د. أحمد الحطاب - مضى ما يُناهز 70 سنة على استقلال البلاد وأحزابُنا السياسية لا تزال لم تجد حلولا لمشاكل التنمية البشرية!

ما أقوله لهذه الأحزاب السياسية التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، ماضياً وحالياً، اتَّقوا اللهَ في وطَنكم، وكفى من اللَّغط واللغو السياسيين، وانظروا إلى الواقع بأعيّنٍ وطنية ومواطنة. الوقت لا يرحم، والتَّقدُّم والتَّطوُّر اللذان يعرفهما العالم اليوم، لن ينتظرا أحداً للانخراط فيهما. يا أحزابَنا السياسية، فكيف ستنخرطين في هذين التَّقدُّم والتّطوُّر وأنتِ غارقةٌ، منذ استقلال البلاد سنة 1956، في أخذٍ وردٍّ ومدٍّ وجزرٍ ولغطٍ ولغوٍ لإيجاد حلولٍ لأدنى مشاكل التنمية البشرية؟ ولا تزال هذه قائمة يتضرَّر منها أغلبية كبيرة من ألمواطنات والمواطنين.

ألمانيا خرَّبتها الحربُ العالميةُ الثانيةُ. لكنها نهضت من خرابِها وتقدَّمت وتطوَّرت. وهاهي اليوم تُعد من أقوى البلدان اجتماعيا، ثقافيا، اقتصاديا، صناغيا، زراعيا، علميا، تكنولوجياً… كوريا الجنوبية، سنغافورة، ماليزيا، إندونيسيا… كانت بلدانا لا تختلف عن المغرب اقتصاديا، في الخمسينيات والستينيات! هل رأيتم كيف أصبحت اليوم هذه البلدان من حيث التَّقدُّم والازدهار؟ فهل هناك سرٌّ لجأت إليه هذه البلدان لتصبحَ على ما هي عليه اليوم؟

ليس هناك سرٌّ ولا هم يحزنون! كل ما في الأمر أن الرجالَ والنساءَ الذين أسنَدَت لهم شعوبُ هذه البلدان أمرَ تدبير الشأن العام، كانت لهم إرادة سياسية قوية وأخلصوا لوطنهم وفي عملِهم وقدَّروا مسئوليتَهم. أهذا الأمرُ يُعَدُّ سرا، أم أن هذا الأمرَ له علاقة بالعزيمة وبالإرادة القويَّتين وبالإخلاص للوطن وبتقدير المسئولية؟

وهذا هو ما دفعني لأُثيرَ الانتباهَ إلى أن كلَّ مَن قال ويقول إن هذا البلدَ السعيدَ فيه أحزابٌ سياسية "وطنية" و "مُواطِنة"، فهو كاذِبٌ أو له حاجة في نفس يعقوب أو أنه أعمى، بمعنى أنه يرى ولا يُدرك أو يرى ولا يريد أن يُدركَ. فما معنى أن تكونَ الأحزاب السياسية "وطنية" و "مواطِنة"؟

بكل بساطة، كلمتا "وطَنية" و "مواطِنة" تعنيان أن الأحزاب السياسية، وجودُها مرتبطٌ ارتباطا وثيقا بحب الوطن patriotisme وبالمواطنة citoyenneté. وهذا يعني أن أيَّ تفكيرٍ أو عملٍ تقوم به الأحزاب السياسية، من المفروض، أن يكونَ في صالح الوطن.

وللتَّذكير، لما كان المغرب مستعمرا من طرف فرنسا، كانت كلمة "وطن" متداولة بكثرة بين الناس، وحتى بين الأمِّيين منهم. وهذه الكلمة، أي "وطن"، كانت لها قيمة عالية، إن لم أقل مقدسة. بل كنا نسمع من حين إلى آخر الحديثَ عن "أولاد الوطن" الذين كانوا هم الفدائيون. وأكثر من هذا، كان "الطَّربوش" الذي كان يضعه الملك محمد الخامس، رحمه الله، على رأسِه، رمزا للوطن وللمواطنة.

وعودةً إلى صلب الموضوع، الكاذب والشخص الذي له حاجة في نفس يعقوب والشخص الذي يرى ولا يريد أن يُدركَ، كلُّهم، وما أكثرهم، متملِّقون ومُجامِلون ومُتصنِّعون، وفي نهاية المطاف، منافقون. لماذا؟

لأنهم يعرفون الحقيقةَ ويُظهِرون لأسيادهم السياسيين عكسَها، رغبةً منهم في كسبِ وُدِّ هؤلاء الأسياد أو الحصول على امتيازات غير مشروعة.

أما صاحبنا الذي يرى ولا يُدرك، إما أن يكونَ مُختلاًّ عقليا، فهو معذورٌ. وإما أن يكون متمتِّعا بكامل قواه العقلية، فهو غير معذور. لماذا؟

لأن العصرَ الذي نعيش فيه، إن كانت له مُمَيِّزات، فأكبرها وأعظمها، هو انتشار الخبر بسرعة فائقة. وما أكثرَ الأخبار المتعلقة بفساد السياسة والأحزاب السياسية. إذن، كل شخصٍ متمتِّعٍ بكامل قواه العقلية، مُطالبٌ، إن كان مواطنا يحب وطنَه ويريد له الخير، بأن يتفاعل مع الأخبار المتعلِّقة بفساد السياسة والأحزاب السياسية، ولو، فقط، على المستوى المعنوي.

يا عبادَ الله! هذه هي حقيقةُ مشهدنا السياسي وهكذا يشتغل! بلغتا فيه الزبونية clientélisme والمحسوبية népotisme أوجَهما، من قبِيل : "أقدٍِم لك خِدمةً (خارجَ القانون أو تحايُلاً عليه)، وبالمقابل، تقدِّم لي خدمةً (خارجَ القانون أو تحايّلاً عليه)". ومَن يعتقد غير ذلك، فهو خاطئ أو يعيش، كما نقول، في دار "غفلون".

فيكفي أن نلتفِتَ لما يجري حولنا من أحداثٍ، لنطَّلِعَ على ما يُنشَرُ من أخبارٍ تُفيد بأن فساد السياسة والأحزاب السياسية بلغ مستوباتٍ مخيفة. وهذا يعني أن هذه الأحزاب السياسية، وحتى إن كانت لها "إنجازات"، فهذه الإنجازات تكون، في غالب الأحيان، مَشوبةً بالفساد المتحايل على القانون.

ولهذا، فكل نص قانوني يقابله تحايلٌ مصاغٌ على المقاس. وهكذا، فكل الإنجازات تبدو وكأنها قانونية، لكنها، في العمق، غير قانونية لأنها قائمة على الفساد.

وفي هذا الصدد، يكفي، كذلك، أن نطَّلع على التقارير التي يحرِّرها سنويا المجلس الأعلى للحسابات، لنلاحظ أن أنشطةَ الأحزاب السياسية، سواءً تلك التي توجد في البرلمان والحكومة أو تلك التي تتموقع في المعارضة، إن كانت هناك معارضة، لا تخلو من تجاوزاتٍ ومن مخالفاتٍ للقانون، بل أحيانا لدستور البلاد.لماذا؟

لأنه لا يوجد قانونٌ ليس فيه ثغرات. وحتي إن اعتقد المُشرِّعُ أن قوانينَه ليس فيها ثغرات، فالفاسِدون والمُفسِدون، بحكم دهائهم، قادرون على إيجاد هذه الثغرات، كما لهم درايةٌ كبيرةٌ في استغلالها استغلالا فاحِشا ومُضِرا بالبلاد والعباد.

والدليل على دهاء الفاسدين والمفسدين، هو ما يقع لبعض الأملاك العقارية والسكنية التي، بين عشية وضحاها، تنتقل، ظلما وعُدوانا، من مِلكية أصحابها الحقيقيين إلى ملاكين مُزوَّرين، بالنَّصب والاحتيال.

وعودةً إلى عنوان هذه المقالة، أي : "مضى ما يُناهز 70 سنة على استقلال البلاد وأحزابُنا السياسية لا تزال لم تجد حلولا لأدنى مشاكل التنمية البشرية"! فما هي هذه المشاكل؟

بينما البلدان التي أشرتُ لها أعلاه (ألمانيا، كوريا الجنوبية، سنغافورة، ماليزيا، اندونيسيا…) تفكِّر في مزيدٍ من التَّقدُّم والازدهار، أحزابنا السياسية لا تزال تُحارب (إن كانت هناك فعليا محاربة) الأميةَ analphabétisme والجهل ignorance والفقر pauvreté والتهميش marginalisation والهشاشة vulnérabilité والاقتصاد غير المُهيكل économie informelle وفك العُزلة عن العالم القروي، وتتصارع (إن تصارعت) مع جميع أنواع الفساد les différentes sortes de corruption. ولا يخفى على أحدٍ أن كلَّ هذه الأشياء هي، في الحقيقة، علاماتٌ من علاماتِ التَّخلُّف sous-développement.

فلا غرابةَ أن تُصنَّفَ بلادنا في المراتب الأولى عندما يتعلَّق الأمرّ بانتشار الفساد والرشوة، وفي المراتب المتأخِّرة فيما يخص التنمية البشرية وجودة التعليم والخدمات الصحية والبحث العلمي والابتكار وترتيب الجامعات…

فهل يُعقل أن ما يناهز 70 سنة تفصلنا عن استقلال البلاد، وأحزابنا السياسية لا تزال تتصارع مع مشاكل التنمية البشرية؟

لو كانت لأحزابنا السياسية التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، ذرة من العزيمة والإرادة السياسية المستمدة من حب الوطن ومن الإخلاص في العمل ومن تقدير المسئولية، لكانت هذه المدة كافية للقضاء على كل هذه الآفات بالتَّدريج!

لكن أحزابَنا السياسية، المعنية بالدرجة الأولى بتدبير الشأن العام الشفاف والخالي من الفساد، فشلت فشلا ذريعا في النهوض بالبلاد وتمكينها من قطعِ خطواتٍ جبارةً في مسيرة التنمية بجميع مشاربها. بل إنها تغضُّ الطَّرفَ عن الدستور وعن القوانين وعن تَّجاوزات هذه القوانين وعن الفساد وعن تقارير المجلس الأعلى للحسابات.

فما على المواطنات والمواطنين، الذين وضعوا ثقتَهم في هذه الأحزاب السياسية إلا أن يضعوا علامات استفهام كبيرة أمام تساؤلاتهم المشروعة والتي لا تُناقش لا على مستوى البرلمان ولا على مستوى الحكومة.

آن لم تقدر الأحزاب السياسية أن ترفعَ شأنَك، يا وطني، بين الأمم، فأنتَ مرفوع الشأن في قلوبنا. لك الله يا وطني!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى