مصطفى نصر - ١٠ أغاني محرّمة بسبب الخلاعة بينها أم كلثوم وسيد درويش

1– قف بالطواف – فوزي محسون
من المعروف عن عمر بن ربيعة أنه تمنى أن يكون موسم الحج دائماً “ ليت ذا الدهر كان حتما علينا كل يومين حجة واعتمارا” وهذا لم يكن حباً بالدين. في موسم الحج كان الشاعر القرشي يرى جميع أنواع الفنون والتجارة، وكان أيضاً يرى فيه نساءً من شتى أنحاء المنطقة. هذه الأغنية ترسم لنا مشهداً جميلاً لشاب يقع في أسر فتاة جميلة مُحْرِمة تطوف في مكة. الشاب لا يتمالك نفسه ولا هي تبالغ في التمنع، ويبدأ الاثنان بالغزل. غزل جميل محرم. منع بث هذه الأغنية على الراديو، ونُفي طلال مداح من السعودية إلى مصر بسبب غنائها علناً. أداء فوزي محسون للأغنية مُقل بحيث يرسم لنا المشهد ببراعة، ويعززه الإيقاع البسيط الذي يجلب للمخيلة صورة مكة في أيام عمر بن ربيعة.
٢ – أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي – أم كلثوم
هذه الطقطوقة كانت في بدايات رحلة أم كلثوم وكانت متماشية مع أغاني “الهنك والرنك” التي درجت آن ذاك والتي كان فيها شيء من اللوعة الجنسية والميوعة التي لاءمت حفلات الخديو اسماعيل الشهيرة. أثارت الأغنية ضجة كبيرة جعلت المعنيين بمستقبل أم كلثوم الفني في ذلك الحين بإقناعها بضرورة سحب الاسطوانة. اعترضت شركة التسجيل على ذلك وكان الحل أن الأغنية أعيد تسجيلها لتقول “أنا اللطافة والخفة مذهبي”، وكان أداؤها باهتاً وتلقيها ضعيفاً مقارنة بالأصل.
٣ – وانا مالي هية اللي قالتلي – سيد درويش وأمينة القبانية
المفارقة هنا أن الشخص الذي كتب كلمات الأغنية (يونس القاضي) كان هو من أصدر قرار منع الأغنية وشطبها فور استلامه منصب مراقب الداخلية. ذلك أن هذه الأغنية – بالإضافة إلى أغنية أم كلثوم أعلاه – كانت تسبب له حرجاً في الدوائر الاجتماعية المصرية في ذلك الوقت. تقول كلمات الأغنية: وانا مالى هى اللى قالتلى / روح اسكر وتعالى عل البهلي / شربت شوية وبعد شوية / بعتت لى خدام يندهلى.
٤ – على سرير النوم دلعني – حبيبة مسيكة
كانت حبيبة مسيكة مشاكسة بامتياز. ففي وقت كانت فيه نساء تونس منقبات ومحجبات كانت هي تظهر في أزياء باريسية وتختال حول المدينة. كانت تلفت الانتباه أينما حلت بسبب جمالها وجرأتها، فمرة تقبل الفنانة الليبية لطيفة رشدي أثناء لعبها دور روميو، ومرة تلف نفسها بالعلم التونسي، لتقتحم الشرطة الفرنسية المسرح وتعتقلها. يذكر أن حبيبة مسيكة أسرت قلوب العديد من الرجال وكان لها عشاق عديدون، وكان هذا ما أدى إلى وفاتها المفجعة.
٥ – أنا الملك جلاد زين – غير معروف
يبدو من صوت التسجيل والآلات أن هذه الأغنية الغامضة تعود إلى السبعينات من القرن الماضي، ويعزز هذا التقدير نوع الأحداث الذي تركز عليها الأغنية كتسليح آل سعود للملك حسين في مواجهة الفدائيين، بالإضافة إلى أحداث حرب الأيام الستة. ظهرت الأغنية مؤخراً عندما استخدمها ناشطون في أرض الحجاز وأعدوا لها الفيديو أعلاه.
٦ – “يا *سّ أمّك”- مجهول
يصف كامل الخلعي في كتابه “الموسيقى الشرقيّ” الذي صدر سنة 1904 جماعات “الصهبجيّة”، أو “أصحاب قهاوي الحشيش” التي كانت تحيي حفلات الزفاف المتواضعة: “كانوا يجلسون جماعتين متقابلتين على دكّتين وسطهما طاولة عليها شمع وزجاجات الخمر البخس، يغنون الموشّحات المصريّة والشاميّة. وعند نهاية الموشّح يبدأ أحد الصبية بغناء موّال غاية في سخافة الألفاظ وقبح المعاني”.
لا شكّ بأن لـ(الشيخ) سيّد مكّاوي، مثله مثل كثير من مجايليه، وجهاً مخفيّاً آخر غير الوجه الوطنيّ والعروبيّ “الأرض بتتكلّم عربيّ”، “رباعيّات صلاح جاهين”، والدينيّ “حيران على باب الغفران”. لكن هذه الأغنيّة، التي خرجت عن جلسة خاصّة كما هو واضح، صادمة لمباشرتها وفجاجتها. الأمر الذي يدعو لإعادة التفكير في وجوب ادّعاء قدسيّة وطهرانيّة الشخصيّة الموسيقيّة العامّة. وعلاقة هذه الطهرانيّة وعدمها بالأعضاء الجنسيّة الأنثويّة، والعملية الجنسيّة بحد ذاتها كفعل يستدعي الفضيحة.
٧ – شُقَعْ بُقَعْ يا ديل الفار- الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم
كان من البديهي أن تُمنع أغاني الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم من الإذاعة، وأن تتم محاربتهما من قبل نظام جمال عبد الناصر وأنور السّادات، إضافة إلى مشاكستهما التي طالت أيقونةً مثل أم كلثوم. في هذه الأغنية، يهاجم الثنائيّ العضويّ نظام “الضبّاط الأحرار”، الذي أتى بعبد الناصر إلى الحُكم، على هزيمة حرب سنة 1967، وأم كلثوم التي حاربتهما بعد أن سجّل أحمد فؤاد نجم قصيدة “كلب الستّ” المشهورة، بعد أن عقر كلب “سومة” طفلاً فقيراً مرّ بالصدفة من قصرها.
٨ – مين يجرى يقول- ذكرى
في العام 1996، صدر قرار للأمم المتحدة يقضي بتفعيل الحظر الجويّ فوق ليبيا، نتيجةً لرفض النظام السابق بتسلم المتّهمين في “قضيّة لوكربي”. وعندما حلّ موسم الحجّ، رفضت السعوديّة استقبال الطائرات الليبيّة التي تقلَ حجّاجاً مباشرة من ليبيا، حتى سمح لاحقاً للحجّاج بالسفر برّاً إلى القاهرة، لاستقلال طائرات الخطوط المصريّة فقط.
إثر هذه الحادثة، كتب الشّاعر الليبيّ علي الكيلاني قصيدة طويلة بعنوان “مين يجرى (يجرؤ) يقول”، نقل فيها ملحميّة قذّافيّة طال انتقادها الحكّام العرب على تخاذلهم تجاه العروبيّة وفلسطين. وقامت التونسيّة ذكرى بغناء مقطع من القصيدة موجّهة إلى ملك السعوديّة، وفلسطين. بعد وفاة ذكرى (2003)، استقدم علي الكيلاني الأردنيّة أمل الشبلي لغناء مقطع جديد من القصيدة كتبه بعد إعدام الرئيس السابق صدّام حسين (2006).وإثر ثورة 17 فبراير 2011، بقي الكيلانيّ وفيّاً لنظام القذّافي، لينتج أغنية جديدة تندّد بغزو قوّات الناتو، وتواطؤ الحكّام العرب- مرة أخرى.
التعليق الوحيد، ربّما، على هذه النسخة، أنّها اخترقت كل الأعراف، وانتقدت مباشرةً نظاماً عميلاً يحمي نفسه بغطاء دينيّ. إلّا أن الوجه الآخر من التعليق يكشف أن سلسلة الأغاني أنتجت بتحريض من نظام قمعيّ تجهيليّ يحمي نفسه بغطاء عروبيّ.
٩ – الله أكبر- معطوب الونّاس
التاريخ يقول بأن معطوب الونّاس عاد إلى قريته “توريت” بعاصمة القبائل “تيزي أوزو” سنة 1998 رغم التهديدات بالقتل من قبل الجماعات الإسلاميّة المتشدّدة. وبعد عدّة أيّام، نفّذت الجماعات تهديدها وقتلته بالقرب من قريته وهو يقود السيّارة.
التاريخ يقول بأن معطوب نموذج مضاعَف برز وسط الشوفينيّة العربيّة، والقعميّة الدينيّة، والإقصائيّة المجتمعيّة، والاستعماريّة العربيّة الجديدة. لذلك، كان من الطبيعي أن يعلو صوته جاهراً بالإلحاد، وداعياً إلى العلمانيّة، وإلى إنصاف الأمازيغ الجزائريين الذين تم تهميشهم ومنع تداول وتعليم لغتهم.
١٠ – السمطة- ناس الغيوان
قد تنطبق صفة “الممنوع” على معظم أغاني فرقة “ناس الغيوان” المغربيّة، وذلك لأنّها التعبير الأنقى والمباشر للشارع. وخلوّها من شوائب التمويل، ومحاولات جرّ الموسيقى الشعبيّة إلى الطبقيّة وحبسها فيها. لهذا السبب، رفض أعضاء الفرقة: باكو، بو جمعة أحكور، العربي باطما، عمر السيّد، وعلال يعلى (آنذاك)، تسييس أغانيهم. ربّما القصد في ذلك التفلّت من ثنائيّة “النظام- المعارضة” التي ارتبطت، في وعينا العربيّ المعاصر، بإعادة إنتاج مراتب سلطويّة جديدة.
يمكن تأويل أغنية “السّمطة” بعدة تأويلات: فالسّمطة (الحزام) على “المواطن” الذي يرفض “تغرّبه” و”برّانيّته”. و”الجنوي” (السكّين) ماضٍ ويجرح. و”العمارات عالية، والأكواخ مرودمين. والمسابح دافقة، والفدادين محروقين”. و”شمسي ضاوية، البيوت مغموقين (معتمة). وبحوري عامرة، وإحنا جوعانين”.
تقّق أغنية “السّمطة” نموذجاً عابراً للأنظمة والعصور. فكما كانت تأوَّل ضد نظام الملك حسن الثاني، تُأوّل الآن ضد حكم الملك محمّد السادس. وسيتم تأويلها ضد الأنظمة القادمة بالتأكيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى