بهجت العبيدي - إعمال العقل في النصوص الدينية: بين نور الفكر وظلام الجمود

في زاوية منسية من التاريخ، يقف ابن رشد، شامخاً كطود لا تهزه عواصف الزمن. كان هذا الفيلسوف الأندلسي رمزا لعصر عظيم، عصر حمل فيه العقل لواءه وارتقى فيه الفكر إلى ذرى لا تطالها أيدي الجمود. لقد اجترح ابن رشد مساراً شاقاً، لا يخشى فيه مواجهة التيار السائد، ولا يرتد أمام حراس التقليد الذين يرون في التجديد تهديداً لأركان عالمهم الراكد.

لقد آمن ابن رشد بأن الدين والعقل صنوان لا يفترقان، وأن النصوص الدينية إنما جاءت لتُفهم وفق قواعد العقل والمنطق. كان يرى أن الحقيقة واحدة، وأنها لا يمكن أن تتناقض بين ما جاء به الوحي وما اكتشفه العقل. ولكنه كان مدركاً تماماً أن هذا القول ليس يسيراً، وأن معركته ليست مع الأفكار وحسب، بل مع مصالح القوى التي تتخذ من الجمود سلاحاً لإحكام قبضتها على العقول.

حين وقف ابن رشد أمام موجة الهجوم عليه، لم يكن يواجهها بسلاح الحقد، بل بسلاح العلم. لقد ألّف شروحه وكتبه، وطرح أفكاره التي استقت من منابع الحكمة اليونانية وامتزجت بروح الشريعة الإسلامية. ولكنه في النهاية خسر المعركة. لم تكن الخسارة خسارته وحده، بل خسارة أمة بأكملها. لقد تم نفيه، وتم إحراق كتبه، وكأن الأمة أعلنت قطيعتها مع العقل. وفي تلك اللحظة الفاصلة، لم يُطفأ نور ابن رشد فحسب، بل أُسدلت ستائر الظلام على مستقبل كان يمكن أن يكون أكثر إشراقاً.

لو أن ابن رشد قد انتصر، لكان وجه العالم الإسلامي مختلفاً تماماً. كان يمكن لعصر التنوير أن يبدأ في الأندلس بدلاً من أوروبا، ولكان العقل المسلم قد أخذ بزمام العلم منذ قرون، موحداً بين الحكمة الإلهية والبحث العلمي. لكن ما حدث كان عكس ذلك. لقد انتصر التيار السلفي، الذي رأى في كل جديد بدعة، وفي كل فكر حر خروجاً عن الدين.

وعلى الجانب الآخر من التاريخ، كان هناك تيار آخر يعيد بعث فكرة التنوير، ولو بعد قرون من القمع. المعتزلة، الذين برزوا في العصر العباسي، كانوا سابقين لابن رشد في رفع راية العقل، وكانوا قد أسسوا رؤية تجعل من العقل حكماً في تفسير النصوص الدينية، متخذين من مبدأ “التأويل” وسيلة لفهم النصوص وفقاً للمنطق والعقلانية.

حظي المعتزلة في البداية بحماية الدولة، لا سيما في عهد الخليفة المأمون، الذي كان يعتبرهم حلفاءً في مشروعه الفكري والسياسي. فلقد رأى المأمون في المعتزلة تياراً يجسد روح التجديد والانفتاح، ومنحهم مكانة بارزة في بلاطه، حتى أنه استخدمهم لترويج فكرة “خلق القرآن”، تلك القضية التي جعلها محورية في سياسته، مما دفع الدولة إلى تبني هذا الموقف رسمياً.

لكن هذه الحماية من الدولة لم تستمر طويلاً. فبعد وفاة المأمون، تغيرت السياسة، واعتلى العرش خلفاء أقل ميلاً للعقلانية وأكثر انحيازاً للمؤسسة الدينية التقليدية. ففي عهد الخليفة المتوكل على الله، انقلب الحال تماماً، وبدأت مرحلة انتقام قاسية من المعتزلة، إذ أُقصوا من مواقع السلطة والنفوذ، وتم اضطهادهم بصورة ممنهجة.

لقد أصبح الفكر المعتزلي بعد ذلك هدفاً سهلاً للتكفير والتشويه، بل ومُنعت كتبهم وأحرقت مؤلفاتهم. لقد انتقلت المؤسسة الدينية التقليدية من موقف الدفاع إلى الهجوم، واستخدمت سلطتها الروحية لتحكم قبضتها على المجتمع وتخنق أي محاولات لإحياء الفكر العقلاني. وانتهت قصة المعتزلة كتيار سياسي وفكري مسيطر، لكن أفكارهم لم تمت، بل ظلت حية في قلوب وكتابات أولئك الذين حلموا بعالم تسوده حرية الفكر والاجتهاد.

هذه القصة المؤلمة للمعتزلة تحمل في طياتها درساً بالغ الأهمية: حين تحمي السلطة السياسية المفكرين من بطش القوى الدينية الجامدة، يُتاح للعقل أن يزدهر، وللمجتمع أن يتقدم. لكن حين تنقلب الدولة ضد هؤلاء المفكرين، فإنها لا تهدمهم وحدهم، بل تهدم معها فرصاً ثمينة للنهضة.

إن مطالبة الحاكم بحماية المفكرين ليست ترفاً فكرياً، بل هي شرط أساسي لأي مشروع حضاري. فحينما تتصالح الدولة مع العقل وتوفر له الحماية من ضغوط المؤسسات التقليدية، يصبح بالإمكان بناء منظومة فكرية تجمع بين الإيمان والحداثة، بين النص والعقل. ولكن إذا انجرفت الدولة مع تيارات الجمود، فإنها تصبح شريكاً في قمع الإبداع وتثبيت التخلف.

لقد كان المعتزلة مثالاً حياً لما يمكن أن يتحقق عندما يجد العقل مساحة من الحرية، ومأساة لما يحدث عندما يُترك فريسة لأعداء التنوير. وحين ننظر إلى تاريخهم، ندرك أهمية الحاكم العادل الذي لا يخشى ضغوط القوى التقليدية، بل يحمي الفكر ويؤمن بأن التقدم يبدأ من حرية العقول.

وما إن حاول المفكرون في العصر الحديث استلهام روحهم، حتى واجهوا نفس المصير.

لقد أعاد محمد عبده وجمال الدين الأفغاني إشعال فتيل العقل في فهم الدين، حيث رأيا أن الجمود هو علة الأمة، وأن لا نهضة لها إلا بفتح باب الاجتهاد وتجديد الفكر. لم يكن ذلك سهلاً، فقد واجها رفضاً من قوى التقليد، ورغم ذلك ترك محمد عبده أثره في كتابه “رسالة التوحيد”، بينما جمعت أفكار جمال الدين الأفغاني في كتابه “العروة الوثقى”. أما الأزهري علي عبد الرازق، الذي حاول أن يحرر السياسة من قبضة الدين، فكان كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الشرارة التي أشعلت ضده موجة من العزل والتجريد من مكانته. أما طه حسين، الذي فتح ملفات التراث بشجاعة نادرة، أثار عاصفة من الغضب بكتابه “في الشعر الجاهلي”. ونأتي إلى نصر حامد أبو زيد، الذي حاول قراءة النصوص قراءة حداثية، قدم أطروحته الجريئة في كتاب “مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن”، لكنه وُضع في قفص الاتهام بالتكفير. وأخيرا إسلام البحيري، الذي واجه التراث بعين نقدية، ركز على تقديم رؤيته في برامجه التلفزيونية مثل “مع إسلام”، وأصدر كتاب “الإمام” الذي ناقش فيه التراث الإسلامي بجرأة، لكنه لم ينجُ من المحاكمة والهجوم الإعلامي الشرس.

كل هؤلاء كانوا امتداداً لروح ابن رشد، وإن اختلفت الأزمنة وتعددت الأسماء. لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً كان نفس العدو: تيار الجمود الذي يخشى العقل أكثر من أي شيء آخر، لأنه يعلم أن انتصار العقل يعني هدم أصنامه التي أقامها عبر العصور.

ما أكثر ما أضاع المسلمون من فرص! لو أن التاريخ منح ابن رشد فرصته ليكون هو القائد الفكري للأمة، لربما كانت هذه الأمة الآن في مصاف الأمم الرائدة في العلم والحضارة. لكن النكسة التي بدأت مع محاكمته ونفيه استمرت كجرح نازف، لا يزال أثره ممتداً حتى يومنا هذا.

ورغم كل ذلك، لا يزال الأمل قائماً. إن الروح التي حملها ابن رشد والمعتزلة ومن جاء بعدهم لن تنطفئ. فالعقل لا يموت، والفكر لا يُقهر. وسيظل نور العقل باقياً، حتى وإن حاولت أيادٍ كثيرة أن تخبو شعلته. إن الأمة بحاجة إلى أن تعيد اكتشاف نفسها، وأن تعود إلى الجذور التي جمعت بين الإيمان والتفكير، بين النصوص وسعة الفهم، بين الماضي والحاضر، لتبني مستقبلاً يتسع للجميع، ويحتضن نور العقل دون خوف أو تردد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى