مصطفى فودة - قراءة فى "نوافذ الضوء" قصص قصيرة للكاتب محمد صالح البحر الكتابة فى المساحة المختبئة بين البياض والعتمة

يمثل عنوان المجموعة القصصية "نوافذ الضوء" أهمية كبيرة فى الإشارة إلى فضاء قصص المجموعة ، فالنوافذ مصدر الضوء وتطلع إلى العالم الخارجى وذلك على المستوى المادى والمستوى المعنوى للنوافذ والضوء مثل التطلع إلى الحرية والانعتاق من القيود وهكذا، وعنوان المجموعة هوعنوان القصة الثانية، كذلك كان عنوان القصة السابعة هو الشرفة وهو معادل للنافذة أيضا، وفى الإهداء إلى أعزاء الكاتب إشارة إلى عبارة نوافذ مفتوحة على ضوء لا ينضب، فهناك إلحاح فى عتبتى المجموعة العنوان والإهداء على ترديد النوافذ والضوء وهو ما سيتكرر فى ثنايا قصص المجموعة من نوافذ وضوء وما يقابله من عتمة وما بينهما من غبشة على ما سنرى لاحقا فى قصص المجموعة ، وتتكون المجموعة من سبع قصص وتقع فى مائة وثلاث وعشرين صفحة ، تشغل كل قصة من الثانية حتى السادسة ما يقرب من اثنتين وعشرين صفحة، وتشغل القصة الأولى صفحتين والسابعة (الأخيرة) خمس صفحات، فنحن أمام عدد قليل من القصص تشغل أكثرها حيزا كبيرا نسبيا، وقد صدرت المجموعة عن الهيئة المصرية العام للكتاب .
احتوت كل قصة من قصص المجموعة السبعة على نافذة للضوء بالمعنى المجازى، بمعنى كان بكل قصة طاقة للأمل أو الفرح أو للسلام النفسى، كما كان الموت وما يعادله من غياب للجسد أو العقل أو الإرادة يمثل العتمة وهو ما يقابل الضوء، فنحن أمام قصص مركبة تجمع بين الحياة والموت وبين الفرح والحزن وبين الضوء والعتمة وما بينهما من مساحات بينية على ما سنرى.
فى القصة الأولى المقعد الخالى وهى أقرب إلى التأملات الفلسفية فى المساحة المختبئة بين البياض والسواد (وهى عبارة تكررت مرتان بالقصة) فى الضعف الإنسانى عند البشر وخاصة المرضى النفسانيين الذين يفكرون فى الانتحار فيلجأون للطبيب النفسى للعلاج وآخرين يذهبون للشراب فى البار ومنهم السارد"الشراب فى جماعة أمر مهم جدا لكى أسمو"ص8 (والبار والشراب دالان قابلان للتأويل بالمعنى الصوفى خاصة أن السارد أعقبها بعبارة لكى أسمو) ، فكانت الجماعة أو الشراب بمعنى السمو نافذة ضوء للسارد، وبالقصة بعنوانها وتكرار استخدام المقعد الخالى فى عدة مواضع بالقصة أصداء من لوحة الفنان الهولندي الشهير فان جوخ "كرسى فان جوخ" وهو كرسى ريفى بسيط عبرعن زهده وعزلته وقد كان الفن نافذة ضوء له فى حياته .
كان العمل هو نافذة الضوء للسارد فى قصة نوافذ الضوء وكان انتهاء العمل ووصوله لسن المعاش بمثابة الموت بمعناه الحقبقى أو المجازى، وتلوح للسارد فى يومه الأخير فى العمل قبل المعاش رحلته فى الحياة مثل شريط سينمائى منذ ولادته إلى الطفولة والشباب حتى الموت ويخبره صوته الداخلى بأنه يحلم .
وكانت مريم تمثل للسارد نافذة ضوء فى قصة بيت مريم، فهى بمثابة الأم والطهر والعفاف ولإسمها دلالة على ذلك، فى مقابل جارتها التى تمثل الإغواء والإغراء للوقوع فى الخطيئة ويشبهها بالجنية ، ونرى أنهما امرأتان اسطوريتان بما أضفى عليهما الراوى من صفات أسطورية .
وفى قصة أثر المحبة تناص على قصة النبى يوسف وبطلها اسمه يوسف وهو السارد أو طيفه وكان عشق المرأة وحب الجمال هو طاقة النور ليوسف .، وتحكى عن مقتل يوسف برصاصة حيث كمن له ثلاثة أفراد لقتله وهم أخوه وهوغريمه فى محبة أبيه، وصديق طفولته وهوغريمه فى محبة زميلتهما فى الكُتَّاب والمدرسة رغم زواجها من زميله، ورب عمله وهوغريمه فى محبة البنت التى تسعى بأكواب الشاى بين مكاتب المؤسسة "ص69 .
وفى قصة "وحدى معهم" كانت ابنة السارد هى "طاقة النور الوحيدة التى كافأتنى بها الحياة"ص73 كان غياب العقل بمثابة الموت، ويتراءى للسارد أن زوجته تذبح رجلا فى ليلة زفاف ابنتها ونفهم أن السارد هو ذلك الرجل المذبوح وأنه مجنون ومحتجز فى مستشفى الأمراض العقلية فى جلباب أبيض ومربوط بإحكام
كانت الجدة نافذة الضوء للسارد الطفل فى قصة "لم أعد أصدقهم" والتى ماتت بفيروس كورونا فقد كانت تحكى له حكايات قبل النوم"كانت تهدهدنى بها(الحكايات) كلما استعصى عليَّ النوم بين ذراعى أمي وأنا صغير"ص106 . وفى قصة الشرفة عن رجل خمسينى كانت تافذة الضوء تنبع من داخله على مسامحة الجميع وتجنب الألم "وأنا أنظر إلى داخلى وأرى تلك المساحة الشاسعة من البياض الذى يملأنى كأن ملاكًا طيبًا هبط من السماء وتلبسنى فجاة، فبدوت صافيًا ونقبًا"ص118 .
السرد : اتسم السرد فى قصص المجموعة بالتعبير عن المنطقة الوسطى بين الضوء والعتمة وبين النوم والصحو وبين الموت والحياة وهى المنطقة الأثيرة لدى الكاتب وقد عبر السارد عنها أبلغ تعبيربعبارة"فى المساحة المختبئة بين البياض والعتمة " التى وردت مرتين بالقصة الأولى المقعد الخالى وظهر جليا فى القصص السبع التى أشرنا إليها ، وعلى سبيل المثال كانت القصة الثانية " نوافذ الضوء" كلها سردية بين الحلم والواقع بدأت بقوله هتف راجيا :
-دعنى أنم قليلا .
وهى من البدايات الجميلة والمعبرة عن حالة السارد بين النوم واليقظة بعد رنين المنبه، وقد استدعى السارد حياته كحلم فى يومه الأخير من عمله لوصوله إلى سن المعاش. كما اتسم السرد بالمشهدية البصرية وكان مشهد قتل يوسف بقصة أثر المحبة ووصف دخول الرصاصة فى جسده وخروجها منه واحساسه بالبرد وخروج الدم ووقوعه على الارض من أشد المشاهد عنفا وقوة فى التصوير والتعبير بطريقة مشهدية بارعة وكأننا نرى مشهد القتل بالحركة البطيئة من خلال كاميرا بلقطة قريبة (CLOSE UP) وقد استغرق ذلك الوصف فى هذا المشهد أكثر صفحات القصة من ص53 إلى ص72 ، وكذلك تصويرمشهد الشيخ المجذوب بملابسه المهلهلة وهمهماته التى تشبه الكلام ورقصته المحنونة وهو يردد جملته الأثيرة الدائمة "حي، مدد "ص108 ، 109 وفى سائر قصص المجموعة كانت المشهدية سمة لافتة فى السرد القصصى .
كما اتسم السرد بقلة الأحداث نسبيًا والغوص فى أعماق الشخصية ووصف مشاعرها الداخلية بعمق وتفصيل كبيرين بطريقة أشبه بالإستبطان الداخلى والذى يُعنى بالتأمل الباطنى وملاحظة الفرد لإدراكه ومشاعره . وكان الحوار قليلا ومكثفا ومعبرا عن الشخصية باللغة العربية اليسيرة ، مثل الحوار بين والد السارد وبين عمته فى قصة لم أعد أصدقهم
- لا تطمعى فى شئ هنا، فزوجك سيموت أيضا فى الوباء .
- وإذا لم يمت ؟!
- إذا لم يفعلها،ساتولى أنا كل شئ . ص111
اللغة : اتسمت اللغة فى قصص المجموعة بالبساطة والجمال الفنى وكانت باللغة العربية اليسيرة فى السرد والحوار والحوار الداخلى(المنولوج) للشخصية فلم يستخدم الكاتب كلمة عامية واحدة، كذلك وظف السارد الأساليب البلاغية للغة مثل المجازوالتشبيه والإستعارة ففى قصة وحدى معهم استهلَّ القصة بالتشبيه والإستعارة المكنية التى تحذف فيها المشبه به وتبقى صفة من صفاته وتلتقى مع أسلوب التشخيص (إضفاء صفات بشرية على الأفكار أو الأشياء غير الحية فتبدو حية) وهو أسلوب استخدمه الكاتب كثيرًا مثل تشخيص الموجة "كدفقة موجة هادئة تلقى بجسدها على شاطئ ليلى باهت الإضاءة "ص72 ، ومن العبارات المجازية الجميلة "رأى الشارع لا يزال يجرى إلى الخلف عبر نافذة السيارة "ص15، ومن الفقرات التى عبرت عن نمو الغريزة الجنسية لدى الطفل وتطلعه إلى الجنس الآخربلغة فنية مجازية " تحت سماء صافية وفضية – لم تهتك الشمس بكارتها بعد فى هذا الوقت المبكر من الصباح- يتسلل الطفل بهدوء وتلقائية كأنما نداهة ما تشده إلى بيت الجارة المقابل لتتفتح فى عينيه الألوان الصاخبة لزهور عالم الجنية الجميلة التى تسكن البيت"ص19 وقد ورد تشبيه المرأة المغرية بالجنية فى أكثر من موضع ص43، وهكذا تطول الاستشهادات على تلك اللغة الفنية الجميلة التى تصل إلى حد الرشاقة البالغة فى وصف مشى زوجة السارد فى فرح ابنتها "أراها تمشى بخطوات راقصة وخفة طائر يفرح بامتداد جناحيه فى الفضاء الواسع وهى تصفر بأنغام أغنيتها المفضلة "ص89 واتسمت اللغة بالكثافة الشعرية فى مواضع منها الاستهلال فى قصة الشرفة " أنا نصف قلب / ونصف روح / ومع التقدم فى العمر/ أصبحت نصف جسد/ فماذا سيغرى اليمام ؟ / كى يحط على شجرة خريفية / أو يمرَّغ عينيه فى اللون الاصفر" ص117 .
استخدم الكاتب مظاهر شعبية مثل الشيخ المجذوب ص108 ، وتصورات أسطورية مثل النداهة والمردة والشياطين والجنيات الجميلات التى تخطفن الأطفال وتحولنهم إلى عفاريت بغية الزواج بهم "ص39 وإلى التناص مع فيلم تمر حنة والتى رفض والد حبيبها زواج ابنه منها بحجة أنها فتاة فقيرة وغجرية راقصة مع قصة زواج السارد من جارته التى رفضها أبوه أثناء حياته فى قصة نوافذ الضوء ص22 ، كما أكثر من استخدام مفردات وشيش البحروغمغمة البحر الهادرة فى قصة لم أعد أصدقهم ربما لبيان الرهبة والمجهول ورمز التفاحة الجنسى ورمز الكنز أو الصندوق والبئر فى بيت مريم ص32 .
إن قصص المجموعة تنم على أننا أمام كاتب موهوب يملك أدواته التعبيرية بإقتدار ولغته الفنية الجميلة والتعبيرية المميزة وعالمه الداخلى الغنى .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى