلمه ساعة الدفن (طاسة) بها أشياء محروقة ليضعها إلى جوار الجثمان فبادر العمدة إلى استدعاء هذا الصهر وسأله فيما يقوله اللحاد، فاعترف بأن حماته كانت قد سلمته هذه الأشياء ليضعها اللحاد في القبر مع جثة الصبي، وأنه لم يعر الأمر اهتماما لأنه يعلم أن للسيدات الكبار تقاليع كثيرة من هذا النوع، ولم يشأ أن يدخل مع حماته في نقاش حول أمر من تلك الأمور التافهة الكثيرة التي اعتادت أن تندبه لها، واعتاد هو أن يطيعها فيها دون أن يسائلها عنها مداراة لها ومحافظة على دوام رضائها.

وانتقل العمدة بعد ذلك إلى الزوج فسأله عن علاقة زوجته الأولى بزوجته الثانية، فروى له ما كان يلفت نظره في السنين الأخيرة من تصرفاتها التي تنم عن الغيرة والحقد، وقص عليه أنها طلبت إليه فعلا أن يختص ابنتها منه ببعض (طينه) قبل أن تكثر ذريته من زوجته الجديدة، وأنه كان يماطلها في ذلك ويراوغها حتى لا يحرم (الفقيد) من حقه في ميراثه الشرعي - وجيء بعد ذلك بالأم الثكلي فأيدت زوجها في كل ما رواه وعند ذلك تقدم هذا العمدة الشهم إلى رجال البوليس والنيابة ببلاغ عن الحادث يتهم فيه زوجة الأب بأنها قتلت ابن ضرتها، واستند في بلاغه إلى كل تلك التحقيقات التي قام بها والي (علمه القديم ببواطن الأمور) وما جاء مؤيدا له على لسان جميع الشهود الذين سمع أقوالهم، فصدر أمر النيابة باستخراج الجثة من قبرها وقام الطبيب الشرعي بتحليل بقايا أمعائها فثبت وجود الزرنيخ فيها، ووجهت أم السعد بكل هذه الأمور فلم ترى بدأ من الاعتراف بجريمتها الكاملة! فقدمت إلى المحاكمة واستمعت المحكمة إلى شاهد القضية الأول وهو عمدة البلدة ولم يتمالك القضاة أنفسهم من أن يثنوا علنا على كفايته وخبرته ويقظته أما أم السعد فكان جزاؤها عشرين عاما كاملة تقضيها في غياهب السجون حيث لم تنفعها الرقى ولا التعاويذ في الهرب من روح الصبي الهائمة التي ظلت تعذبها بالنهار وتؤرقها بالليل حتى قضت نحبها قبل أن تنقضي مدة عقوبتها والله يمهل دائما ولا يهمل!.

أبريل 1958

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى