١
نجمة فوق بيت لحم..نجمة في رام لله:
في مهرجان الشعر شعرت بالخيبة . يا لي من رجل خائب !
خائب من أهلي ومن ابنتي الاثنتين ، وخائب من طلابي ومن أكثر زملائي .
خائب من شعبي ومن الألمان ، وخائب أيضا مني أنا .
لم أختر أن أكون كافكاويا ولكنني صرت كذلك .
لم أختر أن أنفق العمر وحيدا ، ولكنني غدوت أصلي للوحدة .
لم أختر أن أكون ثريا ولقد صرت ثريا .
لا أرغب في جمع المادة وكنت أفضل أن أوزع الكثير منها ،
ولكن الآخرين أنذال ، ولا يستحقون .
هكذا أخبرني ظلي هذه الليلة .
هل كنت أهذي أو كنت أحلم ؟
مقالي الأحد تحت عنوان هذه الفقرة ، لا عما ورد فيها .
طز في أكثرنا !!!
٢٠١٣
٢
حُزامة حبايب وأصل الهوى :
مرةً نشرت مقالاً عنوانه " المرأة لمّا تطل " . عنوان المقال جزء من مثل شعبي بقيّته " تسبق الكل " ، وكنت سمعت المثل من طالبة دراسات عليا ، فقد كنت قررت سبع روايات نسوية منها رواية نجوى بركات " يا سلام " ( 1999 ) ، ثم تراجعت عن تدريسها ، ولما سألني الطلاب عن السبب لم أفصح لهم عنه ، فالرواية فيها من الجرأة ما لم تعهده الرواية العربية إلاّ قليلاً ، وتعدّ رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " ( 1966 ) أكثر حذراً ، بما لا يُقاس ، في مقاربة موضوع الجنس . ولم تكن روايات مثل رواية سلوى النعيمي " برهان العسل " ( 2007 ) ورواية صبا الحرز " الآخرون " ( 2006 ) ورواية فضيلة الفاروق " اكتشاف الشهوة " ( 2006 ) ، قد صدرت .
قبل عامين التقيت في عمان بحزامة حبايب لقاءً عابراً جدّاً .
كنت سمعت مراراً من وليد أبو بكر إشادة بالكاتبة ، فقررت أن أقرأ لها ، وهكذا بحثت عن أعمالها التي صدر بعضها ـ قصص قصيرة ـ عن وزارة الثقافة الفلسطينية . وعرفت أن روايتها " أصل الهوى " ( ط2/2009 ) منعت في عمان ، ما دفعني لأبحث عنها أكثر ، فكل ممنوع مرغوب .
وأنا أسأل صاحب الكشك ( أبو علي ) عن رواية " أصل الهوى " ، أجابني بأن الرواية غير متوفرة ، لكن صاحبة الرواية موجودة ـ وكانت تقف إلى جانبه مع زوجها ـ وها هي حُزامة بنفسها .
وستقول لي حُزامة : اقرأ ، اقرأ وتمتّع . وسيمرّ عام وأكثر حتى أحصل على الرواية .
في حزيران من هذا العام كنت في عمّان ، وقد حصلت على نسخة منها أحضرها لي أبو علي من الناشر ماهر الكيّالي ، فلم تكن متوفرة في كشك أبي علي . وسأقرأ الرواية التي ذكّرتني بالمثل الذي حورّت فيه وقلت : " حُزامة لَمّا تَطُلّ تَسبِقُ الكُلّ " ، وأعتقد أنني لم أقرأ عملاً روائياً فيه من وصف العملية الجنسية ما قرأته في رواية حُزامة . حتى إن ما ورد في رواية سامية عيسى " حليب التين " ( 2010 ) يكاد لا يُذكر قياساً إلى ما ورد في رواية " أصل الهوى " .
وأنا في ألمانيا كنت أقف أمام بعض الأكشاك لأنظر في الكتب والمجلات ، ولأتصفّح بعضها ، وبعض الأكشاك كانت تعرض قصص ( بورنو ) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، ولا أدري لماذا كنت أتردّد في اقتنائها ، علماً بأنني لم أكن نبيّاً ـ لم أكن كيوسف الصدّيق ـ أو واعظاً أخلاقياً متزمّتاً ـ بعض الوُعّاظ يكون لهم وجه آخر ، هو الحقيقي ، وما زلت أذكر زميلاً لي ، عافاه الله ، وهو يعترض على تدريس رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " قائلاً إنه يخجل من أن يضعها على رفّ مكتبته - إن كان لديه مكتبة أصلاً ـ فكيف أقررها على الطلاب والطالبات ؟
ما زلت أذكر ذلك الزميل الذي كان يحفظ من النكت إياها الشيء الكثير ، وكان يكررها على مسامع زميل آخر له كل صباح ، ويتباريان أيُّهما يعرف نكتاً أكثر . هل أكتب عن تباري بعض أساتذة الجامعات في إظهار براعتهم في حفظ تلك النكت ؟ ، ومع ما سبق ، فإنني وأنا في ألمانيا اقتنيت بعض كتب من كتب ( البورنو ) ـ وهي قليلة جداً ـ أعني التي لديّ ـ والكتاب الأبرز هو كتاب ( جوزفين متزن باخر ) " قصة حياة عاهرة من فيينا : تقصها بنفسها " ، ولا أدري لماذا لم أشترِ الجزء الثاني منه ، وفيه تأتي على الرجال الذين عرفتهم واحداً واحداً . في حزيران من هذا العام ، وأنا في مكتبة شروق ، عرض عليّ أبو أحمد كتاب ( الكوماساترا ). الكتاب مُنع في عمان ، وقال لي الموظف إذا أردت نسخة منه فخذها بسعرِ التكلفة ، ولا أدري لماذا رفضت . هل رفضت خوفاً من أن يراه أحد ما في مكتبتي ذات نهار ، كما رأت خالتي أم محمد ـ أطال الله في عمرها ـ ذات نهار من العام 1976 صوراً لعارضات أزياء بالمايوه بين مجلاّتي التي تركتها في بيتهم في عمان ، حين عدت قافلاً إلى الضفة ، فابتسمت وقالت لي : كنت أظنّ أن القطة تأكل عشاك ؟
لا أظنّ أنني أخشى أن يراه شخص ما في مكتبتي التي تضم كتباً في الجنس مثل " المتعة المحظورة " و" الوشاح في فوائد النكاح " و" البغاء عَبر العصور " و" النكاح والجنس في التراث العربي " و" رشد اللبيب إلى معاشرة الحبيب ".
حُزامة حبايب و " أصل الهوى ".
ما إن بدأت أقرأ "وأصل الهوى " حتى كرّرت المثل " حُزامة لما تطلّ تسبق الكلّ " ، وما إن انتهيت من قراءة الرواية حتى تساءلت تُرى ما سبب منع الرواية في البلد الذي طبعت الرواية فيه ؟
لبوعلي ياسين كتاب عنوانه " الثالوث المحرم : الدين والجنس والسياسة "، و " أصل الهوى " لا تمسّ الدين من قريب أو من بعيد ، ولكنها تغرق في وصف العملية الجنسية استغراقاً يجعل منها وصفاً بالكلمات لأفلام ( بورنو ) يحظر عرضها في الفضائيات العربية على الأقل ـ أبطال الرواية مغرمون بالحصول على أفلام البورنو ـ .
وكما تغرق الرواية في وصف العملية الجنسية ـ تحديداً في الجزء الأول من الرواية ـ [ هل أرادت حُزامة أن تفتح شهية القارئ، لتدفعه إن كان متعطّشاً للجنس ، لمواصلة القراءة ؟ ]، فإنها تقترب من السياسة ، وتأتي على المخابرات وملاحقتها الأفراد المسيّسين ، وهذا قد لا يروق أيضا للنظام في البلد الذي طبعت فيه الرواية .
الجزء الأول من الرواية يأتي على عالم شخوصها في خريف عمرهم ، فيما تأتي صفحاتها اللاحقة ، في الجزأين الثاني والثالث ، على عالمهم في شبابهم ورجولتهم . وما بين النهايات والبدايات فارق كبير . الشاب الذي بدأ ثورياً وفدائياً تحوّل إلى عبثي ومُراهق جنسي في أربعينات وخمسينات وستينات عمره ، وأخذ يُتابع عالم النساء والجنس ، ولم يعد يكترث كثيراً بالسياسة . [ من تفاؤل البدايات .. إلى خيبة النهايات ] . وأنا أنتهي من قراءة الرواية قلت إن الذائقة الأدبية لديّ ولدى وليد أبو بكر جد مختلفة ؛ أنا شخصياً لم ترق لي " أصل الهوى " ، ولم أرَ فيها ما يجعلها تشكل علامة في الرواية الفلسطينية ، فهي ، من حيث الأسلوب ، تذكرنا برواية جبرا إبراهيم جبرا " السفينة " ( 1970 ) ، مع فارق يتمثل في أن قارئ جبرا لا يشعر بالإرهاق وهو يقرأ الرواية ، الإرهاق الذي يشعر به وهو يقرأ " أصل الهوى " حيث عدم امتلاك حُزامة أسلوب القصّ الذي يمتلكه جبرا ، ودقة استخدام الضمائر التي يمتلكها جبرا ، أيضاً .
الرواية كأداة للعلاج النفسي :
في الكتابة عن العلاقة بين الأدب وعلم النفس يتحدث النُقّاد عن تأثير الأدب في نفسية المتلقي ، وكوسيلة لعلاج الشخص المحيط، مثلاً ، يعرضون عليه قراءة روايات ذات نزعة تفاؤلية ، تحبّب المرء بالحياة .
حين فرغت من قراءة الرواية لم أحلم بامرأة تذكرني ببيت قيس بن الخطيم :
" أنّى سربت وكنت غير سروب
وتقرب الأحلام غير قريب "
وإنما حلمت أنني في الكويت أيام احتلال صدام لها . [ هل هرمنا من أجل تلك اللحظة التاريخية ] .
وأنا ذاهب إلى الكويت مارّاً بالعراق وجدتني محتجزاً مع مجموعة من الناس ، ملقين على الأرض في أحد قصور صدام الذي بدا طويلاً جداً ونحيفاً جداً جداً . كان مرتدياً بدلة عسكرية وبيده مسدس كأنّما يريد أن يصدّ به الطائرات الأميركية . المرأة التي كانت ملقاة إلى جانبي كانت تعول وتولول ، ما دفع بصدام لإطلاق النار عليها بلا رحمة ، فقد كان مرعوباً ، وَهَمَّ بإطلاق النار عليّ فابتسمت دون أن أطلب الرحمة منه كما فعلت المرأة ، ووجدتني أغادر بغداد إلى الكويت ، وعلى الحدود سألني الجنود عن هُويّتي ، وأخذوا يقيسون رأسي قائلين :
- إن مقاس رأسك أصغر مما هو موجود في الهُويّة .
ولا أدري بما تفوّهت حتى ابتسموا ، وتركوني أُغادر .
ولما قررت أن أصل الكويت مشياً ، فقد التقيت بأحد سوّاقي مخيم عسكر الذي يقود شاحنة ، وقد عرض عليّ أن يُقلّني معه ، وكدت أُوافق لولا عرض آخر من سائق آخر من مخيم عسكر كان أفضل من عرض السائق الأول :
- لما كنت لا أملك تأشيرة دخول ، فقد قال لي سائق الباص :
- قل لهم إنك تعمل معي مُعاوناً .
هل كان هذا الكابوس صدى لما ورد في رواية حُزامة من وصف عن اجتياح الكويت ؟ ربما ! لم تُعالجني الرواية بل زادت في كوابيسي ، ولم تُفلح المشاهد الجنسية التي تزخر بها في استثارتي .
هل هو الزمن أم أنني لم أعد من أهل الهوى ، ولا شأن لي ـ الآن ـ بأصله ؟ ويبدو أننا هرمنا حقاً أو أننا كبرنا على هذا النوع من الروايات؟
2012
٣
صبرا وشاتيلا :
ماذا فعل العالم مع مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا ؟
ماذا فعل من قبل مع مرتكبي مجازر دير ياسين وكفر قاسم ؟
وماذا فعل مع من طردوا شعبا كاملا من دياره ؟
وماذا فعل العالم مع بوش الأب والابن " ولا أقول الروح القدس .
أبو حسن المكوجي قال أمس إن جعجع وغيره من المجرمين ما زالوا على قيد الحياة يمارسون حياتهم كالمعتاد .
في ذكرى صبرا وشاتيلا نتذكر سطر محمود درويش الشعري
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
صباح الخير يا أهل صبرا وشاتيلا والرحمة على الاموات
٤
قراءة النصوص وأهميتها في إتقان اللغة : ( تابع لترجمات قصة كافكا " التحول )
أعادني النظر في تسع ترجمات لقصة ( كافكا ) " التحول " إلى خريف ١٩٨٧ وشتاء ١٩٨٨ وتعلمي الألمانية في حينه ، وإلى تجربتي المريرة في الامتحان النهائي ، حيث لم أوفق في اجتيازه واضطررت إلى إعادته بعد شهر .
أنفقت ستة أشهر في تعلم الألمانية ، وهي فترة غير كافية للتمكن من قراءة نصوص أدبية ، فالإلمام بالنحو وإتقانه لا يمكنان من قراءة نص أدبي أو كتابة مقال كتابة سليمة متينة خالية من الركاكة والضعف ، فالكتابة تتطلب أكثر من معرفة أساسيات اللغة . إنها تتطلب قراءة نصوص أدبية وغير أدبية مصوغة صياغة أنيقة .
ولسوف أنفق سنوات ثلاثة أخرى أقرأ فيها الكثير من المقالات والقصص وبعض الروايات ، ولكني لم أتمكن من ترجمة نصوص أدبية لأدباء ألمان أو كتبوا بالألمانية ، وجل ما أستطعت ترجمته ونجحت هو دراسات أدبية أو مقالات سياسية ، وغالبا ما كانت تمت إلى تخصصي بصلة ، ولو طلب مني أن أترجم غيرها مما لا يمت إلى تخصصي لوجدت صعوبة بالغة .
وأنا أقرأ ما كتبه جورج طرابيشي عن حياته وتعلمه اللغة وإتقانه لها ، عرفت أنه ترجم العديد من كتب ( هيغل ) مثل " المدخل إلى علم الجمال " و " الفن الكلاسيكي " و" الفن الرومانسي " و " الفن الرمزي " وأكثر كتب ( فرويد ) عن الفرنسية لا عن لغتها الأم الألمانية ، وقد قال إنه أتقن الفرنسية كتابة وقراءة ولكنه لم يتقنها محادثة ، مع أنه أقام في فرنسا خمسة عشر عاما . ويقر بأن الترجمة عن ترجمة خيانة مزدوجة ، ولكنها في حالته ، حيث ترجم عن الفرنسية لا عن الألمانية ، كانت ضرورية للقاريء العربي ، فالترجمات عن الألمانية ، يوم أقدم على الترجمة ، كانت قليلة جدا لقلة المترجمين عن الألمانية مباشرة ، ولا أعرف ماذا يقول الألمان عن ترجماته كونها تمت عبر لغة وسيطة .
في تتبع ترجمات قصة ( كافكا ) المذكورة لاحظت أن أكثرها تم عن الإنجليزية - ثمة ترجمة عن التشيكية - وأقلها عن الألمانية ، وحين تتبعت ترجمة الصفحة الأولى لاحظت اختلافا واضحا بينها ولم ألحظ تطابقا حتى بين الترجمات الثلاثة التي تمت عن الألمانية .
ماذا سنلاحظ لو أخذنا سطرين من كل ترجمة من الترجمات التسع ؟
وأعود إلى تعلمي الألمانية .
عندما تقدمت إلى الامتحان الشفهي الذي سيقرر النتيجة أراد الممتحن مساعدتي فسألني عن تخصصي واختار لي نصا من نصوص ( برتولد بريخت ) القصيرة " قصص السيد كوينر " ، وبدلا من أن يسعفني النص في اجتياز الامتحان أوقعني فيما لا تحمد عقباه . لقد كان نصا قصيرا مربكا ذا دلالة رمزية مكثفة ، عدا أن صياغته معقدة من حيث دقة كاتبه في الاعتماد على الضمائر .
ظل نص ( بريخت ) في مخيلتي ولم يبارحها ، وفي ٨ / ١١ / ١٩٨٨ - أي بعد خمسة أشهر - اشتريت كتاب " قصص السيد كوينر " لأقرأ النص من جديد وأفهم بهدوء معناه ، ومرت سنوات وظل النص يراودني وفي نفسي شيء منه ، وأزعم أنني حتى الآن غير راض عن فهمي وترجمتي له ، ولهذا لم أجرؤ على نشرها .
وأنا أقرأ عن ترجمات قصة ( كافكا ) عدت إلى ترجمتي قصة ( بريخت ) " طريقة ضد القوة " وقرأتها فلم أرض من جديد عنها وحمدت الله أنني لم أنشرها .
انظروا كيف بدت ترجمة أول سطرين من ترجمة " التحول " :
١ - " ما إن أفاق غربغور سامسا ، ذات صباح ، من أحلامه المزعجة ، حتى وجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة " .( منير بعلبكي ، عن الإنجليزية ، المسخ ، بيروت دار العلم للملايين ، ١٩٥٧ )
٢ - " استيقظ " جريجور سامسا " ذات صباح بعد أحلام مزعجة ، فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم " ( الدسوقي فهمي ، التحول / الدودة الهائلة ، فرنسيس كافكا ، عن .... )
٣- " ذات صباح ، استيقظ غريغور سامسا من نومه ، وكان مسترسلا في حلم مزعج ، فوجد نفسه وهو على سريره ، قد تحول إلى حشرة ضخمة " ( علي شيري ، المسخ ، عن الإنجليزية )
٤- " إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح ، على إثر أحلام سادها الاضطراب ، وجد أنه قد تحول ، وهو في سريره ، إلى حشرة عملاقة " ( مبارك وساط ، التحول ، عن الألمانية مستعينا بالفرنسية )
٥ - " عندما استيقظ غريغور سامسا من نومه ذات صباح عقب أحلام مضطربة ، وجد نفسه قد تحول في سريره إلى حشرة عملاقة " ( نبيل حفار ، عن الألمانية ، دار ممدوح عدوان ودار الرافدين ، ٢٠١٨ )
٦ - " ذات صباح استيقظ " جريجور سامسا " من نوم عكرته الأحلام المزعجة ، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة مرعبة " ( ابراهيم وطفي ، الانمساخ ، عن الألمانية ، منشورات وطفي ، توزيع دار الكلمة + دار الحصاد ، ٢٠١٤ ط١ ، و ط٢ ٢٠١٧ )
٧ - " ذات صباح أفاق جريغور سامسا من أحلام مزعجة ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة رهيبة " ( محمد أبو رحمة ، عن الإنجليزية ، القاهرة ، دار أقلام العربية ، ٢٠١٨ )
٨ - " آفاق رشيهورش سامسا صباح ذات يوم من أحلام مزعجة ليجد نفسه مستلقيا عن الفراش وقد تحول إلى حشرة متوحشة .." ( خالد البلتاجي ، المسخ ، عن التشيكية ، مصر ، دار العربي للنشر والتوزيع ، ٢٠١٤ ) .
ولم تكن الحشرة متوحشة ولا مرعبة ولا رهيبة ، فقد تعامل معها أهل البيت بهدوء .
لو كانت المساحة تتسع لأدرجت الصفحة الأولى كاملة من كل ترجمة ، ولربما اتضح الأمر أكثر ، ولكن ... .
( سوف أنشر ترجمة الصفحة الأولى من كل ترجمة ، لاحقا ، في مكان خاص مع تعقيب عليها ، ولكن بعد الحصول على الصفحة الأولى من ترجمة يوسف عطا الطريفي الصادرة عن دار الأهلية في عمان ٢٠١٧ )
الجمعة والسبت
٢٠ و ٢١ تشرين الثاني ٢٠٢٠ .
٥
يوميات غزة ( ٣٤٧ ) :
أطفال ذهب البؤس بكل ملامحهم وخيام تقلعها الرياح ومقاومة مستمرة
أكثر الصور لفتا للأنظار كانت أمس وفجر اليوم صور لأطفال غزة الإناث . ذكرتني ملامحهن المجهدة ؛ الضاحكة حينا قليلا والعابسة المكفهرة أحيانا كثيرة بسطر شعري للشاعر مظفر النواب في قصيدته " تل الزعتر " وهو :
" وقد وقف الأطفال وذهب البؤس بكل ملامحهم " .
ولم يقلل من تأثير هذه الصور التي تبعث الأسى شريط فيديو لأطفال ذكور يدبكون ، كما لو أنهم في عرس ، فرحين يقودهم فتى يافع ويغنون ، فيم نازحو مركز الإيواء حولهم يصفقون لهم .
وأكثر نص نثري أثار انتباهي هو النص القصير الذي كتبه حسن القطراوي يأتي فيه على رؤيته في السوبرماركت رجلا يشتري وبيده هاتف ويكرر عبارة : ستنتهي الحرب قريبا .
رأى حسن الرجل في السوبر ماركت ثانية يشتري نوعا غريبا من الشوكولاتة ثانية ، فسأله إن كانت الحرب ستنتهي قريبا . ضحك الرجل وغادر ، فلما سأل حسن صاحب السوبرماركت عنه أخبره بقصته . لم يصدق الرجل أنه فقد ابنته ، فما زال يشتري لها الشوكلاته . هل نستغرب ما ألم من جنون بكثيرين من رجال قطاع غزة ونسائه ؟
وأمس هبت رياح عاصفة كادت تقتلع خيام النازحين أو ما يسمى " خيام " ، والناس صارت تسأل عن خيام للشتاء أكثر مما تسأل عن عودتها إلى منازلها التي أجبرت على تركها ، ما أثار بعض الناشطين الفيسبوكيين وأغضبهم فكتبوا : صرنا نتعود على الإقامة في الخيام .
هل يئسوا ؟
أمس من جديد عادت طائرات هيلوكابتر إسرائيلية تنقل قتلى ومصابين من رفح التي أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أنهى عملياته العسكرية فيها ، بعد أن قضى على كتيبتها العسكرية .
لسنا بخير ما دام الاحتلال رابضا على أرضنا وما دام اللاجئون لاجئين . لسنا بخير ما دامت الحرب مستمرة وأهل قطاع غزة مشردين نازحين يقيمون في مراكز الإيواء أو في خيمة .
الحكاية طويلة ورحمك الله يا " أبو يسار " الذي كتب في أشعاره متسائلا عما يخسره الفقراء الفلسطينيون في المخيمات :
خيمتهم . معيشتهم . قيد إسارهم والذل .
" وحين كبرت لم أصفح " .
رحم الله أحمد دحبور راوية المخيم .
١٧ / ٩ / ٢٠٢٤
٦
قبل اسبوع :
" جهات يهودية توظف بناتها لخدمة الدولة "
قبل أسبوع سمعت من إذاعة أجيال أن هناك جهات يهودية توظف الفتيات اليهوديات في الدعارةلخدمة الشعب اليهودي ودولته .
الفكرة قديمة جدا ، وليس آخرها هذاالخبر ومن قبله ما أشيع عن ( تسبي ليفني ) وأصدقائها الفلسطينين .
أنا تتبعت الفكرة في الأدب وكتبت مقالة مكثفة عنوانها " الديوث ليهودي ، هل هو اختراع عربي ؟ "
وقد نشرتها أولا ، في مجلة كنعان ، ثم أعدت نشرها في كتابي " جدل الذات والآخر : اليهود في الرواية العربية " .
مرة أنجزت رسالة ماجستير في جامعة حيفا عن دور المضيفات اليهوديات في إقامة الدولة ، ويقصد بالمضيفات " الفتيات المرسلات للجنود الإنجليز وغيرهم ، وتقديم أجسادهن لهم للحصول على معلومات أو لتسهيل دخول السلاح والمهاجرين اليهود غير الشرعيين " .
ما سبق تقر به اسرائيل ، وكلنا نصدق الرواية ، لكن لا أحد يصدق عادل الاسطة حين يقول هذا عن تجربته في ألمانيا ، أو حين يكتبه في روايته .
مرة قالت فدوى طوقان عن عدم اعتبار أهل نابلس لها شاعرة " زمار البلد لا يطرب " .
٧
السيرة الذاتية مدخلا لفهم النص الإبداعي :
هل أفاد نقدنا من السير الذاتية ﻷدبائنا في أثناء دراسة نصوصهم الإبداعية ؟
مرة درس د . خليل الشيخ أعمال جبرا الروائية في ضوء سيرته " البئر اﻷولى " ، وسأدرس شخصيا قصص جبرا القصيرة في ضوء سيرته بجزئيها .
حين أصدر محمود شقير " ظل آخر للمكان " كتبت عن أهميتها في إضاءة قصصه ، وأفدت مرارا من نثر درويش وأنا أدرس شعره .
هل درست أشعار فدوى طوقان في ضوء سيرتها ؟
مرة أشرفت على رسالة ماجستير طلبت من كاتبها أن يدرس فدوى اتكاء على منهج ( ادموند ولسون ) ويقوم على دراسة سيرة اﻷديب والاستنتاج منها حول نفسيته ثم تطبيق هذا على آثاره .
أنا الآن أعيد قراءة سيرة فدوى لسبب آخر ولكني ألاحظ أنها تضيء قصائد كثيرة لها . هل هناك دراسة أنجزت عن هذا؟( اخبرني د.خليل الشيخ أنه قارب هذا في كتابه " السيرة والمتخيل " )
اﻷمر يستحق متابعة ، وسيرة فدوى تلقي الضوء على كثير من قصائدها . هل سيعترض النقاد النصيون ؟
٨
كتابان أذهلاني :
" المتنبي بين البطولة والاغتراب " لمحمد شرارة ، وكنت قرأته في بدايات العام ١٩٨٣.
وكتاب غالي شكري " شعرنا الحديث .. إلى أين ؟ " وقراته غير مرة وأنا أدرس مساق الأدب العربي الحديث .
هناك ، بالتأكيد ، كنب أخرى .
مثلا راقت لي كتب الناقد عبد الواحد لؤلؤة المؤلفة والمترجمة أيضا .
أعتقد أن ما كتبته عن جدارية محمود درويش ٢٠٠٠ لا يقل قيمة عن كتاب شرارة ، وأن ما أكتبه ، الآن،عن رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو " لا يقل قيمة عن كتاب غالي شكري من حيث الرصد وفيض المعلومات .
يا صباح يا عليم !
ما هذا الغرور ؟
الناس في إيش وعادل الاسطة في ايش .
كأن أبناء عمنا اليهود كانوا أمس قد أنقذوا ستة غرقى فلسطينيين في شاطيء يافا .
كأنهم لم يقتلوا ، بدم بارد ، ثلاثة عرب .
كأنهم لم يعدموهم أيضا بدم انجليزي بلفوري .
١٧/٩/٢٠١٦
٩
كثيرون كتبوا ، في شيخوختهم ، عن طفولتهم . طه حسين وجبرا ابراهيم جبرا و فدوى طوقان و محمد شكري . وأظن أن أكثرهم كتب كتابة كان للزمن الكتابي تأثير فيها على الزمن المسترجع -أي زمن الطفولة .
أفضل قراءة لصورة طفولة كاتب ما تكمن في ما كتبه في أعماله الأدبية الأولى عن طفولته . هنا لا يكون الفارق بين الزمنين ؛الكتابي والمسترجع - السيرة ، كبيرا .
الموضوع طريف وقد قال ( وردزوورث) :
"إن الطفل هو والد الرجل " وقد استشهد جبرا ابراهيم جبرا بهذه المقولة في سيرته .
١٠
لا تسلم جهازك إن كنت لا تحسن التكنولوجيا لمصلح أجهزة. ارمه واشتر غيره .
مرة كتبت إن بعض الصاغة يغشون الذهب فيخلطونه بالنحاس .
ماذا يحدث لجهازك إن سلمته لمصلح ؟
يعود كما ولدته أمه (؟) - أنتجه المصنع - بالصلاةعلى النبي .
طلبت من المصلح أن يعيد لي عنوان بريدي الالكتروني السابق فقال إنه لا يمكن . أنا الأهبل تكنولوجيا .فعلت هذا .
خليها على الله .
أنا لا أترك أحدا بحاله . هكذا الفكرة الدارجة عني . تعاملي مع الآخرين صعب ولهذا يجب أن أتقاعد وأرحل ، ولكن ماذا أفعل بتأثير أشعار محمود درويش في :
"وأبي قال مرة :
الذي ما له وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر ! "
الله يرحمك يابا ويرحمك يا محمود درويش ويرحم شهداء صبرا وشاتيلا في ذكراهم .
17 ايلول 2018.
١١
عوامة نجيب محفوظ :
ناجاه مغمغما أن ليس كعوامتنا شيء .
الحب لعبة قديمة بالية ولكنه رياضة في عوامتنا
الفسق رذيلة في المجالس والمعاهد ولكنه حرية في عوامتنا
والنساء تقاليد ووثائق في البيوت ولكنهن مراهقة وفتنة في عوامتنا
والقمر كوكب سيار خامد ولكنه شعر في عوامتنا
والجنون مرض في أي مكان ولكنه فلسفة في عوامتنا
والشيء شيء حيثما كان ولكنه لا شيء في عوامتنا " .
ثرثرة فوق النيل .
١٢
الست كورونا : التآمر على قيادات حماس ( 76 )
أمس كان وضع الكمامات لافتا ، ويبدو أن كثيرين صاروا مقتنعين بالخطر القادم مع الخريف ، حيث يشاع أن الموجة القادمة ستكون عنيفة وشديدة .
أحد باعة الكمامات أراد تسويق ما لديه بإرخاص قيمة الكمامة فأخذ ينادي على سعرها بالعملة القديمة شبه المنسية في مدن الضفة الغربية ، فالمواطن الضفاوي لا يتعامل بها ولا يتذكرها إلا إذا ركب حافلة " باص " في القدس أو في فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ . العملة هي الأغورة ، وبائع الكمامات كان ينادي :
- كل كمامة بأغورتين .
وعندما زرت القدس وصعدت إلى الباص وأعاد السائق إلي أربع اغورات احترت ماذا أفعل بها .
هل ثمة ما يميز بين الكمامة التي يضعها فتحاوي أو حمساوي أو جبهاوي أو مستقل أو داعشي ؟
خبر الصباح يقول إن المواطن أحمد نمر أبو عرة أحد مؤسسي حركة حماس ، وهو من بلدة طوباس ، توفي بالكورونا . هل بدأت الكورونا تهاجم القيادات ومؤسسي الحركات ؟ وهل تقف إسرائيل وراء الأمر ؟
لكل حركة فلسطينية أو تنظيم فلسطيني علمه الخاص ، فهل سيكون لكل منها كمامة خاصة لكي تميز الكورونا بين فصيل وفصيل وعرق وعرق ، إن كانت تتعاطف مع فصيل دون آخر أو عرق دون عرق .
رحم الله أحمد نمر أبو عرة ورحم أيضا شهداء شاتيلا وصبرا ، وأتمنى الصحة والعافية لمن تبقى من مؤسسي فتح والجبهة الشعبية والديموقرطية والحزب الشيوعي و .. ولمحافظ مدينة نابلس أيضا على الرغم مما تفعله المحافظة معي .
١٧ أيلول ٢٠٢٠
١٣
أجواء خريفية :
كانت الأجواء أمس خريفية تماما توحي بفصل شتاء مبكر . هل كانت الطبيعة حزينة في ذكرى مذبحة شاتيلا وصبرا في أيلول ١٩٨٢ ؟
مرت الذكرى ولم أكتب عنها . " معلش " .
أمس جلست من الثانية عشرة ظهرا حتى الثانية في مقهى خان الوكالة مع زميلي السابق في قسم اللغة العربية عادل أبو عمشة الذي كان ينفث دخان سجائره ناسيا أو متناسيا أن الست كورونا تأبى أن تغادرنا ، ولم يكن المتردد الوحيد على المقهى الذي يدخن ، فثمة كثيرون وكثيرات كانوا يؤرجلون ، كما لو أن الأجواء الخريفية كانت ، بالإضافة إلى حزن الطبيعة في ذكرى شاتيلا وصبرا ، بسبب دخان سجائرهم وأراجيلهم .
من المؤكد أن الكاتب السوري محمد الماغوط سيسخر مني وسيطلب منهم أن يسخروا أيضا مني ، فدخان سجائرهم وأراجيلهم لن يدمر طبقة الأوزون ، لتغرق هذه الكرة الأرضية في قاع عميق .
أول أمس جلست في مقهى الهموز مع الصديقين يوسف نصرالله وعيسى بشارة Yousef Nasrallah و Issa Bishara Issa وأتينا على علاقتي بمحمود درويش وشتمه لي ، فأخبرني عيسى أنه يعرف بالضبط ما قاله الشاعر في الناقد ، وأنا ابتسمت وقلت له إن السبب يعود إلى كتابي " ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية " ، وكان الشاعر يصفني بأنني محقق وشرطي و ( شارلك هولمز ) الفلسطيني .
استغرب عيسى كيف أقدر محمود درويش شعريا على الرغم مما قاله عني ، فابتسمت ثانية وقلت له :
- لكي يكون لما أكتب مصداقية ، ومصداقيتي هذه هي التي جعلت الشاعر لاحقا يحترمني ، مع أنه لم ينس كتابتي عنه .
عيسى بشارة شاعر وله رواية " مدينة البغي " وقد كتبت عنها وعن بعض قضائده ، ولقد أخبرني قصة طريفة جدا عما فعله بديوانه الأول أتمنى أن يكتبها هو وإلا فسأكتبها أنا حتى لو قاطعني وتخلى عن صداقتي .
كم يخسر الناقد من صداقات !!
وهذا ما علق به هو شخصيا على إحدى الفقرات التي كتبتها .
عيسى زميلي في الصف الأول الثانوي في العام ١٩٦٩ في مدرسة الملك طلال وفي مدرسة الجاحظ الثانوية في نابلس في العامين ١٩٧٠و١٩٧٢ .
١٧ أيلول ٢٠٢١
١٤
شاتيلا وصبرا والكتاب الفلسطينيون :
ظل أمس السؤال القديم يطرق أذني :
- ألم يكن هناك روائي فلسطيني واحد يقيم في ١٩٨٢ في شاتيلا وصبرا قدر له أن ينجو فيصف لنا حدث المجزرة المذبحة المقتلة من الداخل ؟
هو صوت محمود درويش الذي ظل خلال الأربعين سنة الماضية يعلو ويعلو ويعلو ، وإلى جانب صوته كتابة الفرنسي ( جان جينيه ) ولاحقا كتابة اللبناني إلياس خوري .
اليوم هو ذكرى اليوم الثاني للمجزرة المذبحة المقتلة .
من دير ياسين إلى قبية فالطنطورة فجامع دهمش في اللد فكفر قاسم فالبقعة فتل الزعتر وجسر الباشا فشاتيلا وصبرا فالحرم الإبراهيمي في الخليل فمخيم اليرموك ومخيم جنين وحروب غزة يا قلبي لا تحزن ... .
أمس وأنا أمر بحاجز زعترة التفت ثانية إلى اصبع الجندي الإسرائيلي المحتل على الزناد .
١٧ أيلول ٢٠٢٢ .
١٥
سحر خليفة في " روايتي لروايتي ج٢ " : التعالي على أدب القضية
أعتقد أنه لولا القضية الفلسطينية لما قرأنا لكتاب فلسطينيين كثر ، ولربما ما ترجم لقسم من الكتاب الفلسطينيين الذين ترجمت بعض أعمالهم إلى اللغات الأخرى ، وفي هذا كتابة تطول .
تفتتح سحر خليفة سيرتها الذاتية " روايتي لروايتي ج٢ " بتنويه تسائل فيه نفسها :
"- أنت يا سحر ماذا تفغلين وماذا فعلت ؟ كرست أدبك وإنتاجك لقضية سياسية معقدة ، ونسيت أن الأدب السياسي لا يدوم ولا يعمر ! من سيذكرك ويقرأ أدبك حين تنحل القضية أو تتلاشى وتبوخ ذكراها وينساها الناس ؟ "
ولكنها تتراجع عن مساءلة ذاتها
" فأي أدب لا يرصد كل هذا الألم والدم والدموع ليس أدبا ، بل قلة أدب وأنا نية وجبنا وتمسحة ضمير ومشاعر "
ولا أعرف ماذا سيقول اللغويون في لغتها وأسلوبها .
وأرى إن سحر لم تعرف من روايتها الأولى " لم نعد جواري لكم " ١٩٧٤ وإنما من روايتها الثانية بجزئيها " الصبار " ١٩٧٦ و " عباد الشمس " ١٩٧٩ . والرواية الأولى رواية تعالج الحياة الاجتماعية فيما الثانية تقارب الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد العام ١٩٦٧ .
عدا أن كتابة الأدب ليخلد صاحبه فكرة لم تعد مجدية لغزارة الكتابة والترجمة ، فإن سحر خليفة لم تكتب رواية واحدة يمكن أن يقال عنها إنها شكلت انقلابا في الشكل الروائي العالمي . لا تشكل أية رواية لها صرعة في الشكل الروائي العالمي كرواية ( جيمس جويس ) " يوليسيس " أو الروايات الحداثية التي كتب عنها ( الن روب جرييه ) في كتابه " نحو رواية جديدة " ، وحتى نجيب محفوظ العربي الوحيد الحائز على نوبل في الآداب لم يمنح الجائزة لأنه جدد في الشكل الفني وإنما لأنه كتب عن الواقع المصري .
عندما كتب محمود درويش " سرير الغريبة " على أمل الخروج من أدب القضية لم يتلق الديوان تلقي أشعاره المتعلقة بالقضية ، فماذا لو كتب أشعاره كلها على شاكلة " سرير الغريبة " ؟ من كان سيسمع به ومن كان سيترجم أعماله ؟
لولا القضية الفلسطينية والقضية النسوية التي كتبت فيهما سحر لما ترجمت أعمالها إلى اللغات الأخرى ، إذ لن يرى فيها المترجمون والقراء أية قيمة أدبية .
يا كتابنا : تواضعوا !!
شخصيا كل أدب لا يصدر عن قضية سياسية أو اجتماعية لا يعنيني .
ربما يثري النقاش الموضوع ! ربما !
١٧ / ٩ / ٢٠٢٣ .
١٦
جهاد الرنتيسي : اختلاط الأزمنة والأمكنة : هل يربك القاريء ؟
أصدر الكاتب جهاد الرنتيسي المقيم الآن في عمان ، والعائد من الكويت البلد الذي عاش فيه شبابه ونشط فيه سياسيا ، أصدر في العامين الأخيرين روايتين أقرب إلى النوفيلا حجما هما " بقايا رغوة " ٢٠٢١و " خبايا الرماد " ٢٠٢٣ ، فلا تزيد أي منهما عن المائة والثلاثين صفحة من الحجم المتوسط .
الروايتان يتحرك الشخوص فيهما بين الكويت وعمان ودمشق وبيروت ، وهؤلاء الشخوص قسم منهم حقيقيون معروفون للفلسطينيين بعامة وفلسطينيي الكويت بخاصة ، إذ عاش بعضهم في الكويت منذ ستينيات القرن العشرين وأسهم في تأسيس حركة فتح وكان ناشطا فيها وقاتل في صفوفها ثم انشق عنها في العام ١٩٨٣ أو بقي فيها . وقد تثير الروايتان لأبناء حركة فتح أسئلة عديدة ، وقد ينقسمون إزاءها ، بخاصة أبناء فتح ممن أقاموا في الكويت .
وتتطلب قراءة الروايتين قدرا كبيرا من التركيز ؛ لأن السرد فيهما لا يسير بخط أفقي : بداية - وسط - نهاية ، وإنما يتكيء على تكسير الزمن والتنقل فيه من حاضر إلى ماض فعودة إلى حاضر فماض فحاضر ، ثم الانتقال من مكان إلى ثان فثالث والعودة إلى المكان ومغادرته إلى مكان آخر . ببساطة تتطلب القراءة قدرا كبيرا من التركيز ، ما يذكر برواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ التي طرحت على كاتبها سؤال :
- لمن يكتب الكاتب ؟ لمن أكتب أنا ؟ هل أكتب ليقال انني كاتب كبير أم أكتب من أجل قضية ؟ والكتابة من أجل قضية تتطلب التواصل مع الجماهير لا الكتابة للنخبة فقط .
هل سيعيدنا جهاد الرنتيسي إلى الجدل الذي أثير بعد صدور رواية كنفاني ؟
مرة كتبت متسائلا إن كان الأدباء الفلسطينيون الذين أقاموا في الكويت كتبوا عن تجربة الفلسطينيين هناك ، فالفلسطينيون موجودون في الكويت منذ خمسينيات القرن العشرين ، وصارت لمن أقام فيها منهم وطنه الثاني وكانت حياتهم فيها في الجانبين؛ السياسي والثقافي ، ثرية غنية .
عاش غسان كنفاني في الكويت واستوحى من حياة الفلسطينيين فيها بعض أعماله ، وعاش فيها أيضا الفنان ناجي العلي والناقد وليد أبو بكر والكاتب محمد الأسعد والروائي زياد عبد الفتاح والقاص محمود الريماوي والقاص تيسير نظمي والروائية حزامة حبايب والشعراء سميح محسن وحلمي الزواتي وعيسى بشارة وآخرون كثر .
وأنا أقرأ الروايتين قلت إن بعض الشخوص فيهما لا تبدو للقاريء مكتملة ، ولهذا فلن تعيش في ذهنه . إنها تبدو مكتملة للكاتب أو لفلسطينيي الكويت ممن عاشوا التجربة ليس أكثر .
ثمة أسئلة عديدة تثيرها الروايتان منها العلاقات الأسرية لبعض رموز حركة فتح ، ومنها ما يتعلق بحياة المقاتل وعلاقاته النسوية . هل يسيء الحب الحسي إليه ؟
ماذا تبقى من حياة الفلسطينيين في الكويت ؟ ماذا تبقى من تجربتهم هناك ؟ ماذا تبقى من علاقاتهم ببعضهم ؟ هل يجب فتح أوراقهم وأوراق القيادة الفلسطينية التي أسست في الكويت حركة فتح ؟ ما خباياهم وماذا ظهر منها وماذا يريد الكاتب أن يظهر وأن يقول ؟
أسئلة ربما تجد أجوبة لدى القراء من أبناء حركة فتح !
ولكن بقي سؤال أخير هو :
- هل هناك أدب فصيل / فصيلي / فصائلي في الأدب الفلسطيني ؟ ومن كتبه ؟
١٧ / ٩ / ٢٠٢٣
١٧
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
خسارات الرواية العربية / الفلسطينية : إلياس خوري
في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ كان الروائي اللبناني فلسطيني الهوى إلياس خوري يتعافى من مرض ألم به في تموز ٢٠٢٣ ، وهكذا لم يتمكن من مواكبة الأحداث مواكبة لحظية ؛ دقيقة فدقيقة وساعة فساعة ويوما فيوما ، ولكنه على الرغم من ذلك تحامل على وجعه وضعف جسده ، فكتب ، في الحرب وعنها وفيما يخصها ، مقاله الأسبوعي في القدس العربي وافتتاحيته لمجلة الدراسات الفلسطينية الفصلية ، وكل من كان يقرأ مقالاته قبل مرضه ، وقرأ مقالاته التي كتبها في أثنائه ، لاحظ الفرق في المستوى واضحا ، بل وأحيانا في الموضوع ، فلم نعهده فيها يكتب عن ألمه الشخصي . وإن كان ، من قبل ، عبر عن آلآمه ، فمن خلال شخصياته الروائية التي كانت تعاني من أشكال مختلفة من الآلام الناجمة عن الفقد والحرمان والوحدة والعزلة والنفي والحرب ؛ الأهلية والوطنية ، والفواجع الشخصية والعامة .
وكان لكتابته - لو لم يعان من المرض - أن تكون ذات مذاق مختلف ، مثل رواياته التي كتبها في الموضوع الفلسطيني ، ابتداء من " الوجوه البيضاء " مرورا ب " مملكة الغرباء " ف " باب الشمس " و " كأنها نائمة " وثلاثية " أولاد الغيتو : اسمي آدم " و " نجمة البحر" و " رجل يشبهني " التي تؤهله - بناء على معيار الموضوع في تحديد هوية الأدب - أن يعد علامة رابعة في الرواية الفلسطينية إلى جانب علامات ثلاثة معروفة : غسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ، فهو الذي قرأ رواياتهم وتشربها ودرسها في الجامعات ، اتكأ عليها في بناء رواياته - أي تناصت رواياته مع روايات المذكورين وفوقها رواية أنطون شماس " عربسك " ، ولم يكتف بالرواية ، فقد تمثل حياة شاعرين فلسطينيين مهمين ، هما راشد حسين ومحمود درويش اللذين كتب عنهما في كتبه النقدية ، وقدم ، في رواياته ، لجانب من حياتهما الشخصية ، ما لم تقدمه كتب عديدة أنجزت عنهما . كأنه وهو يكتب عنهما في رواياته لم يهتم وحسب في أشعارهما قدر اهتمامه بجانب شخصي هو علاقة كل منهما بالمرأة اليهودية التي أحبها وأسطرة هذه العلاقة .
حضر الموضوع الفلسطيني في روايات إلياس كما لم يحضر في روايات فلسطينية تلت روايات كنفاني وحبيبي ، بل ويمكن القول إن حضور الموضوع الفلسطيني في رواياته فاق حضوره في روايات الكاتبين ، وقد يعود السبب في ذلك إلى أنه عاش أربعين عاما إضافية أخرى عن الأعوام التي عاشها كنفاني وكتب الرواية في سن مبكرة أبكر من السن التي كتب فيها حبيبي رواياته ، وفوق ذلك أنه حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ . وهكذا تقرأ في رواياته تفاصيل التفاصيل فيما تعرضت له فلسطين في العام ١٩٤٨ - عام النكبة وما تلاه ، وربما هذا هو ما حدا بالمرحوم أحمد دحبور ، حين كتب عن رواية " باب الشمس " ( ١٩٩٨ ) ، إلى اعتبارها رواية المأساة الفلسطينية التي أرخت لها كما لم يؤرخ لها من قبل .
عندما كتب إلياس ثلاثيته " أولاد الغيتو " احتار في إشكالية تجنيسها وبدت حيرته على لسان الشخصية التي اختفى وراءها وأنطقها بما ينطق به هو ، وحيرة آدم دنون تأخذنا إلى موضوع آخر يمس شخصية إلياس نفسه وتحيلنا إلى أبجديات المنهج الوضعي في النقد الذي لا يفصل بين الكاتب ونتاجه وتراهما متداخلين يعبران عن روح واحدة هي روح المؤلف .
يحتار آدم في تجنيس دفاتره التي يكتبها : أهي سيرة ذاتية أم رواية أم نص أدبي أم ... ؟ ولسوف تدفع هذه الحيرة القاريء الملم بكتابات المؤلف / إلياس إلى التساؤل إن كان إلياس نفسه يحتار في تصنيف ثلاثيته ، وهو ما فعلته مرة فكتبت تحت عنوان " إشكالية التجنيس في " أولاد الغيتو " وجعلتني أرجح أنها ليست سيرة ذاتية لإلياس بل سيرة فكرية أدبية تتخذ من آدم دنون قناعا لها ليحكي لنا المؤلف ، وهو يحكي عن الموضوع الفلسطيني ، عن قراءاته المتعددة فيه ؛ في الأدب العالمي والأدب الفلسطيني والأدب الإسرائيلي وتاريخ القضية الفلسطينية وما شهدته وما مر به الفلسطينيون من أحداث جسام منذ ١٩٤٨ وحتى انتفاضة الأقصى وذيولها ؛ في فلسطين وفي مخيمات لبنان ، بل وفي نيويورك حيث نخبة فلسطينية درست في الجامعات الأمريكية . وللتدليل على ما سبق بمكن اختيار النصين الآتيين من الجزء الثاني من " أولاد الغيتو " وهو " إسمي آدم " :
" فأنا كاتب ممتليء بالنصوص التي قرأتها / كتبتها ، أتعامل معها بوصفها حقيقة ، موظفا خيال الآخرين ، من أجل خدمة خيالي ، بهذا المعنى ، أنا هو الكاتب الذي لم يكتب شيئا لأنه كتب كل شيء ، وهكذا اتفوق على جميع كتاب العالم الذين يشعرون بالفرح القاحل الذي يحاصرهم ، بينما لا أشعر سوى بالمتعة والعطش إلى مزيد من ماء الكلمات " .
"لا شيء يفسر عودتي إلى هذه الأوراق سوى سحر الكلمات ، فالسحر بدأ بالكلمات ، والكلمات حين تكتب تختلج باحتمالات الحياة ، وها أنا أنظر كالمشدوه إلى كلام ماضي الماضي ، وأجد نفسي أمام حكاية أشعر أنني وارثها ، لأنني قارئها الوحيد " ( إسمي آدم ، ١٥٠ / ١٥١ ) .
ويفصح الاقتباس الثاني عن ولعه بالكلمات والكتابة ، هذا الولع وصل حد السحر ، فالكلمات تسحره ، وسحرها يدفعه إلى اللعب الجمالي بها ، ولم أقرأ شخصيا ، فيما قرأت ، لكاتب عربي لعب في رواياته جماليا ، وبوعي يظهره في نصه ولا يترك القاريء يستنتجه ، كما قرأت في روايات إلياس . لقد سحره أسلوب أحمد فارس الشدياق وأسلوب إميل حبيبي وارستقراطية لغة جبرا إبراهيم جبرا ، وأراد أن يكون لكتابته في الجانب اللغوي نصيب أيضا .
( تاريخ كتابة المقال : الثلاثاء والأربعاء و ١٨ / ٩ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد ٢٢ / ٩ / ٢٠٢٤ لدفاتر الأيام الفلسطينية )
١٨
غزة 712 :
محرقة ( شواه ) :
على الرغم من أن دولة الاحتلال الإسرائيلي طلبت من أهل مدينة غزة أن يخلوا بيوتهم وينزحوا إلى الجنوب ، طلبا للسلامة والأمان ، فإن النازحين لم يسلموا ؛ من كانوا في طريقهم إلى الجنوب وبعض من كانوا في خيامهم في المناطق المزعوم أنها آمنة .
أشرطة فيديو عديدة أرت سيارات تتجه نحو الجنوب وقد احترقت ومن فيها . ( شواه ) ولا كلمة أخرى . وفي بعض الخيام كان الأطفال على أرض الخيمة ، من إصابتهم ، يئنون ويبكون ويصرخون ، وأما جثث الموتى فحدث ولا حرج . وفي صفحة رامي شبات نقرأ نعيه لأخيه وزوجته وشقيقته وأطفالهما الثلاثة وقد قتلوا في خيمة في دير البلح .
أمس ادعت إسرائيل أنها قتلت ٩١ إرهابيا في غزة و١٥ في مناطق أخرى ، وأما الصديق جمال زقوت Jamal Zakout فقد أدرج ٢٣ اسما من أفراد عائلة زقوت قتلوا هناك ؛ بينهم نساء وأطفال وعواجيز ، وقد يكون هؤلاء من بين الإرهابيين الذين قتلوا .
في صفحة الشاعر عثمان حسين تقرأ :
" حين تذبح غزة أمام بحرها عارية وعزلاء ، يفقد الكلام معناه ، ويخرج الصمت متسخا ، يلقى مزيدا من القبح في وجه العالم القبيح " .
ما أقبح عالمنا !
هل نوجه النصائح من بعيد لأهل مدينة غزة ؟
عندما أدرجت شريطا لامرأة تحكي عن النزوح وأنها ستنزح ، وشاهدت في الوقت نفسه شريطا ثانيا لشاب يتحدى مصرا على البقاء رافضا النزوح ، عقبت :
" يجب أن نشاهد أشرطة متنوعة ونصغي لوجهات النظر "
ومن أشرطة النزوح أدرجت ، نقلا عن صفحة بيسان عدوان Bisan GA Edwan ، شريط نزوح عجوز غزاوية محنية الظهر تتجاوز الثمانين ، تسير في الطريق فتتعب وتجلس على الرصيف .
ما أقبح العالم !
النكبة مستمرة ومتفاقمة وكذلك شاتيلا وصبرا التي صادف أمس ذكرى ارتكابها في العام ١٩٨٢ .
١٧ / ٩ / ٢٠٢٥
نجمة فوق بيت لحم..نجمة في رام لله:
في مهرجان الشعر شعرت بالخيبة . يا لي من رجل خائب !
خائب من أهلي ومن ابنتي الاثنتين ، وخائب من طلابي ومن أكثر زملائي .
خائب من شعبي ومن الألمان ، وخائب أيضا مني أنا .
لم أختر أن أكون كافكاويا ولكنني صرت كذلك .
لم أختر أن أنفق العمر وحيدا ، ولكنني غدوت أصلي للوحدة .
لم أختر أن أكون ثريا ولقد صرت ثريا .
لا أرغب في جمع المادة وكنت أفضل أن أوزع الكثير منها ،
ولكن الآخرين أنذال ، ولا يستحقون .
هكذا أخبرني ظلي هذه الليلة .
هل كنت أهذي أو كنت أحلم ؟
مقالي الأحد تحت عنوان هذه الفقرة ، لا عما ورد فيها .
طز في أكثرنا !!!
٢٠١٣
٢
حُزامة حبايب وأصل الهوى :
مرةً نشرت مقالاً عنوانه " المرأة لمّا تطل " . عنوان المقال جزء من مثل شعبي بقيّته " تسبق الكل " ، وكنت سمعت المثل من طالبة دراسات عليا ، فقد كنت قررت سبع روايات نسوية منها رواية نجوى بركات " يا سلام " ( 1999 ) ، ثم تراجعت عن تدريسها ، ولما سألني الطلاب عن السبب لم أفصح لهم عنه ، فالرواية فيها من الجرأة ما لم تعهده الرواية العربية إلاّ قليلاً ، وتعدّ رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " ( 1966 ) أكثر حذراً ، بما لا يُقاس ، في مقاربة موضوع الجنس . ولم تكن روايات مثل رواية سلوى النعيمي " برهان العسل " ( 2007 ) ورواية صبا الحرز " الآخرون " ( 2006 ) ورواية فضيلة الفاروق " اكتشاف الشهوة " ( 2006 ) ، قد صدرت .
قبل عامين التقيت في عمان بحزامة حبايب لقاءً عابراً جدّاً .
كنت سمعت مراراً من وليد أبو بكر إشادة بالكاتبة ، فقررت أن أقرأ لها ، وهكذا بحثت عن أعمالها التي صدر بعضها ـ قصص قصيرة ـ عن وزارة الثقافة الفلسطينية . وعرفت أن روايتها " أصل الهوى " ( ط2/2009 ) منعت في عمان ، ما دفعني لأبحث عنها أكثر ، فكل ممنوع مرغوب .
وأنا أسأل صاحب الكشك ( أبو علي ) عن رواية " أصل الهوى " ، أجابني بأن الرواية غير متوفرة ، لكن صاحبة الرواية موجودة ـ وكانت تقف إلى جانبه مع زوجها ـ وها هي حُزامة بنفسها .
وستقول لي حُزامة : اقرأ ، اقرأ وتمتّع . وسيمرّ عام وأكثر حتى أحصل على الرواية .
في حزيران من هذا العام كنت في عمّان ، وقد حصلت على نسخة منها أحضرها لي أبو علي من الناشر ماهر الكيّالي ، فلم تكن متوفرة في كشك أبي علي . وسأقرأ الرواية التي ذكّرتني بالمثل الذي حورّت فيه وقلت : " حُزامة لَمّا تَطُلّ تَسبِقُ الكُلّ " ، وأعتقد أنني لم أقرأ عملاً روائياً فيه من وصف العملية الجنسية ما قرأته في رواية حُزامة . حتى إن ما ورد في رواية سامية عيسى " حليب التين " ( 2010 ) يكاد لا يُذكر قياساً إلى ما ورد في رواية " أصل الهوى " .
وأنا في ألمانيا كنت أقف أمام بعض الأكشاك لأنظر في الكتب والمجلات ، ولأتصفّح بعضها ، وبعض الأكشاك كانت تعرض قصص ( بورنو ) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، ولا أدري لماذا كنت أتردّد في اقتنائها ، علماً بأنني لم أكن نبيّاً ـ لم أكن كيوسف الصدّيق ـ أو واعظاً أخلاقياً متزمّتاً ـ بعض الوُعّاظ يكون لهم وجه آخر ، هو الحقيقي ، وما زلت أذكر زميلاً لي ، عافاه الله ، وهو يعترض على تدريس رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " قائلاً إنه يخجل من أن يضعها على رفّ مكتبته - إن كان لديه مكتبة أصلاً ـ فكيف أقررها على الطلاب والطالبات ؟
ما زلت أذكر ذلك الزميل الذي كان يحفظ من النكت إياها الشيء الكثير ، وكان يكررها على مسامع زميل آخر له كل صباح ، ويتباريان أيُّهما يعرف نكتاً أكثر . هل أكتب عن تباري بعض أساتذة الجامعات في إظهار براعتهم في حفظ تلك النكت ؟ ، ومع ما سبق ، فإنني وأنا في ألمانيا اقتنيت بعض كتب من كتب ( البورنو ) ـ وهي قليلة جداً ـ أعني التي لديّ ـ والكتاب الأبرز هو كتاب ( جوزفين متزن باخر ) " قصة حياة عاهرة من فيينا : تقصها بنفسها " ، ولا أدري لماذا لم أشترِ الجزء الثاني منه ، وفيه تأتي على الرجال الذين عرفتهم واحداً واحداً . في حزيران من هذا العام ، وأنا في مكتبة شروق ، عرض عليّ أبو أحمد كتاب ( الكوماساترا ). الكتاب مُنع في عمان ، وقال لي الموظف إذا أردت نسخة منه فخذها بسعرِ التكلفة ، ولا أدري لماذا رفضت . هل رفضت خوفاً من أن يراه أحد ما في مكتبتي ذات نهار ، كما رأت خالتي أم محمد ـ أطال الله في عمرها ـ ذات نهار من العام 1976 صوراً لعارضات أزياء بالمايوه بين مجلاّتي التي تركتها في بيتهم في عمان ، حين عدت قافلاً إلى الضفة ، فابتسمت وقالت لي : كنت أظنّ أن القطة تأكل عشاك ؟
لا أظنّ أنني أخشى أن يراه شخص ما في مكتبتي التي تضم كتباً في الجنس مثل " المتعة المحظورة " و" الوشاح في فوائد النكاح " و" البغاء عَبر العصور " و" النكاح والجنس في التراث العربي " و" رشد اللبيب إلى معاشرة الحبيب ".
حُزامة حبايب و " أصل الهوى ".
ما إن بدأت أقرأ "وأصل الهوى " حتى كرّرت المثل " حُزامة لما تطلّ تسبق الكلّ " ، وما إن انتهيت من قراءة الرواية حتى تساءلت تُرى ما سبب منع الرواية في البلد الذي طبعت الرواية فيه ؟
لبوعلي ياسين كتاب عنوانه " الثالوث المحرم : الدين والجنس والسياسة "، و " أصل الهوى " لا تمسّ الدين من قريب أو من بعيد ، ولكنها تغرق في وصف العملية الجنسية استغراقاً يجعل منها وصفاً بالكلمات لأفلام ( بورنو ) يحظر عرضها في الفضائيات العربية على الأقل ـ أبطال الرواية مغرمون بالحصول على أفلام البورنو ـ .
وكما تغرق الرواية في وصف العملية الجنسية ـ تحديداً في الجزء الأول من الرواية ـ [ هل أرادت حُزامة أن تفتح شهية القارئ، لتدفعه إن كان متعطّشاً للجنس ، لمواصلة القراءة ؟ ]، فإنها تقترب من السياسة ، وتأتي على المخابرات وملاحقتها الأفراد المسيّسين ، وهذا قد لا يروق أيضا للنظام في البلد الذي طبعت فيه الرواية .
الجزء الأول من الرواية يأتي على عالم شخوصها في خريف عمرهم ، فيما تأتي صفحاتها اللاحقة ، في الجزأين الثاني والثالث ، على عالمهم في شبابهم ورجولتهم . وما بين النهايات والبدايات فارق كبير . الشاب الذي بدأ ثورياً وفدائياً تحوّل إلى عبثي ومُراهق جنسي في أربعينات وخمسينات وستينات عمره ، وأخذ يُتابع عالم النساء والجنس ، ولم يعد يكترث كثيراً بالسياسة . [ من تفاؤل البدايات .. إلى خيبة النهايات ] . وأنا أنتهي من قراءة الرواية قلت إن الذائقة الأدبية لديّ ولدى وليد أبو بكر جد مختلفة ؛ أنا شخصياً لم ترق لي " أصل الهوى " ، ولم أرَ فيها ما يجعلها تشكل علامة في الرواية الفلسطينية ، فهي ، من حيث الأسلوب ، تذكرنا برواية جبرا إبراهيم جبرا " السفينة " ( 1970 ) ، مع فارق يتمثل في أن قارئ جبرا لا يشعر بالإرهاق وهو يقرأ الرواية ، الإرهاق الذي يشعر به وهو يقرأ " أصل الهوى " حيث عدم امتلاك حُزامة أسلوب القصّ الذي يمتلكه جبرا ، ودقة استخدام الضمائر التي يمتلكها جبرا ، أيضاً .
الرواية كأداة للعلاج النفسي :
في الكتابة عن العلاقة بين الأدب وعلم النفس يتحدث النُقّاد عن تأثير الأدب في نفسية المتلقي ، وكوسيلة لعلاج الشخص المحيط، مثلاً ، يعرضون عليه قراءة روايات ذات نزعة تفاؤلية ، تحبّب المرء بالحياة .
حين فرغت من قراءة الرواية لم أحلم بامرأة تذكرني ببيت قيس بن الخطيم :
" أنّى سربت وكنت غير سروب
وتقرب الأحلام غير قريب "
وإنما حلمت أنني في الكويت أيام احتلال صدام لها . [ هل هرمنا من أجل تلك اللحظة التاريخية ] .
وأنا ذاهب إلى الكويت مارّاً بالعراق وجدتني محتجزاً مع مجموعة من الناس ، ملقين على الأرض في أحد قصور صدام الذي بدا طويلاً جداً ونحيفاً جداً جداً . كان مرتدياً بدلة عسكرية وبيده مسدس كأنّما يريد أن يصدّ به الطائرات الأميركية . المرأة التي كانت ملقاة إلى جانبي كانت تعول وتولول ، ما دفع بصدام لإطلاق النار عليها بلا رحمة ، فقد كان مرعوباً ، وَهَمَّ بإطلاق النار عليّ فابتسمت دون أن أطلب الرحمة منه كما فعلت المرأة ، ووجدتني أغادر بغداد إلى الكويت ، وعلى الحدود سألني الجنود عن هُويّتي ، وأخذوا يقيسون رأسي قائلين :
- إن مقاس رأسك أصغر مما هو موجود في الهُويّة .
ولا أدري بما تفوّهت حتى ابتسموا ، وتركوني أُغادر .
ولما قررت أن أصل الكويت مشياً ، فقد التقيت بأحد سوّاقي مخيم عسكر الذي يقود شاحنة ، وقد عرض عليّ أن يُقلّني معه ، وكدت أُوافق لولا عرض آخر من سائق آخر من مخيم عسكر كان أفضل من عرض السائق الأول :
- لما كنت لا أملك تأشيرة دخول ، فقد قال لي سائق الباص :
- قل لهم إنك تعمل معي مُعاوناً .
هل كان هذا الكابوس صدى لما ورد في رواية حُزامة من وصف عن اجتياح الكويت ؟ ربما ! لم تُعالجني الرواية بل زادت في كوابيسي ، ولم تُفلح المشاهد الجنسية التي تزخر بها في استثارتي .
هل هو الزمن أم أنني لم أعد من أهل الهوى ، ولا شأن لي ـ الآن ـ بأصله ؟ ويبدو أننا هرمنا حقاً أو أننا كبرنا على هذا النوع من الروايات؟
2012
٣
صبرا وشاتيلا :
ماذا فعل العالم مع مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا ؟
ماذا فعل من قبل مع مرتكبي مجازر دير ياسين وكفر قاسم ؟
وماذا فعل مع من طردوا شعبا كاملا من دياره ؟
وماذا فعل العالم مع بوش الأب والابن " ولا أقول الروح القدس .
أبو حسن المكوجي قال أمس إن جعجع وغيره من المجرمين ما زالوا على قيد الحياة يمارسون حياتهم كالمعتاد .
في ذكرى صبرا وشاتيلا نتذكر سطر محمود درويش الشعري
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
صباح الخير يا أهل صبرا وشاتيلا والرحمة على الاموات
٤
قراءة النصوص وأهميتها في إتقان اللغة : ( تابع لترجمات قصة كافكا " التحول )
أعادني النظر في تسع ترجمات لقصة ( كافكا ) " التحول " إلى خريف ١٩٨٧ وشتاء ١٩٨٨ وتعلمي الألمانية في حينه ، وإلى تجربتي المريرة في الامتحان النهائي ، حيث لم أوفق في اجتيازه واضطررت إلى إعادته بعد شهر .
أنفقت ستة أشهر في تعلم الألمانية ، وهي فترة غير كافية للتمكن من قراءة نصوص أدبية ، فالإلمام بالنحو وإتقانه لا يمكنان من قراءة نص أدبي أو كتابة مقال كتابة سليمة متينة خالية من الركاكة والضعف ، فالكتابة تتطلب أكثر من معرفة أساسيات اللغة . إنها تتطلب قراءة نصوص أدبية وغير أدبية مصوغة صياغة أنيقة .
ولسوف أنفق سنوات ثلاثة أخرى أقرأ فيها الكثير من المقالات والقصص وبعض الروايات ، ولكني لم أتمكن من ترجمة نصوص أدبية لأدباء ألمان أو كتبوا بالألمانية ، وجل ما أستطعت ترجمته ونجحت هو دراسات أدبية أو مقالات سياسية ، وغالبا ما كانت تمت إلى تخصصي بصلة ، ولو طلب مني أن أترجم غيرها مما لا يمت إلى تخصصي لوجدت صعوبة بالغة .
وأنا أقرأ ما كتبه جورج طرابيشي عن حياته وتعلمه اللغة وإتقانه لها ، عرفت أنه ترجم العديد من كتب ( هيغل ) مثل " المدخل إلى علم الجمال " و " الفن الكلاسيكي " و" الفن الرومانسي " و " الفن الرمزي " وأكثر كتب ( فرويد ) عن الفرنسية لا عن لغتها الأم الألمانية ، وقد قال إنه أتقن الفرنسية كتابة وقراءة ولكنه لم يتقنها محادثة ، مع أنه أقام في فرنسا خمسة عشر عاما . ويقر بأن الترجمة عن ترجمة خيانة مزدوجة ، ولكنها في حالته ، حيث ترجم عن الفرنسية لا عن الألمانية ، كانت ضرورية للقاريء العربي ، فالترجمات عن الألمانية ، يوم أقدم على الترجمة ، كانت قليلة جدا لقلة المترجمين عن الألمانية مباشرة ، ولا أعرف ماذا يقول الألمان عن ترجماته كونها تمت عبر لغة وسيطة .
في تتبع ترجمات قصة ( كافكا ) المذكورة لاحظت أن أكثرها تم عن الإنجليزية - ثمة ترجمة عن التشيكية - وأقلها عن الألمانية ، وحين تتبعت ترجمة الصفحة الأولى لاحظت اختلافا واضحا بينها ولم ألحظ تطابقا حتى بين الترجمات الثلاثة التي تمت عن الألمانية .
ماذا سنلاحظ لو أخذنا سطرين من كل ترجمة من الترجمات التسع ؟
وأعود إلى تعلمي الألمانية .
عندما تقدمت إلى الامتحان الشفهي الذي سيقرر النتيجة أراد الممتحن مساعدتي فسألني عن تخصصي واختار لي نصا من نصوص ( برتولد بريخت ) القصيرة " قصص السيد كوينر " ، وبدلا من أن يسعفني النص في اجتياز الامتحان أوقعني فيما لا تحمد عقباه . لقد كان نصا قصيرا مربكا ذا دلالة رمزية مكثفة ، عدا أن صياغته معقدة من حيث دقة كاتبه في الاعتماد على الضمائر .
ظل نص ( بريخت ) في مخيلتي ولم يبارحها ، وفي ٨ / ١١ / ١٩٨٨ - أي بعد خمسة أشهر - اشتريت كتاب " قصص السيد كوينر " لأقرأ النص من جديد وأفهم بهدوء معناه ، ومرت سنوات وظل النص يراودني وفي نفسي شيء منه ، وأزعم أنني حتى الآن غير راض عن فهمي وترجمتي له ، ولهذا لم أجرؤ على نشرها .
وأنا أقرأ عن ترجمات قصة ( كافكا ) عدت إلى ترجمتي قصة ( بريخت ) " طريقة ضد القوة " وقرأتها فلم أرض من جديد عنها وحمدت الله أنني لم أنشرها .
انظروا كيف بدت ترجمة أول سطرين من ترجمة " التحول " :
١ - " ما إن أفاق غربغور سامسا ، ذات صباح ، من أحلامه المزعجة ، حتى وجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة " .( منير بعلبكي ، عن الإنجليزية ، المسخ ، بيروت دار العلم للملايين ، ١٩٥٧ )
٢ - " استيقظ " جريجور سامسا " ذات صباح بعد أحلام مزعجة ، فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم " ( الدسوقي فهمي ، التحول / الدودة الهائلة ، فرنسيس كافكا ، عن .... )
٣- " ذات صباح ، استيقظ غريغور سامسا من نومه ، وكان مسترسلا في حلم مزعج ، فوجد نفسه وهو على سريره ، قد تحول إلى حشرة ضخمة " ( علي شيري ، المسخ ، عن الإنجليزية )
٤- " إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح ، على إثر أحلام سادها الاضطراب ، وجد أنه قد تحول ، وهو في سريره ، إلى حشرة عملاقة " ( مبارك وساط ، التحول ، عن الألمانية مستعينا بالفرنسية )
٥ - " عندما استيقظ غريغور سامسا من نومه ذات صباح عقب أحلام مضطربة ، وجد نفسه قد تحول في سريره إلى حشرة عملاقة " ( نبيل حفار ، عن الألمانية ، دار ممدوح عدوان ودار الرافدين ، ٢٠١٨ )
٦ - " ذات صباح استيقظ " جريجور سامسا " من نوم عكرته الأحلام المزعجة ، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة مرعبة " ( ابراهيم وطفي ، الانمساخ ، عن الألمانية ، منشورات وطفي ، توزيع دار الكلمة + دار الحصاد ، ٢٠١٤ ط١ ، و ط٢ ٢٠١٧ )
٧ - " ذات صباح أفاق جريغور سامسا من أحلام مزعجة ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة رهيبة " ( محمد أبو رحمة ، عن الإنجليزية ، القاهرة ، دار أقلام العربية ، ٢٠١٨ )
٨ - " آفاق رشيهورش سامسا صباح ذات يوم من أحلام مزعجة ليجد نفسه مستلقيا عن الفراش وقد تحول إلى حشرة متوحشة .." ( خالد البلتاجي ، المسخ ، عن التشيكية ، مصر ، دار العربي للنشر والتوزيع ، ٢٠١٤ ) .
ولم تكن الحشرة متوحشة ولا مرعبة ولا رهيبة ، فقد تعامل معها أهل البيت بهدوء .
لو كانت المساحة تتسع لأدرجت الصفحة الأولى كاملة من كل ترجمة ، ولربما اتضح الأمر أكثر ، ولكن ... .
( سوف أنشر ترجمة الصفحة الأولى من كل ترجمة ، لاحقا ، في مكان خاص مع تعقيب عليها ، ولكن بعد الحصول على الصفحة الأولى من ترجمة يوسف عطا الطريفي الصادرة عن دار الأهلية في عمان ٢٠١٧ )
الجمعة والسبت
٢٠ و ٢١ تشرين الثاني ٢٠٢٠ .
٥
يوميات غزة ( ٣٤٧ ) :
أطفال ذهب البؤس بكل ملامحهم وخيام تقلعها الرياح ومقاومة مستمرة
أكثر الصور لفتا للأنظار كانت أمس وفجر اليوم صور لأطفال غزة الإناث . ذكرتني ملامحهن المجهدة ؛ الضاحكة حينا قليلا والعابسة المكفهرة أحيانا كثيرة بسطر شعري للشاعر مظفر النواب في قصيدته " تل الزعتر " وهو :
" وقد وقف الأطفال وذهب البؤس بكل ملامحهم " .
ولم يقلل من تأثير هذه الصور التي تبعث الأسى شريط فيديو لأطفال ذكور يدبكون ، كما لو أنهم في عرس ، فرحين يقودهم فتى يافع ويغنون ، فيم نازحو مركز الإيواء حولهم يصفقون لهم .
وأكثر نص نثري أثار انتباهي هو النص القصير الذي كتبه حسن القطراوي يأتي فيه على رؤيته في السوبرماركت رجلا يشتري وبيده هاتف ويكرر عبارة : ستنتهي الحرب قريبا .
رأى حسن الرجل في السوبر ماركت ثانية يشتري نوعا غريبا من الشوكولاتة ثانية ، فسأله إن كانت الحرب ستنتهي قريبا . ضحك الرجل وغادر ، فلما سأل حسن صاحب السوبرماركت عنه أخبره بقصته . لم يصدق الرجل أنه فقد ابنته ، فما زال يشتري لها الشوكلاته . هل نستغرب ما ألم من جنون بكثيرين من رجال قطاع غزة ونسائه ؟
وأمس هبت رياح عاصفة كادت تقتلع خيام النازحين أو ما يسمى " خيام " ، والناس صارت تسأل عن خيام للشتاء أكثر مما تسأل عن عودتها إلى منازلها التي أجبرت على تركها ، ما أثار بعض الناشطين الفيسبوكيين وأغضبهم فكتبوا : صرنا نتعود على الإقامة في الخيام .
هل يئسوا ؟
أمس من جديد عادت طائرات هيلوكابتر إسرائيلية تنقل قتلى ومصابين من رفح التي أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أنهى عملياته العسكرية فيها ، بعد أن قضى على كتيبتها العسكرية .
لسنا بخير ما دام الاحتلال رابضا على أرضنا وما دام اللاجئون لاجئين . لسنا بخير ما دامت الحرب مستمرة وأهل قطاع غزة مشردين نازحين يقيمون في مراكز الإيواء أو في خيمة .
الحكاية طويلة ورحمك الله يا " أبو يسار " الذي كتب في أشعاره متسائلا عما يخسره الفقراء الفلسطينيون في المخيمات :
خيمتهم . معيشتهم . قيد إسارهم والذل .
" وحين كبرت لم أصفح " .
رحم الله أحمد دحبور راوية المخيم .
١٧ / ٩ / ٢٠٢٤
٦
قبل اسبوع :
" جهات يهودية توظف بناتها لخدمة الدولة "
قبل أسبوع سمعت من إذاعة أجيال أن هناك جهات يهودية توظف الفتيات اليهوديات في الدعارةلخدمة الشعب اليهودي ودولته .
الفكرة قديمة جدا ، وليس آخرها هذاالخبر ومن قبله ما أشيع عن ( تسبي ليفني ) وأصدقائها الفلسطينين .
أنا تتبعت الفكرة في الأدب وكتبت مقالة مكثفة عنوانها " الديوث ليهودي ، هل هو اختراع عربي ؟ "
وقد نشرتها أولا ، في مجلة كنعان ، ثم أعدت نشرها في كتابي " جدل الذات والآخر : اليهود في الرواية العربية " .
مرة أنجزت رسالة ماجستير في جامعة حيفا عن دور المضيفات اليهوديات في إقامة الدولة ، ويقصد بالمضيفات " الفتيات المرسلات للجنود الإنجليز وغيرهم ، وتقديم أجسادهن لهم للحصول على معلومات أو لتسهيل دخول السلاح والمهاجرين اليهود غير الشرعيين " .
ما سبق تقر به اسرائيل ، وكلنا نصدق الرواية ، لكن لا أحد يصدق عادل الاسطة حين يقول هذا عن تجربته في ألمانيا ، أو حين يكتبه في روايته .
مرة قالت فدوى طوقان عن عدم اعتبار أهل نابلس لها شاعرة " زمار البلد لا يطرب " .
٧
السيرة الذاتية مدخلا لفهم النص الإبداعي :
هل أفاد نقدنا من السير الذاتية ﻷدبائنا في أثناء دراسة نصوصهم الإبداعية ؟
مرة درس د . خليل الشيخ أعمال جبرا الروائية في ضوء سيرته " البئر اﻷولى " ، وسأدرس شخصيا قصص جبرا القصيرة في ضوء سيرته بجزئيها .
حين أصدر محمود شقير " ظل آخر للمكان " كتبت عن أهميتها في إضاءة قصصه ، وأفدت مرارا من نثر درويش وأنا أدرس شعره .
هل درست أشعار فدوى طوقان في ضوء سيرتها ؟
مرة أشرفت على رسالة ماجستير طلبت من كاتبها أن يدرس فدوى اتكاء على منهج ( ادموند ولسون ) ويقوم على دراسة سيرة اﻷديب والاستنتاج منها حول نفسيته ثم تطبيق هذا على آثاره .
أنا الآن أعيد قراءة سيرة فدوى لسبب آخر ولكني ألاحظ أنها تضيء قصائد كثيرة لها . هل هناك دراسة أنجزت عن هذا؟( اخبرني د.خليل الشيخ أنه قارب هذا في كتابه " السيرة والمتخيل " )
اﻷمر يستحق متابعة ، وسيرة فدوى تلقي الضوء على كثير من قصائدها . هل سيعترض النقاد النصيون ؟
٨
كتابان أذهلاني :
" المتنبي بين البطولة والاغتراب " لمحمد شرارة ، وكنت قرأته في بدايات العام ١٩٨٣.
وكتاب غالي شكري " شعرنا الحديث .. إلى أين ؟ " وقراته غير مرة وأنا أدرس مساق الأدب العربي الحديث .
هناك ، بالتأكيد ، كنب أخرى .
مثلا راقت لي كتب الناقد عبد الواحد لؤلؤة المؤلفة والمترجمة أيضا .
أعتقد أن ما كتبته عن جدارية محمود درويش ٢٠٠٠ لا يقل قيمة عن كتاب شرارة ، وأن ما أكتبه ، الآن،عن رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو " لا يقل قيمة عن كتاب غالي شكري من حيث الرصد وفيض المعلومات .
يا صباح يا عليم !
ما هذا الغرور ؟
الناس في إيش وعادل الاسطة في ايش .
كأن أبناء عمنا اليهود كانوا أمس قد أنقذوا ستة غرقى فلسطينيين في شاطيء يافا .
كأنهم لم يقتلوا ، بدم بارد ، ثلاثة عرب .
كأنهم لم يعدموهم أيضا بدم انجليزي بلفوري .
١٧/٩/٢٠١٦
٩
كثيرون كتبوا ، في شيخوختهم ، عن طفولتهم . طه حسين وجبرا ابراهيم جبرا و فدوى طوقان و محمد شكري . وأظن أن أكثرهم كتب كتابة كان للزمن الكتابي تأثير فيها على الزمن المسترجع -أي زمن الطفولة .
أفضل قراءة لصورة طفولة كاتب ما تكمن في ما كتبه في أعماله الأدبية الأولى عن طفولته . هنا لا يكون الفارق بين الزمنين ؛الكتابي والمسترجع - السيرة ، كبيرا .
الموضوع طريف وقد قال ( وردزوورث) :
"إن الطفل هو والد الرجل " وقد استشهد جبرا ابراهيم جبرا بهذه المقولة في سيرته .
١٠
لا تسلم جهازك إن كنت لا تحسن التكنولوجيا لمصلح أجهزة. ارمه واشتر غيره .
مرة كتبت إن بعض الصاغة يغشون الذهب فيخلطونه بالنحاس .
ماذا يحدث لجهازك إن سلمته لمصلح ؟
يعود كما ولدته أمه (؟) - أنتجه المصنع - بالصلاةعلى النبي .
طلبت من المصلح أن يعيد لي عنوان بريدي الالكتروني السابق فقال إنه لا يمكن . أنا الأهبل تكنولوجيا .فعلت هذا .
خليها على الله .
أنا لا أترك أحدا بحاله . هكذا الفكرة الدارجة عني . تعاملي مع الآخرين صعب ولهذا يجب أن أتقاعد وأرحل ، ولكن ماذا أفعل بتأثير أشعار محمود درويش في :
"وأبي قال مرة :
الذي ما له وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر ! "
الله يرحمك يابا ويرحمك يا محمود درويش ويرحم شهداء صبرا وشاتيلا في ذكراهم .
17 ايلول 2018.
١١
عوامة نجيب محفوظ :
ناجاه مغمغما أن ليس كعوامتنا شيء .
الحب لعبة قديمة بالية ولكنه رياضة في عوامتنا
الفسق رذيلة في المجالس والمعاهد ولكنه حرية في عوامتنا
والنساء تقاليد ووثائق في البيوت ولكنهن مراهقة وفتنة في عوامتنا
والقمر كوكب سيار خامد ولكنه شعر في عوامتنا
والجنون مرض في أي مكان ولكنه فلسفة في عوامتنا
والشيء شيء حيثما كان ولكنه لا شيء في عوامتنا " .
ثرثرة فوق النيل .
١٢
الست كورونا : التآمر على قيادات حماس ( 76 )
أمس كان وضع الكمامات لافتا ، ويبدو أن كثيرين صاروا مقتنعين بالخطر القادم مع الخريف ، حيث يشاع أن الموجة القادمة ستكون عنيفة وشديدة .
أحد باعة الكمامات أراد تسويق ما لديه بإرخاص قيمة الكمامة فأخذ ينادي على سعرها بالعملة القديمة شبه المنسية في مدن الضفة الغربية ، فالمواطن الضفاوي لا يتعامل بها ولا يتذكرها إلا إذا ركب حافلة " باص " في القدس أو في فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ . العملة هي الأغورة ، وبائع الكمامات كان ينادي :
- كل كمامة بأغورتين .
وعندما زرت القدس وصعدت إلى الباص وأعاد السائق إلي أربع اغورات احترت ماذا أفعل بها .
هل ثمة ما يميز بين الكمامة التي يضعها فتحاوي أو حمساوي أو جبهاوي أو مستقل أو داعشي ؟
خبر الصباح يقول إن المواطن أحمد نمر أبو عرة أحد مؤسسي حركة حماس ، وهو من بلدة طوباس ، توفي بالكورونا . هل بدأت الكورونا تهاجم القيادات ومؤسسي الحركات ؟ وهل تقف إسرائيل وراء الأمر ؟
لكل حركة فلسطينية أو تنظيم فلسطيني علمه الخاص ، فهل سيكون لكل منها كمامة خاصة لكي تميز الكورونا بين فصيل وفصيل وعرق وعرق ، إن كانت تتعاطف مع فصيل دون آخر أو عرق دون عرق .
رحم الله أحمد نمر أبو عرة ورحم أيضا شهداء شاتيلا وصبرا ، وأتمنى الصحة والعافية لمن تبقى من مؤسسي فتح والجبهة الشعبية والديموقرطية والحزب الشيوعي و .. ولمحافظ مدينة نابلس أيضا على الرغم مما تفعله المحافظة معي .
١٧ أيلول ٢٠٢٠
١٣
أجواء خريفية :
كانت الأجواء أمس خريفية تماما توحي بفصل شتاء مبكر . هل كانت الطبيعة حزينة في ذكرى مذبحة شاتيلا وصبرا في أيلول ١٩٨٢ ؟
مرت الذكرى ولم أكتب عنها . " معلش " .
أمس جلست من الثانية عشرة ظهرا حتى الثانية في مقهى خان الوكالة مع زميلي السابق في قسم اللغة العربية عادل أبو عمشة الذي كان ينفث دخان سجائره ناسيا أو متناسيا أن الست كورونا تأبى أن تغادرنا ، ولم يكن المتردد الوحيد على المقهى الذي يدخن ، فثمة كثيرون وكثيرات كانوا يؤرجلون ، كما لو أن الأجواء الخريفية كانت ، بالإضافة إلى حزن الطبيعة في ذكرى شاتيلا وصبرا ، بسبب دخان سجائرهم وأراجيلهم .
من المؤكد أن الكاتب السوري محمد الماغوط سيسخر مني وسيطلب منهم أن يسخروا أيضا مني ، فدخان سجائرهم وأراجيلهم لن يدمر طبقة الأوزون ، لتغرق هذه الكرة الأرضية في قاع عميق .
أول أمس جلست في مقهى الهموز مع الصديقين يوسف نصرالله وعيسى بشارة Yousef Nasrallah و Issa Bishara Issa وأتينا على علاقتي بمحمود درويش وشتمه لي ، فأخبرني عيسى أنه يعرف بالضبط ما قاله الشاعر في الناقد ، وأنا ابتسمت وقلت له إن السبب يعود إلى كتابي " ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية " ، وكان الشاعر يصفني بأنني محقق وشرطي و ( شارلك هولمز ) الفلسطيني .
استغرب عيسى كيف أقدر محمود درويش شعريا على الرغم مما قاله عني ، فابتسمت ثانية وقلت له :
- لكي يكون لما أكتب مصداقية ، ومصداقيتي هذه هي التي جعلت الشاعر لاحقا يحترمني ، مع أنه لم ينس كتابتي عنه .
عيسى بشارة شاعر وله رواية " مدينة البغي " وقد كتبت عنها وعن بعض قضائده ، ولقد أخبرني قصة طريفة جدا عما فعله بديوانه الأول أتمنى أن يكتبها هو وإلا فسأكتبها أنا حتى لو قاطعني وتخلى عن صداقتي .
كم يخسر الناقد من صداقات !!
وهذا ما علق به هو شخصيا على إحدى الفقرات التي كتبتها .
عيسى زميلي في الصف الأول الثانوي في العام ١٩٦٩ في مدرسة الملك طلال وفي مدرسة الجاحظ الثانوية في نابلس في العامين ١٩٧٠و١٩٧٢ .
١٧ أيلول ٢٠٢١
١٤
شاتيلا وصبرا والكتاب الفلسطينيون :
ظل أمس السؤال القديم يطرق أذني :
- ألم يكن هناك روائي فلسطيني واحد يقيم في ١٩٨٢ في شاتيلا وصبرا قدر له أن ينجو فيصف لنا حدث المجزرة المذبحة المقتلة من الداخل ؟
هو صوت محمود درويش الذي ظل خلال الأربعين سنة الماضية يعلو ويعلو ويعلو ، وإلى جانب صوته كتابة الفرنسي ( جان جينيه ) ولاحقا كتابة اللبناني إلياس خوري .
اليوم هو ذكرى اليوم الثاني للمجزرة المذبحة المقتلة .
من دير ياسين إلى قبية فالطنطورة فجامع دهمش في اللد فكفر قاسم فالبقعة فتل الزعتر وجسر الباشا فشاتيلا وصبرا فالحرم الإبراهيمي في الخليل فمخيم اليرموك ومخيم جنين وحروب غزة يا قلبي لا تحزن ... .
أمس وأنا أمر بحاجز زعترة التفت ثانية إلى اصبع الجندي الإسرائيلي المحتل على الزناد .
١٧ أيلول ٢٠٢٢ .
١٥
سحر خليفة في " روايتي لروايتي ج٢ " : التعالي على أدب القضية
أعتقد أنه لولا القضية الفلسطينية لما قرأنا لكتاب فلسطينيين كثر ، ولربما ما ترجم لقسم من الكتاب الفلسطينيين الذين ترجمت بعض أعمالهم إلى اللغات الأخرى ، وفي هذا كتابة تطول .
تفتتح سحر خليفة سيرتها الذاتية " روايتي لروايتي ج٢ " بتنويه تسائل فيه نفسها :
"- أنت يا سحر ماذا تفغلين وماذا فعلت ؟ كرست أدبك وإنتاجك لقضية سياسية معقدة ، ونسيت أن الأدب السياسي لا يدوم ولا يعمر ! من سيذكرك ويقرأ أدبك حين تنحل القضية أو تتلاشى وتبوخ ذكراها وينساها الناس ؟ "
ولكنها تتراجع عن مساءلة ذاتها
" فأي أدب لا يرصد كل هذا الألم والدم والدموع ليس أدبا ، بل قلة أدب وأنا نية وجبنا وتمسحة ضمير ومشاعر "
ولا أعرف ماذا سيقول اللغويون في لغتها وأسلوبها .
وأرى إن سحر لم تعرف من روايتها الأولى " لم نعد جواري لكم " ١٩٧٤ وإنما من روايتها الثانية بجزئيها " الصبار " ١٩٧٦ و " عباد الشمس " ١٩٧٩ . والرواية الأولى رواية تعالج الحياة الاجتماعية فيما الثانية تقارب الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد العام ١٩٦٧ .
عدا أن كتابة الأدب ليخلد صاحبه فكرة لم تعد مجدية لغزارة الكتابة والترجمة ، فإن سحر خليفة لم تكتب رواية واحدة يمكن أن يقال عنها إنها شكلت انقلابا في الشكل الروائي العالمي . لا تشكل أية رواية لها صرعة في الشكل الروائي العالمي كرواية ( جيمس جويس ) " يوليسيس " أو الروايات الحداثية التي كتب عنها ( الن روب جرييه ) في كتابه " نحو رواية جديدة " ، وحتى نجيب محفوظ العربي الوحيد الحائز على نوبل في الآداب لم يمنح الجائزة لأنه جدد في الشكل الفني وإنما لأنه كتب عن الواقع المصري .
عندما كتب محمود درويش " سرير الغريبة " على أمل الخروج من أدب القضية لم يتلق الديوان تلقي أشعاره المتعلقة بالقضية ، فماذا لو كتب أشعاره كلها على شاكلة " سرير الغريبة " ؟ من كان سيسمع به ومن كان سيترجم أعماله ؟
لولا القضية الفلسطينية والقضية النسوية التي كتبت فيهما سحر لما ترجمت أعمالها إلى اللغات الأخرى ، إذ لن يرى فيها المترجمون والقراء أية قيمة أدبية .
يا كتابنا : تواضعوا !!
شخصيا كل أدب لا يصدر عن قضية سياسية أو اجتماعية لا يعنيني .
ربما يثري النقاش الموضوع ! ربما !
١٧ / ٩ / ٢٠٢٣ .
١٦
جهاد الرنتيسي : اختلاط الأزمنة والأمكنة : هل يربك القاريء ؟
أصدر الكاتب جهاد الرنتيسي المقيم الآن في عمان ، والعائد من الكويت البلد الذي عاش فيه شبابه ونشط فيه سياسيا ، أصدر في العامين الأخيرين روايتين أقرب إلى النوفيلا حجما هما " بقايا رغوة " ٢٠٢١و " خبايا الرماد " ٢٠٢٣ ، فلا تزيد أي منهما عن المائة والثلاثين صفحة من الحجم المتوسط .
الروايتان يتحرك الشخوص فيهما بين الكويت وعمان ودمشق وبيروت ، وهؤلاء الشخوص قسم منهم حقيقيون معروفون للفلسطينيين بعامة وفلسطينيي الكويت بخاصة ، إذ عاش بعضهم في الكويت منذ ستينيات القرن العشرين وأسهم في تأسيس حركة فتح وكان ناشطا فيها وقاتل في صفوفها ثم انشق عنها في العام ١٩٨٣ أو بقي فيها . وقد تثير الروايتان لأبناء حركة فتح أسئلة عديدة ، وقد ينقسمون إزاءها ، بخاصة أبناء فتح ممن أقاموا في الكويت .
وتتطلب قراءة الروايتين قدرا كبيرا من التركيز ؛ لأن السرد فيهما لا يسير بخط أفقي : بداية - وسط - نهاية ، وإنما يتكيء على تكسير الزمن والتنقل فيه من حاضر إلى ماض فعودة إلى حاضر فماض فحاضر ، ثم الانتقال من مكان إلى ثان فثالث والعودة إلى المكان ومغادرته إلى مكان آخر . ببساطة تتطلب القراءة قدرا كبيرا من التركيز ، ما يذكر برواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ التي طرحت على كاتبها سؤال :
- لمن يكتب الكاتب ؟ لمن أكتب أنا ؟ هل أكتب ليقال انني كاتب كبير أم أكتب من أجل قضية ؟ والكتابة من أجل قضية تتطلب التواصل مع الجماهير لا الكتابة للنخبة فقط .
هل سيعيدنا جهاد الرنتيسي إلى الجدل الذي أثير بعد صدور رواية كنفاني ؟
مرة كتبت متسائلا إن كان الأدباء الفلسطينيون الذين أقاموا في الكويت كتبوا عن تجربة الفلسطينيين هناك ، فالفلسطينيون موجودون في الكويت منذ خمسينيات القرن العشرين ، وصارت لمن أقام فيها منهم وطنه الثاني وكانت حياتهم فيها في الجانبين؛ السياسي والثقافي ، ثرية غنية .
عاش غسان كنفاني في الكويت واستوحى من حياة الفلسطينيين فيها بعض أعماله ، وعاش فيها أيضا الفنان ناجي العلي والناقد وليد أبو بكر والكاتب محمد الأسعد والروائي زياد عبد الفتاح والقاص محمود الريماوي والقاص تيسير نظمي والروائية حزامة حبايب والشعراء سميح محسن وحلمي الزواتي وعيسى بشارة وآخرون كثر .
وأنا أقرأ الروايتين قلت إن بعض الشخوص فيهما لا تبدو للقاريء مكتملة ، ولهذا فلن تعيش في ذهنه . إنها تبدو مكتملة للكاتب أو لفلسطينيي الكويت ممن عاشوا التجربة ليس أكثر .
ثمة أسئلة عديدة تثيرها الروايتان منها العلاقات الأسرية لبعض رموز حركة فتح ، ومنها ما يتعلق بحياة المقاتل وعلاقاته النسوية . هل يسيء الحب الحسي إليه ؟
ماذا تبقى من حياة الفلسطينيين في الكويت ؟ ماذا تبقى من تجربتهم هناك ؟ ماذا تبقى من علاقاتهم ببعضهم ؟ هل يجب فتح أوراقهم وأوراق القيادة الفلسطينية التي أسست في الكويت حركة فتح ؟ ما خباياهم وماذا ظهر منها وماذا يريد الكاتب أن يظهر وأن يقول ؟
أسئلة ربما تجد أجوبة لدى القراء من أبناء حركة فتح !
ولكن بقي سؤال أخير هو :
- هل هناك أدب فصيل / فصيلي / فصائلي في الأدب الفلسطيني ؟ ومن كتبه ؟
١٧ / ٩ / ٢٠٢٣
١٧
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
خسارات الرواية العربية / الفلسطينية : إلياس خوري
في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ كان الروائي اللبناني فلسطيني الهوى إلياس خوري يتعافى من مرض ألم به في تموز ٢٠٢٣ ، وهكذا لم يتمكن من مواكبة الأحداث مواكبة لحظية ؛ دقيقة فدقيقة وساعة فساعة ويوما فيوما ، ولكنه على الرغم من ذلك تحامل على وجعه وضعف جسده ، فكتب ، في الحرب وعنها وفيما يخصها ، مقاله الأسبوعي في القدس العربي وافتتاحيته لمجلة الدراسات الفلسطينية الفصلية ، وكل من كان يقرأ مقالاته قبل مرضه ، وقرأ مقالاته التي كتبها في أثنائه ، لاحظ الفرق في المستوى واضحا ، بل وأحيانا في الموضوع ، فلم نعهده فيها يكتب عن ألمه الشخصي . وإن كان ، من قبل ، عبر عن آلآمه ، فمن خلال شخصياته الروائية التي كانت تعاني من أشكال مختلفة من الآلام الناجمة عن الفقد والحرمان والوحدة والعزلة والنفي والحرب ؛ الأهلية والوطنية ، والفواجع الشخصية والعامة .
وكان لكتابته - لو لم يعان من المرض - أن تكون ذات مذاق مختلف ، مثل رواياته التي كتبها في الموضوع الفلسطيني ، ابتداء من " الوجوه البيضاء " مرورا ب " مملكة الغرباء " ف " باب الشمس " و " كأنها نائمة " وثلاثية " أولاد الغيتو : اسمي آدم " و " نجمة البحر" و " رجل يشبهني " التي تؤهله - بناء على معيار الموضوع في تحديد هوية الأدب - أن يعد علامة رابعة في الرواية الفلسطينية إلى جانب علامات ثلاثة معروفة : غسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ، فهو الذي قرأ رواياتهم وتشربها ودرسها في الجامعات ، اتكأ عليها في بناء رواياته - أي تناصت رواياته مع روايات المذكورين وفوقها رواية أنطون شماس " عربسك " ، ولم يكتف بالرواية ، فقد تمثل حياة شاعرين فلسطينيين مهمين ، هما راشد حسين ومحمود درويش اللذين كتب عنهما في كتبه النقدية ، وقدم ، في رواياته ، لجانب من حياتهما الشخصية ، ما لم تقدمه كتب عديدة أنجزت عنهما . كأنه وهو يكتب عنهما في رواياته لم يهتم وحسب في أشعارهما قدر اهتمامه بجانب شخصي هو علاقة كل منهما بالمرأة اليهودية التي أحبها وأسطرة هذه العلاقة .
حضر الموضوع الفلسطيني في روايات إلياس كما لم يحضر في روايات فلسطينية تلت روايات كنفاني وحبيبي ، بل ويمكن القول إن حضور الموضوع الفلسطيني في رواياته فاق حضوره في روايات الكاتبين ، وقد يعود السبب في ذلك إلى أنه عاش أربعين عاما إضافية أخرى عن الأعوام التي عاشها كنفاني وكتب الرواية في سن مبكرة أبكر من السن التي كتب فيها حبيبي رواياته ، وفوق ذلك أنه حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ . وهكذا تقرأ في رواياته تفاصيل التفاصيل فيما تعرضت له فلسطين في العام ١٩٤٨ - عام النكبة وما تلاه ، وربما هذا هو ما حدا بالمرحوم أحمد دحبور ، حين كتب عن رواية " باب الشمس " ( ١٩٩٨ ) ، إلى اعتبارها رواية المأساة الفلسطينية التي أرخت لها كما لم يؤرخ لها من قبل .
عندما كتب إلياس ثلاثيته " أولاد الغيتو " احتار في إشكالية تجنيسها وبدت حيرته على لسان الشخصية التي اختفى وراءها وأنطقها بما ينطق به هو ، وحيرة آدم دنون تأخذنا إلى موضوع آخر يمس شخصية إلياس نفسه وتحيلنا إلى أبجديات المنهج الوضعي في النقد الذي لا يفصل بين الكاتب ونتاجه وتراهما متداخلين يعبران عن روح واحدة هي روح المؤلف .
يحتار آدم في تجنيس دفاتره التي يكتبها : أهي سيرة ذاتية أم رواية أم نص أدبي أم ... ؟ ولسوف تدفع هذه الحيرة القاريء الملم بكتابات المؤلف / إلياس إلى التساؤل إن كان إلياس نفسه يحتار في تصنيف ثلاثيته ، وهو ما فعلته مرة فكتبت تحت عنوان " إشكالية التجنيس في " أولاد الغيتو " وجعلتني أرجح أنها ليست سيرة ذاتية لإلياس بل سيرة فكرية أدبية تتخذ من آدم دنون قناعا لها ليحكي لنا المؤلف ، وهو يحكي عن الموضوع الفلسطيني ، عن قراءاته المتعددة فيه ؛ في الأدب العالمي والأدب الفلسطيني والأدب الإسرائيلي وتاريخ القضية الفلسطينية وما شهدته وما مر به الفلسطينيون من أحداث جسام منذ ١٩٤٨ وحتى انتفاضة الأقصى وذيولها ؛ في فلسطين وفي مخيمات لبنان ، بل وفي نيويورك حيث نخبة فلسطينية درست في الجامعات الأمريكية . وللتدليل على ما سبق بمكن اختيار النصين الآتيين من الجزء الثاني من " أولاد الغيتو " وهو " إسمي آدم " :
" فأنا كاتب ممتليء بالنصوص التي قرأتها / كتبتها ، أتعامل معها بوصفها حقيقة ، موظفا خيال الآخرين ، من أجل خدمة خيالي ، بهذا المعنى ، أنا هو الكاتب الذي لم يكتب شيئا لأنه كتب كل شيء ، وهكذا اتفوق على جميع كتاب العالم الذين يشعرون بالفرح القاحل الذي يحاصرهم ، بينما لا أشعر سوى بالمتعة والعطش إلى مزيد من ماء الكلمات " .
"لا شيء يفسر عودتي إلى هذه الأوراق سوى سحر الكلمات ، فالسحر بدأ بالكلمات ، والكلمات حين تكتب تختلج باحتمالات الحياة ، وها أنا أنظر كالمشدوه إلى كلام ماضي الماضي ، وأجد نفسي أمام حكاية أشعر أنني وارثها ، لأنني قارئها الوحيد " ( إسمي آدم ، ١٥٠ / ١٥١ ) .
ويفصح الاقتباس الثاني عن ولعه بالكلمات والكتابة ، هذا الولع وصل حد السحر ، فالكلمات تسحره ، وسحرها يدفعه إلى اللعب الجمالي بها ، ولم أقرأ شخصيا ، فيما قرأت ، لكاتب عربي لعب في رواياته جماليا ، وبوعي يظهره في نصه ولا يترك القاريء يستنتجه ، كما قرأت في روايات إلياس . لقد سحره أسلوب أحمد فارس الشدياق وأسلوب إميل حبيبي وارستقراطية لغة جبرا إبراهيم جبرا ، وأراد أن يكون لكتابته في الجانب اللغوي نصيب أيضا .
( تاريخ كتابة المقال : الثلاثاء والأربعاء و ١٨ / ٩ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد ٢٢ / ٩ / ٢٠٢٤ لدفاتر الأيام الفلسطينية )
١٨
غزة 712 :
محرقة ( شواه ) :
على الرغم من أن دولة الاحتلال الإسرائيلي طلبت من أهل مدينة غزة أن يخلوا بيوتهم وينزحوا إلى الجنوب ، طلبا للسلامة والأمان ، فإن النازحين لم يسلموا ؛ من كانوا في طريقهم إلى الجنوب وبعض من كانوا في خيامهم في المناطق المزعوم أنها آمنة .
أشرطة فيديو عديدة أرت سيارات تتجه نحو الجنوب وقد احترقت ومن فيها . ( شواه ) ولا كلمة أخرى . وفي بعض الخيام كان الأطفال على أرض الخيمة ، من إصابتهم ، يئنون ويبكون ويصرخون ، وأما جثث الموتى فحدث ولا حرج . وفي صفحة رامي شبات نقرأ نعيه لأخيه وزوجته وشقيقته وأطفالهما الثلاثة وقد قتلوا في خيمة في دير البلح .
أمس ادعت إسرائيل أنها قتلت ٩١ إرهابيا في غزة و١٥ في مناطق أخرى ، وأما الصديق جمال زقوت Jamal Zakout فقد أدرج ٢٣ اسما من أفراد عائلة زقوت قتلوا هناك ؛ بينهم نساء وأطفال وعواجيز ، وقد يكون هؤلاء من بين الإرهابيين الذين قتلوا .
في صفحة الشاعر عثمان حسين تقرأ :
" حين تذبح غزة أمام بحرها عارية وعزلاء ، يفقد الكلام معناه ، ويخرج الصمت متسخا ، يلقى مزيدا من القبح في وجه العالم القبيح " .
ما أقبح عالمنا !
هل نوجه النصائح من بعيد لأهل مدينة غزة ؟
عندما أدرجت شريطا لامرأة تحكي عن النزوح وأنها ستنزح ، وشاهدت في الوقت نفسه شريطا ثانيا لشاب يتحدى مصرا على البقاء رافضا النزوح ، عقبت :
" يجب أن نشاهد أشرطة متنوعة ونصغي لوجهات النظر "
ومن أشرطة النزوح أدرجت ، نقلا عن صفحة بيسان عدوان Bisan GA Edwan ، شريط نزوح عجوز غزاوية محنية الظهر تتجاوز الثمانين ، تسير في الطريق فتتعب وتجلس على الرصيف .
ما أقبح العالم !
النكبة مستمرة ومتفاقمة وكذلك شاتيلا وصبرا التي صادف أمس ذكرى ارتكابها في العام ١٩٨٢ .
١٧ / ٩ / ٢٠٢٥