مصطفى الشهابي - الملك المزيف...

نشأ «أوتو ويت» فقيرا.. فقد كان أبوه رقيق الحال لا مصدر لرزقه سوى الطواف بالمقاهي والنوادي يعرض ألعابا بهلوانية ورث هذه المهنة عن أبيه ومهر فيها.. واجتذب قلوب الجماهير بما كان يرسله من نكات مضحكة وفكاهات مستملحة، فلما ذاعت شهرته، ترك ألمانيا مسقط رأسه وأخذ يتنقل.. بين شتى الدول حتى استقر به المقام في دول البلقان وطابت له الحياة عندما صادف زميلا ألمانيا شاركه عمله... فأخذ الزميلان يعرضان ألعابهما في الميادين والأسواق، واجتذبهما ما سمعاه عن بذخ الأتراك وتقديرهم لمظاهر القوة والشجاعة والفتوة.. فيما شطر تركيا وتمكنا من دخولها ولكن "أوتو" أصيب بما أقعده عن مزاولة ألعابه على الوجه الذي ينال به إعجاب العثمانيين، فلم يجد ميدانا مفتوحا أمامه يضمن به حياة هادئة سوى الالتحاق بالجيش التركي، وساعدته الظروف، فتحققت أمنيته وجاشت في نفسه الآمال نحو بلاء حسن يعقبه رقي سريع في الجيش وحانت له الفرصة الذهبية واشترك فعلا في الحرب.

كان الأتراك يتخذون من الألبانيين سلاحا لمقاومة الدول البلقانية كالصربيين وسكان الجبل الأسود، الذين كانوا يحاولون أن يقتصوا من أطرافها ولذلك منحوهم امتيازات كثيرة فأمدوهم بالأسلحة وولوهم بعض المناصب الرئيسية في الدولة.. بل أن السلطان عبد الحميد الثاني جعل نصف حرسه من الألبانيين.

واتسعت دائرة الامتيازات، فنال الألبانيون حق افتتاح مدارس لتعليم لغتهم القومية.. واعتبرت الألبانية - في بلادهم - اللغة الرسمية بدلا من التركية.. هذا عدا تخفيف الضرائب عنهم ولما خلع السلطان عبد الحميد سنة 1909، حاول الأتراك الإقلال من هذه الامتيازات بالتدريج.. فثار الشعب الألباني وجرت معارك عديدة بينه وبين الجيوش التركية، وانتهى الأمر بإقرار أغلب ما كان يتمتع به الألبانيون.

وأغارت بعض الدول البلقانية على الأتراك بعد حين.. فكان من بين الجنود الذين تولوا مهمة الدفاع «أوتو ويت» الذي أبلى بلاء حسنا نال بفضله ترقية سريعة.. ثم منح إجازة قضاها في الاستانة.

وأدرك «أوتو» بثاقب فكره أن الأتراك سيخسرون تلك الحرب وخاصة لأن الألبانيين كانوا قد بدأوا يثورون في وجه الأتراك من جديد، فاختمرت في ذهنه فكرة مغامرة جريئة، سرعان ما أقدم على تنفيذها.. فأرسل إلى قائد الجيش العثماني في ألبانيا برقية يخطره فيها بأن الأمير حليم الدين أحد أفراد الأسرة الشاهانية، سيصل إلى ألبانيا ليتولى القيادة العامة للجيش العثماني

وأتم أوتو عدته لهذه التمثيلية، وتزود بالملابس الرسمية والنياشين الرفيعة الزائفة وقصد إلى ألبانيا حيث استقبله ضباط الجيش بما يليق بمقام أمير وقائد عام واستغل أوتو ثورة الألبانيين ونزعتهم إلى الاستقلال، فاتصل بكبار الأعيان وأوهمهم أن أمه ألبانية.. وأنه يعطف بكل جوارحه على مطالبهم، وأنه لو أطمأن إلى معاونتهم لنادى بنفسه ملكا لألبانيا المستقلة، وجاءت وفود الألبانيين تعلن تأييدها وتقدم ولاءها لمحرر بلادها.. عندئذ أعلن «أوتو» هو الأمير حليم الدين العثماني.

ولما وصلت الأنباء إلى تركیا دهش أولو الأمر.. لأن الأمير حليم الدين لم يعين في هذا المنصب، هذا إلى أنه كان يقيم بالاستانة في الوقت الذي أقيمت فيه الحفلات لتتويج «أوتو الأول » لذلك بادرت وزارة الخارجية التركية فأعلنت سفراء الدول ورجال الصحافة أنه لا بد وأن يكون « أوتو» هذا قد استعار شخصية الأمير حليم الدين وتربع على عرش ألبانيا بطريق الخديعة والغش ومن الطريف أن بعض الدول كالنمسا والمجر - وكانت دولة واحدة يومئذ - بادرت إلى إرسال وزير مفوض عنها في بلاط الملك الجديد.

وقد أسرعت تركيا بإرسال جيش ليقبض على هذا الممثل الجرئ، ففر إلى النمسا والمجر متخفيا في زي فلاح وهناك تزعم عدة فرق للألعاب البهلوانية ولما انتهت الحرب العالمية الأولى، انتقل إلى ألمانيا حيث غامر بنفسه في ميدان السياسة .. واستطاع أن يكون حوله حزبا صغيرا.

وغلا في تقديره لشخصيته، فأراد أن ينافس هند نبرج على رئاسة الجمهورية سنة 1932 اولًا أن تصدى له أحد أنصار منافسه ونشر عنه كتابا ضمنه تاريخ حياته! وعندما تسلم هتلر مقاليد الأمور، أمر بزجه في السجن حيث بقي إلى أن سقطت ألمانيا في قبضة الحلفاء... وعندئذ أفرج عنه، فعاد إلى السياسة من جديد، واستطاع أن يجتذب حوله بعض الألمان الثائرين على تقسيم ألمانيا والراغبين في إعادة تكوينها!

1951م




1720710749015.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى